جولة تيلرسون: حاول لعب دور "الشرطي الجيد".. مقابل ترامب "الشرطي الشرس في الشرق الاوسط"

18/02/2018

ترجمة خاصة-وطن للأنباء: قام وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، بجولة في الشرق الأوسط، استمرت خمسة أيام، خلال الفترة (12-16 شباط 2018)، اجتمع خلالها مع نظرائه في الدول الخمس التي زارها، وهي: مصر والاردن والكويت ولبنان وتركيا.

هدفت زيارة الوزير الأمريكي، وفق الخارجية الامريكية، الى القيام بمهمتين: الأول تعزيز دعم الولايات المتحدة لمجموعة متنوعة من حلفائها في المنطقة، والمشاركة في مؤتمر إعادة الاعمار في العراق، والذي يهدف إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش).

وكان من اللافت ان تيلرسون تجنب في محطات زيارته جميعها الاجابة عن الأسئلة الحرجة. وفي الحالات التي قام فيها بالإجابة، كان يتناول الموضوع من خلال عبارات عامة وفضفاضة، وخصوصا ان تعلقت بالقضايا الحاسمة والحساسة.

ففي مصر: قال الوزير الأمريكي "أن الولايات المتحدة تدعم حقوق الإنسان وتدعو الى تشجيع دور مؤسسات المجتمع المدني". وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة سبق لها ان تحدثت عن أهمية انتخابات حرة ونزيهة في مصر، إلا ان تيلرسون رفض التعليق بمزيد من التفصيل عن الانتخابات المصرية المقبلة في شهر اذار 2018، والانتهاكات التي تتم حاليا بحق الكثير من المرشحين.

وفي الكويت: كان على جدول اعمال تيلرسون الكثير من الأشياء التي وجب عليه التعامل معها. فقد كان عليه المشاركة في مؤتمر إعادة إعمار العراق، الذي قام على مطالبة بغداد بمبلغ قدره (88) مليار دولار من اجل عملية إعادة الاعمار بعد "داعش". ورغم ان إيران أرسلت وفدا الى المؤتمر، الا ان التمويل الفعلي الذي تتلقاه بغداد لا يأتي من طهران، بل من أوروبا، ومن الدول العربية السنية. وحيث ان القيادة العراقية مقربة من إيران كما هو معروف، فإن تلك الحكومة لن توجه أموال إعادة الاعمار الى المناطق السنية التي دمرت على مدى السنوات الماضية، وانما ستقوم بتخصيص كم كبير من تلك الأموال لإعمار مدينة البصرة، والمناطق الشيعية الأخرى. تجدر الاشارة الى ان العراق سيشهد اجراء انتخابات في شهر أيار المقبل، والتي يأمل رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، بالحصول على دعم من قاعدته الشيعية، وخصوصا بعد مؤتمر إعادة الاعمار الذي قصد وضع توقيته قبيل الانتخابات.

وفي كلمته امام المؤتمر، لم يكن امام الوزير الأمريكي سوى القليل من الوقت للثناء على جهود المؤتمر، والتطرق إلى التحالف الدولي ضد "داعش"، وان كان على التحالف، المكون من (74) دولة، الانتقال الى مهمة جديدة بعد هزيمة التنظيم في العراق وسوريا.

كما تطرق تيلرسون، وبشكل عام أيضا، الى الدعم الأمريكي لمنطقة شرق سوريا، حيث تتمركز القوات الأمريكية، والتي تحتفظ لها أمريكا برؤية لاقامة حكم ذاتي في منطقة كردستان، كجزء من العراق الفدرالي، وفق تيلرسون. وبخصوص تهديدات تركيا لشركاء الولايات المتحدة في سوريا، جاء تيلرسون بجواب دبلوماسي، حيث علق بالقول إن تركيا حليف "للناتو"، وشريك في التحالف ضد "داعش". وأضاف ان عملية عفرين في سوريا، التي تقاتل فيها تركيا ضد وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها انقرة إرهابية، هي مصدر قلق كبير للولايات المتحدة، علما ان الولايات المتحدة لا تضغط، ولم تضغط، على تركيا لوضع حد لهذه العملية، وفق الكاتب.

اما على صعيد النزاع بين السعودية وقطر، فقد القى تيلرسون بعذره من خلال جملة مقتضبة لضرورة انهاء الخلاف. ورغم انه واجه بعض الاسئلة بخصوص الازمة الخليجية، الا ان الجدول الزمني الضيق لم يسمح له بالخوض أكثر في تلك الجبهة، وفق الكاتب.

وفي الأردن: وصل الوزير الأمريكي إلى عمان عقب الاشتباك الإسرائيلي-السوري الأخير (أي اسقاط المقاتلة الإسرائيلية)، وكانت أجواء المنطقة العسكرية والدبلوماسية في غاية الغليان. ومن عمان، طالب تيلرسون الايرانيين بالانسحاب من سوريا. واكد على دعم الولايات المتحدة لدور أردني، لا غنى عنه، في عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية.

يشار الى ان الهدف الرئيس لزيارة تيلرسون الى الأردن هو تقديم الدعم المالي للأردن، الذي يستضيف الملايين من اللاجئين، وفق الكاتب.
ومع كون مصر والكويت والأردن تحت حزامه (أي ان مواقفهم مضمونة تحت ابطه، كما يقال)، سافر تيلرسون الى لبنان. وهناك بدأت زيارته الشرق أوسطية بالانهيار، وأول المظاهر كانت حينما تُرك تيلرسون وحيدا لينتظر الرئيس اللبناني، ميشال عون. وعلى الرغم من أن لبنان قال إنه لم يقصد إهانة الوزير الأمريكي، وأنه هو من وصل مبكرا الى مكان الاجتماع، الا ان التعامل اللبناني الاعلامي مع تلك الصورة، أظهر الأمر وكأن اللبنانيين غير مسرورين من الأمريكيين، وانهم يريدون تمرير رسالة معينة. وبدلا من الدفع والضغط في قضايا يعتبر الموقف الأمريكي معروفا منها، مثل حزب الله، فضل تيلرسون تبسيط الامر، وعدم الدخول في التعقيدات. فقال "ان الولايات المتحدة ستدعم ببساطة المؤسسات اللبنانية، وستعمل على إيجاد حلول للتوترات بين لبنان وإسرائيل".

وفي اليوم اللاحق لاجتماعات تيلرسون في لبنان، هدد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، بمهاجمة منصات النفط الإسرائيلية، في تحد واضح عقب زيارة تيلرسون. حيث قال: "يجب على لبنان ان يدافع عن موارده الطبيعية، وحزب الله هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تحمي الموارد الطبيعية للبنان".

وفي تركيا: واجهت جولة تيلرسون مصاعب أكبر. ومع سماعه لتصريحات الكثير من المسؤولين الاتراك خلال الفترة الأخيرة ضد الولايات المتحدة، وخصوصا التي تناولت الرئاسة الامريكية، قام تيلرسون بتجاهل التوترات، مفضلا طمأنة أنقرة. وقالت وزارة الخارجية الاميركية "لقد اعتدنا على هذا النوع من الخطابات من قبل الاتراك". واما تيلرسون نفسه فقال، بعد لقاءات طويلة مع نظرائه الأتراك: "ان الولايات المتحدة تقف جنبا إلى جنب مع تركيا ضد التهديدات الإرهابية، وأن أنقرة شريك حاسم في التحالف العالمي لهزيمة داعش". ورفض تيلرسون مناقشة العمليات العسكرية التركية في عفرين بشكل موسع، لكنه قال "ان لتركيا الحق في تأمين حدودها". واضاف "بالنسبة لعفرين، فاننا ندعو تركيا الى ضبط النفس في عملياتها، لتقليل عدد الضحايا المدنيين، وتجنب الاجراءات التي من شأنها تصعيد التوترات في هذا المجال".

ولا يبدو أن تصريحات تيلرسون لقيت صدى كافيا، او تصديقا، لدى الجانب التركي. فالأتراك يدركون ان كلامهم ضد الولايات المتحدة، وخصوصا اتهامات على مستوى الرئاسة، وبأن الولايات المتحدة تدرب "جيشا للإرهاب" في سوريا، وصلت الى مستوى عال من التوتر والحرارة. ويدرك الطرفان ان مجرد الحديث عن تركيا ك "حليف" هو تجاهل مؤقت للازمة الحقيقية بين الطرفين، وان للكلام بقية تاتي لاحقا ربما، وفق الكاتب.

وفي مصر: ذكر تيلرسون حقوق الإنسان عدة مرات -علما انه بقي صامتا تماما حيال هذا الموضوع في تركيا، على الرغم من وجود الكثير من الانتهاكات التي ارتكبت ضد الصحفيين والمعارضين -تماما مثلما تجنب التطرق الى موضوع حزب الله في لبنان، كمن يسعى الى "انكار وجود فيل معه في ذات الغرفة"، وفق الكاتب.

وبشكل عام، كان سلوك تيلرسون الدبلوماسي جيدا، حيث انه حافظ على الدور التقليدي الذي تلعب فيه وزارته دور "الشرطي الجيد"، بينما تلعب أطراف أخرى من الإدارة الامريكية سياسة معاكسة (أي الدور الخشن، دور الشرطي السيء).

غير انه كان "ضائعا" في بعض الأحيان، فقد لاحظ مسؤولو الدول عدم وجود انضباط في الرسائل التي تخرج عن واشنطن. فعلى سبيل المثال، ذكر تيلرسون حرفيا خلال رحلته عبارة "الإنجازات الهامة التي تحققت في مؤتمر سوتشي الأخير الذي استضافته روسيا ...". غير ان مؤتمر سوتشي لم يحقق أي معلم بارز على الاطلاق، ولم تشارك فيه الولايات المتحدة أصلا، على الرغم من انها تسيطر، مباشرة ومن خلال الجماعات التي تدعمها، على ربع الأراضي السورية. ولهذا، لم يفهم أحد ما الذي كان تيلرسون يشير إليه، وفق الكاتب.

وبمقاييس الزيارات المعتادة تاريخيا للخارجية الامريكية، تعتبر زيارة تيلرسون الى المنطقة ناجحة، إذا ما قيست على مستوى التصريحات والاقوال. الا ان هذا النجاح بيد الزائر دائما، ما دام يقول عبارات وكلمات تنطلق من الورق، وتبقى على الورق، دون ترابط مع الواقع. غير ان هذا لن يجدي، لان الولايات المتحدة لم تتعلم أن استخدام كلمات مجردة من قبيل "الحليف" و "المؤسسات" و "الإنجازات" لن تفيد شيئا، ولن تترجم الى واقع ملموس. والمثال الأبرز على ذلك هو محطته في لبنان، ومحطته الأخرى في تركيا. فالمحللون يدركون أن اجتماعات تيلرسون في بيروت وانقرة، لن تغير التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها في التعامل مع حزب الله، ومع الأزمة مع تركيا في سوريا، وأنها لا تحل بهذه الطريقة.

ترجمة: ناصر العيسة، عن: ذي جيروزالم بوست