عائلة فلسطينية-أمريكية قتل جيش الاحتلال ابنها: لن نتوقف قبل محاسبة القتلة

01/11/2017

ترجمة خاصة- وطن للأنباء: نشرت صحيفة "ذي إنترسبت" الإلكترونية مقالا للكاتب "أليكس كين" تناول فيه جريمة قتل الطفل الفلسطيني-الأمريكي، محمود شعلان برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، في شهر شباط من العام 2016. وكيف أن العائلة تسعى إلى ملاحقة القتلة دون توقف، رغم الصعوبات والمعيقات والمعايير المزدوجة.

كان يوم 26/2/2016 هو اليوم الأخير الذي رأت فيه السيدة فوزية شعلان ابنها على قيد الحياة. بعد تناول طعام الغداء في ذلك اليوم، قرر محمود، وهو فتى فلسطيني يبلغ من العمر 16 عاما، ويعيش في الضفة الغربية، أن يمشي قليلا في فترة ما بعد الظهر. وقد كان ذلك روتينيا بالنسبة إلى محمود، فقد كان المشي طريقته المعتادة للتعامل مع الروماتيزم، وهو المرض الذي كان يتغلغل في مفاصل وعضلات الفتى الفلسطيني الغض.

وفعلا خرج الفتى المولود بمدينة فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية، من منزله في قرية دير دبوان، وهي قرية اعتاد معظم سكانها من حملة الجنسية الأمريكية، قضاء عطلتهم الصيفية فيها. كان محمود يرتدي بلوزة سوداء من ماركة "ذي نورث فيس" وبنطلون جينز أزرق. بدأ محمود بالسير على الطريق المؤدي إلى مدينة البيرة، حيث عاشت عمته. وكان في الغالب يحب مفاجأة عمته، من خلال زيارتها دون اعلامها.

وبحسب والدته، فإن رحلة محمود إلى البيرة كانت تستغرقه حوالي ساعة من المشي، بما في ذلك العبور من خلال حاجز لجيش الاحتلال. ويعرف الفلسطينيون المعبر، الواقع بالقرب من مستوطنة بيت إيل، بأنها نقطة "في أي بي" (أي نقطة لمرور كبار الشخصيات). حيث يتم وقف حركة السيارات لمرور مسؤولي السلطة الفلسطينية ورجال الأعمال والدبلوماسيين، وفق الكاتب. أما محمود، فلم يكن شخصية هامة، بل مجرد طالب في المدرسة الثانوية. وقالت والدته انه اعتاد المرور كثيرا في الماضي، وأنه لم يجد يوما أية صعوبة في العبور سيرا على الأقدام.

وبعد خطوة إثر خطوة، اقترب محمود من حاجز "بيت إيل" ذو الممرين. وبحسب س. أ.، وهو أحد سكان دير دبوان -ويبلغ من العمر 45 عاما، وهو شاهد على لحظة عبور محمود للحاجز- فقد سار محمود على الجهة اليمنى من الممر، نحو جندي إسرائيلي مسلح كان يراقب جهة الدخول إلى رام الله والبيرة. وقال س. أ. لصحيفة "ذي إنترسبت" إنه راقب الأمر باهتمام واستغراب من داخل سيارته، وقد كانت على جانب الخروج، لأنه وجد عبور الفتى للحاجز مشيا على قدميه غريبا.

ما حدث بعد ذلك هو محل نزاع وتخاصم:
وطبقا لما ذكره س. أ.، فإن الجندي الذي يحرس المدخل إلى رام الله أمر محمود بالتوقف والعودة. وبدلا من الاستجابة لأوامر الجندي مباشرة، قام محمود بإيماءات وإشارات أظهر منها أنه يريد الذهاب إلى رام الله، وقام أيضا برفع بلوزته ويديه إلى الأعلى بكل وضوح، مبديا للجندي أنه لا يحمل أي شيء خطير. يضيف الشاهد س. أ. بأن محمود بدأ بالعودة إلى الخلف. لكن الجندي، الذي كان يقف على بعد 6 إلى 10 أقدام (أي 1.3-3 أمتار)، عاجله بإطلاق النار عدة مرات. وسقط محمود على الأرض مضرجا بدمائه.

وفي أول تصريحات له لصحافي، قال س. أ.: "لقد أطلق الجندي النار على الفتى بينما كان رافعا يديه". وكان س. أ. قد أدلى بشهادته إلى منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان بعد الحادث مباشرة، طالبا عدم ذكر اسمه صريحا لأنه يخشى أن يؤدي تداول اسمه في الإعلام إلى قيام جيش الاحتلال بالانتقام منه.
قام الجنود بخلع ملابس محمود بينما كان ينزف على الأرض. وبعد قليل وصل إلى موقع الحادث كمال وشحة، وهو سائق سيارة إسعاف متطوع مع الدفاع المدني الفلسطيني.

وقال وشحة ل "ذي إنترسبت": "لقد أغلق الجنود الحاجز، ومنعونا من الاقتراب من الجثة، التي بقيت ملقاة على الأرض مضرجة بالدماء". وقال سائق سيارة الاسعاف إن الجنود الذين كانوا خلف الحاجز في تلك اللحظات منعوا كل الطواقم الطبية من الوصول إلى محمود، وأطلقوا الغازات المسيلة للدموع، والقنابل الصوتية على الطواقم، ورفضوا فتح الطريق للوصول إلى الفتى المصاب. وفي النهاية، لم يسمح للهلال الأحمر الفلسطيني بالوصول إلى جثة الفتى إلا بعد مرور أكثر من ثلاث ساعات.

وقال وشحة: "ربما كان الفتى سيعيش" لو لم يقم الجنود بتأخير الطواقم. لقد توفي محمود في النهاية بسبب كمية الدم التي خسرها". ووفقا لتقرير تشريح الجثة الذي أجري في معهد الطب الشرعي في أبو ديس، فقد أسفر إطلاق الرصاص الإسرائيلي عن إصابة محمود ب (7) رصاصات في صدره.

إلا أن لدى جيش الاحتلال رأي مختلف كثيرا فيما حدث. فقد قال المتحدث باسمه في بيان ل  "ذي إنترسبت" إن التحقيق الأولي للجيش في الحادث وجد أن محمود "حمل سكينا وهاجم جنديا وطعنه في الرأس"، إلا أن الجندي لم يصب بأذى لأنه كان يرتدى خوذة. وقال الشاهد س. أ. بأنه متأكد تماما من أنه لم ير أي سكين في يد الفتى قبل إطلاق النار عليه.

وقال المتحدث باسم جيش الاحتلال أيضا أنه "لن يتمكن من التعليق" على الادعاء بأن الجنود منعوا العلاج الطبي عن محمود. في حين كان جيش الاحتلال قد أخبر صحيفة "هآرتس" بأنه قدم المساعدة الطبية إلى محمود. ولم ينشر جيش الاحتلال أو يصدر أي لقطة فيديو عن محاولة الطعن المزعومة، لكنه عرض ل "ذي إنترسبت"، صورة لسكين قال إن محمود استخدمها.

كان من الممكن أن يصبح محمود مجرد رقم إحصائي جديد في موت الفلسطينيين برصاص جيش الاحتلال في هذا النزاع الدامي. وبالتالي، كان يمكن أن يكون اسما من بين (32) طفلا قتلوا على يد جيش الاحتلال خلال العام 2016، في القدس الشرقية والضفة الغربية، مما جعل عام 2016 العام الأكثر دموية للأطفال الفلسطينيين خلال عقد من الزمن، وفقا للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال (دي سي أي). مع العلم أن جيش الاحتلال ادعى أن (24) من هؤلاء الأطفال قاموا بتنفيذ هجمات على جنود أو مدنيين إسرائيليين.

غير أن محمود كان أمريكيا، وبالتالي فإن جنسيته لفتت انتباه وزارة الخارجية الأمريكية إلى قضيته.

عقدت عائلة الفتى وجماعات حقوق الإنسان، بما فيها منظمة العفو الدولية وغيرها، عدة اجتماعات مع المسؤولين الأمريكيين خلال إدارة أوباما. وضغطت على البيت الأبيض من أجل إصدار إدانة علنية لجريمة قتل الفتى، كما دعت إلى إجراء تحقيق إسرائيلي شفاف في الحادث. كما طالب محامو جمعيات حقوق الإنسان بأن تقوم الخارجية الأمريكية بتقديم توصية إلى المسؤولين الأمريكيين لمراجعة سياسة الدعم العسكري الأمريكي الذي يصل إلى أيدي الجنود في الضفة الغربية، على اعتبار أن القتل أصبح سلوكا نمطيا منتظما، بالإضافة إلى أن جنود الاحتلال أصبحوا معتادين على استخدام "القوة المفرطة" ضد الفلسطينيين، رغم أنهم لا يشكلوا تهديدا على حياتهم.

في شهر تشرين الثاني 2016، أبلغ جيش الاحتلال وزارة الخارجية الأمريكية بأنه لم يتمكن من العثور على أية مخالفة جنائية من قبل الجنود المعنيين والذين كانوا متواجدين على الحاجز وقت الجريمة. كما تلقى محامو العائلة رسالة من "آن دبليو باترسون"، وكانت في ذلك الوقت مساعدا لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى. قالت باترسون في رسالتها أن الولايات المتحدة تأخذ على محمل الجد "المزاعم" التي تفيد بأن القوات الإسرائيلية قتلت محمود شعلان بكمية مفرطة من القوة. كما كتبت: "على الرغم من أن حكومة إسرائيل تتشارك معطيات القضية مع مسؤولي السفارة الأمريكية في تل أبيب، إلا أننا ما نزال قلقين بشأن وفاة هذا المواطن الأمريكي، وسوف نبقى على اتصال مع حكومة إسرائيل بشأن هذه القضية".

لكن وبعد مرور كل هذا الوقت، ما تزال رسالة باترسون هي أقصى رد تلقته أسرة الفتى من الحكومة الأمريكية. ووفقا للمحامين المباشرين للقضية، فإن المطالبة بمساءلة إسرائيل على قتلها لمواطن أمريكي لم تكن أولوية لإدارة أوباما، وخصوصا في ذلك الوقت المتوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

في شهر شباط 2017، وبعد تولي دونالد ترامب منصبه، قال المتحدث باسم جيش الاحتلال ل "ذي إنترسبت"، أن ادعاءات إضافية (على الأرجح من شهادة س. أ.)، دفعت الجيش إلى إعادة فتح تحقيق داخلي لتحديد ما إذا كان ينبغي الشروع بتحقيق جنائي مع الجنود الذين قاموا بقتل الفتى محمود. وفي المتابعة، قال متحدث باسم مجلس الأمن القومي ل "ذي إنترسبت" إن إدارة ترامب تواصل متابعتها للقضية، تماما كما فعلت إدارة أوباما.

قال رائد جرار، الذي عمل في القضية كمدير للعلاقات الحكومية: "هذه هي القصة باختصار. كل ما لدينا من نفوذ سياسي وخبرة وعلاقات، كمنظمات غير حكومية تعمل في الشؤون الإسرائيلية-الفلسطينية، لا تكفي لتعليق المساعدات العسكرية الأمريكية لوحدة قام أحد جنودها بجريمة قتل بدم بارد لفتى فلسطيني-أمريكي أمام شهود عيان. من المستحيل محاسبة إسرائيل، وليس هناك سبيل واضح لإنهاء سياسة "الشيك-المفتوح" التي تمنحها الولايات المتحدة لإسرائيل. وأنا متأكد من أن إسرائيل ستفلت مرة أخرى من جريمة القتل هذه".

وصل والد محمود من فلوريدا يوم 2 آذار 2016، وهو موعد الجنازة والدفن. حضر المئات من الفلسطينيين من دير دبوان والقرى المجاورة الجنازة. وكما هو شائع في جنازات الشهداء الفلسطينيين، كان المسلحون يرافقون الحشد. وكان محمود محمولا على نقالة الموتى وحوله الأعلام الفلسطينية والأمريكية، ورايات الفصائل السياسية الفلسطينية.

لقد شكلت جريمة قتل محمود صدمة كبيرة للقرية التي لم تعهد الكثير من الاشتباكات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. في حين أن حركة فتح، نشرت على صفحتها على الفيسبوك أن محمود قد نفذ "عملية طعن بطولية". وردا على ذلك، قال سلمان، عم الفتى محمود، ل "ذي إنترسبت" أن محمود وعائلته "لا علاقة لهم بحركة فتح على الإطلاق، وأن فتح حاولت استغلال وفاة ابن أخيه لمكاسب خاصة".

ومما زاد من حدة الصدمة في دير دبوان، عدم تصديق السكان بأن محمود كان بصدد طعن جندي. لأنه كان طالبا دؤوبا، وكان لديه خطط كبيرة للمستقبل. فقد كان ينوي العودة إلى الولايات المتحدة، والالتحاق بجامعة جنوب فلوريدا، لدراسة الطب.
أما محمد سمحة، من دير دبوان، وهو صديق طفولة الفتى الشهيد، فقد قال ل "ذي إنترسبت": "أؤكد أن صديقي محمود غير قادر على إيذاء نملة، فكيف يمكن أن أصدق أنه حاول قتل جندي إسرائيلي؟"

وفي طريق العائلة الطويل إلى التحقيقات والمتابعات، ورغم أنها لم تتوقف، إلا أن عم الشهد، سلمان شعلان، قال: "أنا لست راض أبدا عن الإجابات التي تلقيتها من المسؤولين الأمريكيين. والحكومة الأمريكية ووزارة خارجيتها يعاملونك كأنك لا تستحق عندما يتعلق الأمر بمخالفات الإسرائيليين".
وأضاف: "محمود مواطن أمريكي، وقد قتله الإسرائيليون، ولو كان العكس هو ما حدث (أي لو قتل الأمريكي على يد فلسطيني)، فستجد المبادرات والإدانات تنهال من البيت الأبيض، والخارجية الأمريكية بالجملة".

وفي اجتماع في أيلول 2016، طالب محامو عائلة محمود بإصدار بيان من البيت الأبيض بشأن القتل. ولكن المسؤولين ردوا بأن العلاقة الشخصية بين الرئيس باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كانت مسممة جدا، وأن أية إشارة إلى وفاة محمود سيجعل الوضع السيئ أصلا، أكثر سوءا. كما كان عدم وجود محادثة رئاسية خاصة حول وفاة محمود مؤثرا أيضا، بالمقارنة مع الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع مقتل راشيل كوري، وهي مواطنة أمريكية قتلتها جرافات جيش الاحتلال في غزة عام 2003. وقد تناول الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرئيل شارون قضية مقتل كوري في محادثة خاصة بينهما، حيث وعد قدم شارون لبوش وعدا بإجراء تحقيق "شامل وموثوق وشفاف".

حاول المحامون اللجوء إلى "قانون ليهي" الصادر عام 1998، والذي يحظر على الولايات المتحدة تقديم مساعدات أو تدريب، إلى وحدات عسكرية أجنبية، أو أفراد، متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان (تعرفها الخارجية الأمريكية بأنها تعذيب أو قتل خارج نطاق القانون أو إخفاء قسري بدوافع سياسية أو اغتصاب). ومع ذلك، يمكن القانون وزير الخارجية أن يجد مخرجا وأن يتنازل عن هذا الحظر إذا قررت حكومة الدولة التي تتلقى المساعدات الأمريكية بأنها ستتخذ إجراءات لإحالة منتهكي حقوق الإنسان إلى العدالة. وهنا أفلتت إسرائيل من العقاب مرة أخرى. وفي النهاية علمنا أن الولايات المتحدة سترفع قيمة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل من 3.1 إلى 3.8 مليار دولار، ابتداء من عام 2018.
وحين طلب المحامون معلومات حول المساعدات الأمريكية إلى الوحدات العسكرية الإسرائيلية المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أشار مسؤولون في الخارجية بأن المسؤولين الإسرائيليين كانوا رافضين تماما لتقديم تفاصيل، خشية أن تستخدم في النهاية ضد الجيش خلال تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية.

لقد شكلت وفاة محمود بداية رحلة طويلة لأسرته، وليست نهاية. فقد اتخذ عمه سلمان زمام المبادرة في الدعوة إلى النشر العلني لقضية قتل ابن أخيه، وفضح إسرائيل وممارساتها. وقال سلمان: "رغم المعيقات والإحباطات، إلا أنني لن أستريح حتى أعرف ما حدث لمحمود، ولماذا قتل، ومن هو القاتل. ولن أتوقف، أبدا، إلى أن ينال ذلك المجرم العقاب المناسب على جريمته".

عن: "ذي إنترسبت- ترجمة خاصة: ناصر العيسة"