فلسطين؛ مسقط رأس الانْفِكاك العربي

05/06/2020

 كتبت لينا ابو هلال: لم تكن هزيمة عام ١٩٦٧ التي خسر بها العرب ما تبقى من أرض فلسطين وأراضي عربية أخرى، هزيمة العرب الأولى ولكنها كانت الأكثر إيلاما خلال الخمسة عقود الماضية جرّاء ما تسببت به هذه الحرب من خسائر طالت وحدة العرب ومكّنت المحتل من إحكام سيطرته على مستقبل الدول العربية، وأنذرت بأن لا استقرارا ولا حرية  لأي عربي حتى داخل حدود بلده. لقد طرقت هذه الهزيمة أبواب الوحدة والعروبة، وأصابت الوطن العربي في جسده فجعلته معلولاً عديم الثقة بقدراته وقياداته، فتركت هذه الهزيمة الخيانة والفتن والمؤمرات تنمو وتطال آمال الشعوب العربية بالحرية فتحبطها، فسيطرت خيبة الأمل، وكان التقاعس مُبرَراً ومرتبطا بتسلّط القيادات العربية على شعوبها التي عمدت الى عزل المواطن العربي عن  قضيته الأهم، وعن الشؤون القومية، وجعلته ينغمس في هموم لقمة العيش.

لقد أخذ العربي يتخلى عن قضيته الأولى بالتدريج، ويتورط في تنفيذ مخططات المحتل وأعوانه من العرب الذين عمدوا الى هدم قيم العروبة داخل المجتمعات العربية وأهمها الاخلاق والنزعات القومية والدينية السليمة، فلم تعدّ قضية فلسطين هي القضية العربية الأولى والأهم، ولم تعد فكرة تحريرها واجبٌ قوميّ ودينيّ كما الاعوام التي سبقت عام النكسة. وخلال الاعوام القليلة السابقة، بدأت فئات جديدة تظهر في الوطن العربي هدفها محاربة النزعة الوطنية لدى الفلسطيني وانتمائه لوطنه ومطالبه الشرعية بالحق بالتحرير، فكانت هذه الفئات القليلة من بعض الدول العربية الشقيقة ومما لا يمثلون مواقف الشعوب العربية، دورا لا يستهان به في زرع الفتن بين الفلسطيني واخوانه العرب والتشكيك بشرعية القضية متخذين من الفئة القليلة من المتقاعسين والمتهاونين بالواجب الوطني من الفلسطينيين ذريعة للشعوب العربية وقياداتها بالتقاعس ومعاداة القضية. اما الحكومات العربية، فمنها من اتخذ من مواقف القيادة الفلسطينية وتأيديها أو معارضتها اتجاه سياسات وعلاقات الدول العربية الخارجية أو حتى في داخل الوطن العربي سبباً لتخلي عن واجبات هذه الحكومات حيال قضية فلسطين ومتجاهلين مكانة فلسطين دينياً، وأهميتها كموقع جغرافي بين الدول العربية وعواقب وجود كيان محتل في قلب العالم العربي، مما يستوجب على كل عربي ومسلم ومسيحي بالعمل على انقاذها من حرب التهويد وحماية الحدود العربية. 

لقد أخذت نكسة عام ١٩٦٧ بالقضية نحو منحى سياسة التهويد والتفريغ في القدس المحتلة، فتبنت حكومات الاحتلال المتتالية الفكر الاستراتيجي في تهويد المعالم الاسلامية والمسيحية وتفريغ الأرض المقدسة من أهلها، وعملت منذ الأيام الأولى من نكبة العام ١٩٤٨ بخطى ثابتة لتصل الى ذلك اليوم الذي يجعل من القدس عاصمة اسرائيلية موحدة وخالية من العرب، وضمن جدول زمني غاب عن بنود الاتفاقيات والمصافحات الودية المعنونة بـ "احلال السلام"، وأجندات لقاءات لجان التواصل الاسرائيلية الفلسطينية. لقد غُيّب الفلسطيني منذ اتفاقية اوسلو عام 1993 وحتى اليوم عن المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية من خلال استفتاءات شعبية مثلا نظرا لاهمية وتداعيات هكذا اتفاقيات مصيرية ستتحمل عواقبها القضية بمجملها والاجيال الفلسطينية القادمة إن فشلت. وما لبثت حكومات "السلطة الفلسطينية" أن تباشر بمشروع البنية التحتية لحلم الدولة حتى اندلعت الانتفاضة الثانية في العام 2000، ومن ثم الانقسام الذي قسّم السلطة الفلسطينية بين الضفة وغزة، اضافة الى ضعف الثقة بين المواطن وقيادته من ناحية وبين المواطن والفصائل من ناحية أخرى، فغابت وحدة الصف وتغلّبت المصالح الفردية على الوطنية، ولم يعد الخطاب الوطني للقيادات الفلسطينية مؤثرا أو مقنعاَ بالنسبة للمواطن الفلسطيني الذي تشتت مبادئه وطموحاته باسترداد الحق بالأرض، ومع مرور الوقت وسيطرة الادارة التقليدية على مؤسسات السلطة الفلسطينية التي ساهمت بشكل كبير في هدم قيم الفلسطيني بتغليب المصالح الفردية على المصالح الوطنية، بدأت مطالبة المواطن بالحق الوطني تتقلص، وأخذت بوصلته الوطنية تنحرف بعيدا عن القدس والوطن نحو لقمة العيش حاله كحال شقيقه العربي في الدول العربية.  

لقد صَبغت "نكسة" العام  ١٩٦٧ الوطن العربي الذي فرّط في حقه باحتلال مدينة مسرى الرسول (ص)، وحرق مسجد قبلة المسلمين الأولى، والاعتداءات على الوقف المسيحي في القدس، صبغته بالتهاون، فكان احتلال فلسطين مسقط رأس الخيانة العربية. ففي حينها سقطت بيت لحم أرض المسيح، وصافح باب الخليل باب دمشق بعد فصل دام تسعة عشر عاما، ووحدت "النكسة" القدس لأول مرة بعد تقسيمها في العام ١٩٤٨ واحتلال جزئها الغربي، فكانت هزيمة العام  ١٩٦٧ برعاية عربية وصهيونية وغربية.

ولم تكن النكسة نهاية الخيانة والفتن والمؤامرات على المستوى العربي وكذلك الغربي بل أخذت تتوالى بهدف الاستيلاء على المسجد الأقصى، وتهويد المزيد من ثقافتتا وقيمنا ومقدساتنا وتراثنا وكل ما يشهد بأن هذه الأرض هي كنعانية فلسطينية. غير أن فلسطين وبتضحيات وصمود أهلها، وحكمة أصحاب القرار من القيادات الفلسطينية ستبقى فلسطين، كل فلسطين. 

يتزامن يوم النكسة هذا العام مع وقت عصيب تعيشه القدس والضفة الغربية في فلسطين، من قلق وترقب تهويد المقدسات، ومصادرة اراضي في الضفة ومشاريع الضم، والخوف من أن تشهد الأيام المقبلة التنوع والتوسع في الخيانة والفتن والمؤمرات وعلى مستويات عدة منها ما يستهدف زجّ الفلسطيني في أروقتها ومنها عربية وغربية، فالحذر والصمود يجب أن يكون شعار المرحلة الحالية، وذلك من خلال اعادة النظر في توحيد الصف الفلسطيني، وإعادة ترتيب الاولويات الوطنية لدى القيادة والفصائل الفلسطينية، واعادة تقييم علاقة الفصائل والقيادة من ناحية أخرى وتشكيلها بما يضمن المصالح الوطنية، وعدم تغليب المصالح الشخصية على مصلحة الوطن، وعدم تغليب قوة المال على الحق بالأرض، وعدم الانصياع للمقترحات العربية بتنفيذ وصاية من لا يشفع لهم التاريخ بالثقة على تحقيق الوصاية للمسجد الأقصى، وابقاء الحال كما هو عليه للمملكة الاردنية الهاشمية التي منحت الفلسطيني إدارة المسجد الأقصى دون التدخل في تفاصيل إدارة شؤونه. إن القدس ومقدساتها أمانة تخلى عنها العربي من خلال مواقفه المتباينة أو بسبب عدم امكانياته التي قيّدتها الحروب، ولكن تبقى "امانة الوطن" وكل من ضحى في سبيله من شهداء وأسرى وجرحى ومن رابط وصمد في أرضه، تعتبر واجب وطني تتطلب تحديات هذه المرحلة تعزيزه من خلال انتخاب قيادة حكيمة قادرة على تحمل تحديات المرحلة التي جاءت من رحم اتفاقية اوسلو، وإدارة حكم موحدة في الضفة الغربية وغزة، واعطاء مساحة أكبر لحرية التعبير وتيارات وفصائل المعارضة في اطار المسؤولية الوطنية التي لا تهدد الوحدة الوطنية وسيادة القانون في المجتمع، واعادة النظر في البنية التحتية للثوابت الوطنية وادارة اولوياتها بالاساليب الوطنية التي تحقق مصلحة الوطن مستقبلا. كذلك انتهاج الادارة الحديثة في إدارة وبناء مؤسسات السلطة بحيث ترتكز على الانسان كأهم موارد الوطن، وعدم التشبث بافكار الادارة التقليدية التي تقاومها كل شعوب العصر الحديث، وتعزيز القيم الوطنية والانسانية داخل المجتمع الفلسطيني، ورعاية الشباب الفلسطيني وهمومه يجب ان تكون اولى اعتبارات القيادة، فالشباب الفلسطيني اليوم بأمس الحاجة الى رعاية قضاياه وتنمية قدراته المختلفة بدء بالتربية والتعليم والتعليم العالي، بما يضمن القيام في دوره اتجاه القضية وتحمل عبىء همنا الوطني، فعلى كاهل الشباب يتكىء حلمنا بالتحرير. وستبقى أرض فلسطين قضيتنا إلى أن يتحقق وعد الله لنا بالحرية.