
يجب أن نعترف بأن الوقت حان لمراجعة كل الأفكار التي حملناها ودافعنا عنها بشراسة لسنوات طويلة ، في لغة الرياضة وفي لغة السياسة أيضاً وصلنا إلى مرحلة التصفيات النهائية ، قريباً وقريباً جداً سيوضع طرفا القيادة الفلسطينية تحت حجر الطاحون أمام تحديات داخلية وخارجية وسيكون من المستحيل على أي منهما النجاة مستعملين نفس الاساليب والادوات . لم يعد مجدياً التوسل والمطالبة بإنهاء هذا الوضع الشاذ الذي ترتب بناء على واقع إقليمي تغير ، لم يتبق للفلسطينيين سوى هياكل مقدسة فارغة المضمون لا تستحق عناء الاستجداء ، وحتى لا يذهب أحد بعيداً في خياله أنا لا أطالب بالانقضاض على طرفي الانقسام ، أنا أدعو لتركهم وشأنهم في الوقت الحالي . الوضع الإقليمي الجديد سيتكفل بهذه المهمة المسألة مسألة وقت ليس إلا . على الشعب الفلسطيني أن يحضر نفسه للمعركة القادمة معتمداً على نفسه . الاحتلال يعيش شهر عسل لم يشهد له مثيل منذ قيام دولتهم : مريح وغير مكلف بل ويجني أرباحاً ، هرولة رسمية عربية وفلسطينية مما يعزز موقع القوى الأكثر تطرفاً في المجتمع الاسرائيلي التي يحق لها القول لناخبيهم اليوم أرأيتم كلما تشددنا أكثر مع العرب كلما حققنا المزيد من المكاسب فلماذا نقدم (تنازلات) مجانية لهم.
ما أود التركيز عليه هنا مسألتان في غاية الاهمية ، يرتبطان بالشعوب لا بالقيادات ، الاولى جنوح بعض المثقفين لتقبل الأمر الواقع وضرورة التعامل معه كما هو وتحديداً هذا الانهيار في المنظومة الرسمية العربية لا بل التدافع المذل تجاه تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال وكأن مقاعد المطبعين ستنفذ في حال تأخروا عن حجز مقعد لهم. حجة هؤلاء وأنا لا أشكك في نواياهم و إخلاصهم ، أننا جربنا المقاطعة والممانعة مع أنظمة سارت في هذا الطريق من قبل وعدنا بعد عشرات السنين لتقبل هذا الواقع مصر مثال على ذلك، أما الحجة الثانية هي أن هذا شأن هذه البلاد ولا يحق للفلسطيني أن يفرض رأيه على شعوب المنطقة ، وجزء آخر يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بالقول بأن هذا ( الهجوم التطبيعي العربي) قد يغير في مزاج الناخب الإسرائيلي ويقربه من معسكر السلام.
الحقيقة خلاف ذلك تماماً ، الانطلاق من قاعدة الفشل حتى الآن في تحقيق إنتصار للقضية الفلسطينية لا يعني بالضرورة أن الحل يأتي من تقبل الهزيمة ، ما لم تستطع تحقيقه الأفعال المقاومة لا يعني حتماً أن بالامكان تحقيقه بالاستسلام، النصر والهزيمة ترتبط بعوامل ومسببات ، وفي النهاية موازين القوى على الأرض ، إذا لم تستطع تحقيق إنتصار فهذا يعود الى أسباب وفي حالتنا هذه الاسباب معروفة أغلبها ذاتي ، أما الموافقة على الاستسلام فإنها لن تجلب سوى المزيد من الشروط المذلة ، ولم نعد بحاجة للإنتظار طويلاً لرؤية ذلك مع المطبعين الجدد يكفي أن نستمع إلى تصريحات القادة الاسرائيليين لنرى ذلك بشكل جلي و واضح ، وما هي خططهم لهؤلاء . أما حجتهم الثانية حول حق شعوب المنطقة في اختيار الطريق الذي يرتأونه مناسباً بمعزل عن القضية الفلسطينية ، فهذه حجة لا تصمد أمام الحقائق العنيدة و أول هذه الحقائق أن من إختار هذا الطريق هم الحكام وليس الشعوب ، ليس هناك بينهم حاكم واحد تم إنتخابه بطريقة ديمقراطية ، ولم يكلفوا أنفسهم عناء إستفتاء شعوبهم على قرار مصيري بهذا المستوى ، غير ذلك حينما نرفض التطبيع فنحن لا نرفضه فقط لأننا نطالب الشعوب في المنطقة بالتضامن مع الشعب الفلسطيني في محنته ، نحن ندرك تماما أن من سيدفع ثمن هذا الاستسلام المذل هم أبناء هذا القطر أنفسهم ، يكفي الاشارة إلى ما فعلته ( إتفاقيات السلام) بدولة كبيرة وذات شأن مثل مصر من تدهور للوضع الاقتصادي والاجتماعي والامني ، وصارت مصر تبيع غازها بأبخس الاثمان لدولة الاحتلال وتعود لتشتريه منها بأغلى الاثمان، ومن يراجع حجم المديونية المصرية وتراجع مستوى المعيشة منذ توقيع كامب ديفيد حتى اليوم يدرك ذلك بكل وضوح مقارنة بالفترة التي سبقتها رغم أن جزء كبير من الميزانية يذهب للمجهود الحربي.
وزير الخارجية المغربي في معرض التبرير لتطبيع بلاده مع إسرائيل تحجج بالجالية المغربية التي ستساعد في الوصول إلى سلام عادل ، إذا كانت هذه حقيقة ماذا كان ينتظر هولاء ، طبعاً هذا هراء ، نشوة النصر تزيد الطاغية رغبة في المزيد من المكاسب لا العكس.
أما المسألة الثانية فهي تتعلق بشعوب المنطقة ، بما فيها الشعب الفلسطيني يلاحظ حالة من الخمول والكسل تصل إلى درجة اللامبالاة تجاه ما يجري وكأنه يجري على كوكب آخر ، أستطيع أن أفهم أن هذه الشعوب تعاني من حالة إحباط خصوصاً ما جرى للمنطقة من حروب وتدمير في السنوات العشرين الاخيرة ،و الترويج لفكرة وضعنا أفضل من وضع من حولنا ولنحافظ على ما لدينا . إليكم هذه (البشرى) لن يتغير حالكم للأفضل إن رضيت عنكم إسرائيل وحليفتها ، ببساطة لا يوجد شئ كهذا في السياسة ، أنتم تستطيعون التغيير إن أردتم لا بل تفرضون التغيير إذا توفرت الارادة ، شعوب أميركا الوسطى إستطاعوا أن يفرضوا ذلك فلماذا لا تستطيعون أنتم ؟ لكن من الواضح أن الادوات القديمة لم تعد تصلح لذلك ومن المؤكد أن هذه المجتمعات ستفرز أدوات جديدة عمادها الشباب المتنور والمثقف ، أنتم فقط من تستطيعون لكن عليكم أن تعلموا أن شعار المرحلة القادمة لا بد أن يكون العلم أولاً والعمل الدؤوب ثانياً.