
كتب: عبد الله ابو هلال
في العادة، أقوم بكتابة مواضيع عن الوطن، الطب والصحة، الاحتلال وممارساته، الاخلاق والانسانية، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو المواقع الاخبارية. ولكن، في هذا المقال الامر مختلف، سأكتب عن حلمي الذي رافقني منذ طفولتي.. ساكتب عن هواية عشقتها.. الموسيقى.
جاءتني الفكرة، عندما سمعت أغنية بمناسبة مرور خمسين عام على تأسيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.
إذ دعاني صديقي الفنان يعقوب الأطرش، ابن بلدة بيت ساحور، الى الاستوديو الصغير الذي يملكه، مصطحبا معي ، ابنة اختي الفنانة الشابة الواعدة ميرال عياد. علمت منه انه بصدد تلحين أغنية على شكل اوبيريت بمناسبة اليوبيل الذهبي لجمعية الهلال الأحمر، وبانه اختار ميرال لتكون إحدى الفنانين المشاركين في هذا العرض.
قرأت كلمات الاغنية التي كتبها المؤلف والشاعر المعروف محمد عياد، وسمعت المقطع الذي أختيرت ميرال لتأديته.
ذهلت، هل من المعقول أن يقوم موزع لا يملك الامكانيات الاحترافية والمادية، بتلحين هذه الكلمات! هي عبارة عن قصة، ليست بقصة حب او عذاب او اغنية وطنية او شعبية، بل قصة تأسيس مؤسسة!
في يوم تسجيل الاغنية، ذهبت الى مسرح جمعية الهلال الاحمر في البيرة للاستماع إلى بروفا الأوبريت. شعرت بالراحة والاطمئنان عندما علمت أنّ الفنانَين محمد عساف وهيثم الشوملي سيشاركان ميرال الاوبريت.
رأيت عددا كبيرا من العازفين، ربما يفوق عددهم العشرين عازفا، منهم المحترف ومنهم من لا زال في بداية حياته الفنّيّة، وشاهدت آلاتهم الموسيقية من وتريات وايقاعات وآلات نفخ وكورال الخ... ما شاهدته ذكّرني بإحدى عروض الفنانة الملتزمة السيدة جوليا بطرس.
بدأ العزف، و دخلت ميرال الى المسرح، وبدأت بغناء مقطعها، لاحظت ذهول الحاضرين، ليس من جمال صوتها فحسب، بل لانهم وانا معهم، تفاجأنا من قدرة الموزع، الذي أبدع بتوزيعه واختياره، فبدا المقطع وكأنه صُمم خصيصا لصوت ميرال، ثم جاء دور الفنان هيثم الشوملي فأبدع، وبعده جاء دورعندليب فلسطين محمد عساف بحنجرته القوية، كلٌّ روى قصة تاريخ الهلال بصوته وبأدائه البديع.
ومن حسن حظي، انه كان عليهم إعادة الاوبريت عدة مرات، ففي كل مرة كان إعجابي يزداد بهذا الأداء الرائع المتميز.. عجزت أن أصفها بكلمة تعطيها حقها.
كلمة حق..
على الرغم من أن الفنان يعقوب الذي اعرفه جيدا هو وفرقته الموسيقية اوتار، والتي اعتادت مرافقة الفنان محمد عساف اينما ذهب، كما اعتادت مرافقة كبار الفنانين، إلا انه لم يصف نفسه يوما أنه ملحن او موسيقار، عرفته متواضعا.. على الرغم من قدراته التي تشهد له بأنه مبدع.. فقد استطاع تلحين وتوزيع هذه المقطوعة، واخراجها كمسلسل، يروي لنا قصة خمسين عاما في اثنى عشر دقيقة، رواية تتجسد فيها المشاعر، بين حزن وألم وفرح وعزة وكرامة، تطمئننا بأن للحلم بقية.
هذه اللحظات أعادتني لحلم طفولتي.. فقد كان حلم حياتي منذ كنت في الثانية عشر من عمري ان اكون موسيقارا، وليس طبيبا، مع كل فخري واعتزازي بمهنتي. إلا أنني أردت أن أصل بصوت وطني إلى العالم من خلال فني.. أردت أن أقول للعالم أنه رغم كل معاناتنا كشعب يعيش الألم، فلا زال الأمل يسكننا.. ولا زال الحبّ يجمعنا.
صديقي يعقوب، رفاقي في فرقة أوتار الموسيقية، سامحوني لان كلماتي لم توفكم حقكم.. حاولت.. على أمل أن تصل كلماتي إلى اصحاب القرار ممن هم في موقع المسؤولية، علهم يلتفتوا إليكم ، ويقوموا بواجبهم تجاهكم.. فمن حق كل مبدع أن تتوفر لديه الامكانات ليقوم بدوره خير قيام، ليصل بصوت وطنه الى العالم أجمع.