
ترجمة خاصة-وطن للأنباء: نشرت صحيفة "ذي جيروزالم بوست" مقالا للكاتب دافيد بريكستون، تطرق فيه إلى الكثير من المداخلات الحساسة التي طرحت في أحد المؤتمرات اليهودية الهامة في الولايات المتحدة، فتناول من بين ما تناول، موضوع الشعور بعدم المساواة بين اليهود في إسرائيل، واليهود في الشتات، وفق الكاتب:
تصدر الوعد الإسرائيلي، الذي لم تف به إسرائيل أبدا، بأن تكون وطنا قوميا للشعب اليهودي بأكمله، أينما تواجد، موضوع الخطاب الذي أدلى به جيري سيلفرمان-الرئيس والمدير التنفيذي للاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية (هو أيضا نائب رئيس الوكالة اليهودية لإسرائيل)-في الجلسة الافتتاحية للجمعية العمومية لهذه الاتحادات، والذي عقد في مدينة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا.
ولم يكن موضوع العمل من أجل تحقيق هذا "التعهد المقدس"، هو الموضوع الوحيد الذي تطرق إليه سيلفرمان في كلمته، أمام مئات المشاركين في الاجتماع المذكور، بل تطرق إلى الكثير من الأمور ذات الأولوية. ولكن لا شك بأن بأنه الموضوع الذي استحوذ على الكم الأكبر من اهتمام الحضور، والذي حظي بحماس كبير من قبلهم، نظرا لأن سيلفرمان طرحه بقوة أكبر.
وعلى وجه الخصوص، أعلن سيلفرمان أن مجلس إدارة "جي اف ان اي"، (أي اتحادات يهود أمريكا الشمالية)، سيصوغ قرارا يجدد التزام المجتمعات اليهودية (أي التجمعات والاتحادات والتنظيمات، وغيرها) بالولاء الأبدي لدولة إسرائيل والعمل على تحقيق مصالحها، ولكنه وضح أيضا وبشكل لا لبس فيه ما يتوقعه اتحاده من دولة إسرائيل في المستقبل. وهو أن إسرائيل ستتابع عملها ولن تدخر جهدا من أجل أن يشعر كل يهودي في العالم بأنه في وطنه، بغض النظر عن مكان تواجده الفعلي، وبغض النظر عن الانتماء السياسي.
كما دعا سيلفرمان إلى أن يؤدي إعلانه هذا، والذي يدافع عن التعددية اليهودية، إلى أن تقوم الحكومة الإسرائيلية بعمل خطوتين هامتين: الأولى تجميد قرارها الذي اتخذته في شهر 6/2017، والقاضي بتسهيل الوصول المتكافئ والمتساوي إلى "حائط المبكى" لكل من يسعى إلى الصلاة هناك، أيا كانت عاداتهم أو معتقداتهم. أما الخطوة الثانية، التي يتمناها سيلفرمان، فهي أن تقوم الحكومة بإلغاء أحد التشريعات القائمة والتي تمنح رئيس الحاخامية سيطرة حصرية على بعض المسائل.
وقد شدد سيلفرمان على أن تلك ليست قضايا تخص الداخل الإسرائيلي فقط، كما لا تخص اليهود في الشتات فقط، بل إنها بالأحرى قضايا يهودية عامة، تهم كل شخص يهمه مستقبل الشعب اليهودي، وفق الكاتب.
لم يكن من المسلم به أن يقوم سيلفرمان بتكريس الكثير من خطابه لهذه المسائل، فهو يعرف بوجود الكثير من المخاوف، والعديد من الأمور الأخرى، على جدول أعمال اليهود في أمريكا الشمالية. ولكنه اختار أن يضع المسائل الحساسة والهامة على رأس القائمة، كمسألة الحرية الدينية في إسرائيل والعلاقات بين يهود إسرائيل ويهود الشتات، علما أنه يدرك تماما أنها لا تنتهي في سياق خطاب افتتاحي في مؤتمر، بل لا بد من التعامل معها من وراء الأبواب المغلقة.
ومن المؤكد أنه في حال أسهب في الحديث عن الأمور والأولويات "غير-الأمريكية" لليهود المجتمعين أمامه في لوس أنجلوس، فمن المؤكد أنه كان سيجد نفسه خارج دائرته الانتخابية. فهو يعلم أن أمورا أخرى محددة ينتظرها الجميع بفارغ الصبر، من قبيل: جعل التعليم المدرسي في متناول الجميع وبأسعار معقولة، وزيادة الالتحاق بالمخيمات اليهودية، وزيادة عدد الشباب اليهود الذين يذهبون لزيارة إسرائيل، وتوفير دور المسنين، ومكافحة الفقر، والاستجابة العاجلة لاحتياجات المجتمعات اليهودية في أوقات الطوارئ، وإشراك الأجيال القادمة من اليهود وبشكل نشط في أصول الحياة اليهودية.
وقد شهد اليوم الافتتاحي لهذا التجمع المهم، التطرق إلى طبيعة العلاقة بين اليهود في إسرائيل واليهود في أمريكا الشمالية، مرارا وتكرارا. ومن بين الملاحظات التي شهدتها بنفسي عبر عدة جلسات، وفق الكاتب، ظهر وبقوة موضوع "عدم وجود مساواة مع اليهود في إسرائيل، بالإضافة إلى وجود خلل في الروابط العاطفية بيننا وبينهم".
فقد ورد على لسان الحضور أصوات عالية تقول: "نحن في أمريكا نهتم باليهود في إسرائيل، غير أنهم لا يكترثون بنا". وأصوات أخرى قالت: "إن اليهود في إسرائيل لا يعرفوننا. إنهم لا يفهمون اليهود الأميركيين على الإطلاق. والأكثر من ذلك، أنهم لا يرغبون حتى بمعرفتنا أو فهمنا". وأضاف اخرون: "لا يمكن القول أن الطرفين على تواصل، بل نحن في حالة عالقة من عدم التواصل".
وورد أيضا: "لا يكفي أن الإسرائيليين لم يذوقوا الطعم المر للشتات، وأنهم لم يجربوه أو يعرفوا ماهيته، بل إن الكثير منهم يأخذ موقف إنكار الشتات من أصله".
وقيل أيضا: "كان يفترض بإسرائيل أن تكون العامل الأكثر توحيدا للمجتمعات اليهودية في العالم. أما اليوم فهي في الحقيقة العامل الأكثر إثارة للانقسام بيننا".
وفي حين أن هذا التعبير عن الانزعاج إزاء العلاقة بين اليهود في إسرائيل من جانب، واليهود في الولايات المتحدة الأمريكية من جانب اخر، ساد النقاش، فقد تخلله بعض المداخلات الواضحة التي صبت دعما ملحوظا لإسرائيل بشكل عام.
غير أن الكاتب يحذر: "لا يمكن اعتبار مثل هذه الأصوات الداعمة لإسرائيل وتصرفاتها حيال يهود الشتات بمثابة أمر مضمون ومسلم به في المستقبل، لأنه لا يمكن ضمان توجهات واراء الأجيال القادمة بأي حال من الأحوال".
وبالتالي، فإن مثل هذا الاحتمال "الانشقاقي" هو بمثابة كابوس يمكن أن يتحول إلى "لعنة" على القادة اليهود. ويمكن أن يؤدي إلى إحباط جهودهم بإبقاء الحس بين اليهود ودولتهم، ومن ثم قد يؤدي إلى الإطاحة بقدرة إسرائيل على احتضان الجميع بشكل متساو، وفق الكاتب.
بل أكثر من ذلك، هو أيضا سبب للألم. حيث أن اليهود في أمريكا الشمالية يعانون من الإيذاء واللعنة في تلك البلاد بسبب "ماركتهم" اليهودية، بينما لا يرون أنها تجد الاعتراف والاحترام الكافي في إسرائيل. هذا بالإضافة إلى شعورهم بالإهانة حيال كون الإسرائيليين لا يتابعون أمرهم، ولا يكترثون بهم، وفق الكاتب.
ترجمة: ناصر العيسة، عن: "ذي جيروزالم بوست"