المصالحة و"الغولة".. وحكاية جدّتي!!-هاني حبيب

21/04/2013
كنت أُدرك أن جدّتي تحاول أن تجعلني أنام مبكراً، بادئة بحدوثة: كان يا مكان. في كثير من الأحيان، كانت تنام قبل أن أخلد إلى النوم، لكن في الليلة التالية، أذكرها أين وصلت بحكاية "الغولة" الليلة الماضية، لكن لأنها ربما لا تعرف غيرها، كانت تبدأ من البداية، لكن في كل مرة كانت تضيف شيئاً من عندياتها، فكانت الحكاية مختلفة نوعاً ما، إلى الآن، ذهبت الجدّة، من دون أن تكمل حكاية "الغولة" هذه.

في ذلك الزمن، كانت "حكاية ما قبل النوم" مجرد وسيلة لتهدئة الطفل ومساعدته على النوم، وفي معظم الحكايا، كانت مستنسخة من ألف ليلة وليلة، شعر وشعوذة وغيلان، لم يكن الأهل يدركون في ذلك الزمن، وفي ظل الأمية السائدة، أي بعد تربوي لهذه الحكايا.

أعود إلى ذلك الزمن، لأستنسخ منه زمناً حاضراً، فحكاية ما قبل النوم، تظل هي حكاية "الغولة" التي لا تنتهي، وأستعيد سنوات قليلة ظلت قصة المصالحة الفلسطينية، كقصة الغولة، مع فرق وحيد، أنها تخلو من التشويق، وبالكاد ينتظر جديدها أحد، فهي من غير جديد رغم كثرة التحركات والتصريحات، لكن هذه الحكاية، حكاية المصالحة، تشابه حكاية الجدة، من حيث أنها تساعد على التثاؤب والاحباط، والملل لأن حكاية الجدّة لا تنتهي، وتظل تعاد بصياغة مختلفة، فالمصالحة هي "غولة" هذه الأيام.

واعتقدنا أن حكاية المصالحة ـ الغولة، ستنتهي إلى غير رجعة وتصل إلى نهاياتها أو على مقربة من النهاية، مع استقالة رئيس الحكومة سلام فياض، مما يلزم الرئيس أبو مازن، وفقاً لاتفاق المصالحة بإصدار مرسومين، أحدهما يحدد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، والثاني بمباشرة تشكيل حكومة مستقلين برئاسته، خاصة وأنه تسلم سجل الناخبين المحدث بالتزامن مع استقالة فياض التي كانت في أحد أبعادها، ملتزمة بهذا التسليم.

فها هي 12 فصيلاً فلسطينياً تجتمع، وتصدر بياناً، البعض قال إنه عبارة عن مبادرة جديدة، لكن البيان لا يحمل أي جديد، بل اجترار لمواقف فصائلية سابقة، ما يعبر عن خواء هذه الفصائل التي ظلت تتعامل مع مسألة المصالحة بالبيانات المكتوبة والصوتية، ولم تتصد للإجراءات على الأرض، كل لحظة وكل يوم، الأمر الذي عزز أمام عيونها، الانقسام المدمر، ولم تتحل هذه الفصائل بالشجاعة اللازمة لاتخاذ مواقف من شأنها تحدي استمرار الإجراءات والقارات التي تعزز الانقسام، فالمجلس التشريعي في غزة يصدر القرارات، والرئيس أبو مازن يصدر المراسيم، التي من شأنها من الناحية العملية تحويل الانقسام إلى انفصال، وظلت الفصائل الفلسطينية، مجتمعة أو متفرقة، تصدر البيانات تطالب وتشجب، فقط لتذكير الجمهور أنها لا تزال موجودة، أو على الأقل هي تعتقد بذلك، وإذا كانت جدّتي بحكاياتها الليلية، لم تخدعني بالنوم، فإن هذه الفصائل عاجزة عن التذكير بوجودها الفاعل، رغم كل بياناتها ومواقفها الهامشية. وقد يظن البعض، أن انتقادي للفصائل، وكأنها دعوة لتجاهلها أو تغييبها، فهي لا تزال ضرورة موضوعية لا بد منها، غير أن هذا النقد يعود إلى أدائها وتخلفها عن لعب دورها المؤثر في كافة المجالات والسياقات، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية، كقضية المصالحة.

وتجد هذه الفصائل والأحزاب أنها الآن في موقع لا تحسد عليه، بعدما كانت تضع على كاهل فياض وحكومته كاهل إعاقة المصالحة وتعلق عليها كل ما يعيق التوصل إلى إنهاء الانقسام، تجد نفسها اليوم في وضع صعب، ذلك أن المشجب الذي كانت تعلق عليه عجزها عن القيام بدورها قد زال مع تقديم فياض الاستقالة وقبول الرئيس بها، وببيانها المذكور، تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها صاحبة مبادرة، وهي تعلم تماماً أن الأمر قد تجاوز مثل هذه المبادرات منذ زمن ليس بالقصير، بعدما تحول الانقسام إلى انفصال أمام عينيها.

ويظل حديث المصالحة يدور حول انعدام الثقة بين طرفيها، فحركة "حماس" تعتقد ـ وفقاً لصحيفة "الشرق الأوسط" ـ أن عباس ومن خلال إصراره على ربط المصالحة بالانتخابات يهدف إلى إخراج الحركة من المشهد السياسي وإنهاء إنجازاتها خلال فترة حكمها (!) بينما يعتبر عباس إصرار حركة "حماس" على إجراء انتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، أولاً وقبل كل شيء رغم المصاعب التي تنتصب أمام مثل هذه الانتخابات نظراً لتشتت الفلسطينيين ووجود مخيمات اللجوء الأساسية في دول عربية قد لا توافق أو تسمح بإجراء مثل هذه الانتخابات، إنما تهدف الحركة من وراء هذا الإصرار على انتزاع التمثيل الفلسطيني من حركة فتح التي لا تزال تسيطر على منظمة التحرير الفلسطينية.

وبالعودة إلى حكاية "الغولة" فإن الانفراج الجزئي والتفاؤل الحذر، بعد ما يقال عن تقارب في وجهات النظر تجعل من مسألة المصالحة أمراً محتملاً، يفاجأ الجميع، بأن الأمر على خلاف ذلك، وتنتصب مبررات وأسباب جديدة، تحيل هذا التفاؤل الواهم إلى الحقيقة البسيطة، والتي تتجلى في أن مسألة المصالحة أعقد من أن تتجاوزها مصالح الأطراف، وان في جعبة هؤلاء، مثل "كم الحاوي" المزيد من الحمام والأرانب، لكي تعود الحكاية إلى بداياتها من جديد، كحكاية "الغولة" تماماً، والتي تصل إلى منتصفها في كل ليلة، لكي تعود بصياغة مختلفة في الليلة التالية.

لم أشهد وداع جدّتي إلى مثواها الأخير، من دون أن أتعرف على نهاية لقصة "الغولة" وأخشى أن التحول من الانقسام إلى الانفصال، أن يضع حداً لنهاية حكاية المصالحة.. مع ذلك يبقى الأمل في أن نعيش حتى نرى نهاية لقصة الغولة ـ المصالحة!!