
وطن للأنباء_ترجمة خاصة: عند الدخول إلى القدس من خلال معبر قلنديا، أحد أكبر نقاط التفتيش الإسرائيلية في الضفة الغربية، يشعر المسافر كأنه ينتقل إلى بلد غريب. ولا يوجد ما يلفت انتباهك إلى أنك ما تزال في القدس، سوى إشارات الشوارع ذات اللغات الثلاث، العربية والعبرية والإنجليزية.
تمتلئ الجدران على جانبي الطريق من حاجز قلنديا إلى كفر عقب -وهي جزء من القدس يقع في الجزء الشمالي منها خلف الجدار - بالكثير من الجداريات، الكتابات، المخطوطات والملصقات التذكارية للشهداء والأسرى الفلسطينيين.
لا توجد أرصفة حقيقية، ولا أضواء في الشوارع تقريبا، ومعظم الطرق الداخلية غير معبدة، وأكوام من القمامة تندلع من حاويات القمامة الخضراء على جانبي الشارع الرئيسي. وعلى الرغم من أن اتجاهي الشارع مفصولة بقاطع إسمنتي، إلا أن السيارات تعاكس السير وتسير في كلا الاتجاهين.
يقول معين عودة، وهو محام مقدسي يمثل سكان الحي في رفع العرائض القانونية ضد بلدية القدس، للمطالبة بخدمات مساوية للأحياء الأخرى: "يفعل السائقون ما يريدون، فهم لا يتوانوا عن القيادة في الاتجاه المعاكس ولا أحد يقوم بمنعهم. ومنذ أن أصبح الحي خلف الجدار، ترفض الشرطة، وسيارات الإسعاف، ورجال الإطفاء، ومقدمي الخدمات البلدية دخول الحي، بذريعة أن الأمر خطير جدا".
.png)
في العام 2004، قررت حكومة إسرائيل برئاسة أرييل شارون، بناء جدار أمني ما بين "إسرائيل ما قبل العام 1967" والضفة الغربية. وتقرر حينذاك أن كفر عقب وبعض أحياء القدس الأخرى كمخيم شعفاط للاجئين، بالإضافة إلى بلدات رأس خميس، والشيخ سعد، والولجة، ستكون على الجانب الفلسطيني من الجدار.
تقع كفر عقب، التي تؤوي نحو (64) ألف "مواطن إسرائيلي"، على بعد (9) كيلومتر إلى الشمال من البلدة القديمة للقدس، وتجاور مدينتي رام الله والبيرة الواقعتين تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.
ويقول السكان أنه حتى العام 2004، كانت كفر عقب ضاحية عادية من الطبقة المتوسطة. ولكن انقطاعها عن بقية القدس، أدى إلى انخفاض أسعار المساكن بشكل حاد، مما نتج عنه جذب المزيد من السكان العرب من جميع أنحاء القدس في سبيل الحفاظ على وضعهم كمواطنين في القدس، وهو ما يسمح لهم بالعمل والتحرك بحرية في جميع أنحاء اسرائيل.
وقد تم وضع كفر عقب تحت ولاية بلدية القدس في شهر حزيران من عام 1967، عندما قررت الحكومة الإسرائيلية ضم القدس الشرقية. فبالإضافة إلى ال (6) كيلومتر المربعة التي سيطرت عليها إسرائيل مباشرة في المدينة التي كانت تحت الحكم الأردني، أدى ضم القدس الشرقية إلى إضافة (60) كيلومترا مربعا أخرى إلى حدود المدينة، بما في ذلك القرى المحيطة.

ويقول البعض إن الأحياء الشمالية، مثل شعفاط وبيت حنينا وكفر عقب، ضمت إلى مدينة القدس كي تشمل مطار قلنديا بحيث لا يؤدي أي حصار مستقبلي على القدس إلى المجاعة، كما حصل في الحصار الذي حدث في العام 1948.
تتلقى كفر عقب خدمات المياه والكهرباء من شركات فلسطينية خاصة، ويتم جمع القمامة من قبل مقاول فرعي تتعاقد معه البلدية. ورغم ذلك، فإن السكان يواصلون شكاواهم بأن هذه الخدمات ليست فعالة بما فيه الكفاية. وللتعامل مع المشاكل الناجمة عن نقص الخدمات والعمل على حلها، شكل الحي لجنة لتولي المسؤولية العامة والتعامل مع الأوضاع.
وفي هذا السياق، قال رئيس اللجنة، منير الزغير-أبو أشرف، في لقاء مع "ذي جيروزالم بوست" بمنزله في كفر عقب إن لا أحد يأتي لإنفاذ القانون -لا السلطات الإسرائيلية ولا السلطات الفلسطينية-ولهذا يواجه السكان مجموعة كبيرة من الصعوبات، من نقص البنية التحتية إلى انعدام السلامة الشخصية ربما.
ويضف الزغير: "لا أحد يشرف على هذا المكان، بينما نرى اللصوص وتجار المخدرات والمسلحين يتدفقون على المنطقة. وعلى ذكر هذا، جميع المجرمين يمتلكون الأسلحة، ونحن لا نعرف إلى أية جهة نتوجه لوضع حد لهذا الوضع. كما يأوي الهاربون من الشرطة الإسرائيلية في القدس إلى هنا، مثلما يفعل تماما الهاربون من قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية".
ويتابع الزغير متسائلا: ""هذه أرض إسرائيلية، ونحن نحمل الهوية الإسرائيلية. من سيحمينا؟ من يقبل أن يكون مكان في إسرائيل على هذه الحال؟"
ويروي الزغير بأنه وبسبب عدم وجود فعلي لسلطة أو شرطة، يلجأ السكان إلى العادات العربية القديمة، مثل الصلحات والعطاوى لتسوية الخلافات بين العائلات. وبسبب عدم وجود رقابة ومتابعة خاصة على البنية التحتية، فإن الكثير من جوانب البنية التحتية تعتبر غير امنة. ويفيد الزغير بأنه ومنذ إقامة الجدار، وبسبب النقص في المساكن في القدس الشرقية، تم إنشاء مبان شاهقة في الحي بشكل غير قانوني ربما بسبب عدم وجود تفتيش.
ويقول أبو أشرف الزغير: "لا تتحقق البلدية فيما إذا كان إنشاء المباني يتم وفق الأنظمة والتعليمات أو عشوائيا، وهو ما يعرض حياة (52) ألف شخص إلى الخطر، وأعتقد أن هزة أرضية خفيفة قد تكون كفيلة بتسوية المنطقة بالأرض".
وفي عام 2015، رفعت اللجنة التماسا إلى المحكمة العليا في إسرائيل تطلب فيها تحسين الخدمات المقدمة إلى كفر عقب، كما هو الحال في أحياء القدس الأخرى. وقد طلب السكان، من خلال محامي الحي، معين عودة، أن يتم إصلاح نظام الصرف الصحي، وبناء الأرصفة، وإصلاح الطرق، ورسم معابر مشاة للمرور إلى المدارس. ورغم أن المحكمة قررت، في شهر 11/2015، تنفيذ هذه الطلبات، إلا أن البلدية لم تفعلذلك حتى الان.

من ناحية أخرى، تم مؤخرا طرح العديد من المبادرات التشريعية المتعلقة بأحياء القدس العربية على الكنيست. فعلى سبيل المثال، يقوم وزير التربية نفتالي بينت ووزير شؤون القدس زئيف ألكين، بتقديم مشروع قانون لتعديل حدود البلدية، مما يسمح بإنشاء مجلس محلي مختلف للأحياء الواقعة خلف الجدار.
كما قام عضو الكنيست يوئيل حسون بتقديم مشروع قانون ينقل جميع أحياء القدس العربية -باستثناء البلدة القديمة والمناطق المحيطة بها-إلى إدارة السلطة الفلسطينية. مع العلم أن حسون أكد من مرة أن إسرائيل لن تتنازل عن السيطرة العسكرية على المنطقة، في حين أن السلطة الفلسطينية ستدير الشؤون المدنية.
وتعقيبا على ذلك، يقول الزغير إن هذه المبادرات غاية في العنصرية وتعزز الفصل والعزل، ولن تجلب الأمن لإسرائيل أبدا. وأن إخبار مواطني إسرائيل بأن هذا يجلب لهم الأمن عبارة عن كذبة كبيرة. وفيما يتعلق بمبادرة حسون وغيرها التي تقترح نقل السيطرة على القدس الشرقية إلى السلطة الفلسطينية، يقول الزغير: "كما قال المهاتما غاندي -لا يوجد على هذه الأرض شخص يفضل أن تحكمه حكومة غريبة جيدة، على أن تحكمه حكومته ولو كانت سيئة".
ومع ذلك، يقول الزغير إنه يعتقد أنه سياتي الوقت الذي تحصل فيه كفر عقب على نفس معاملة الأحياء الأخرى في القدس، مثل رحافيا والمستعمرة الألمانية. وقال: "من المؤسف أن يتم وضع الحاجز داخل القدس وليس على الحدود البلدية لها. لكننا سنواصل نضالنا ونبقي على التماسنا للمحكمة العليا إلى أن نحصل على حقوقنا كاملة".

وأضاف: "إن هدفنا لا يكمن في تسجيل المواقف وإظهار كيف حققنا الانتصار على البلدية، بل إن الهدف هو تحسين ظروف حياتنا ليس إلا".
على الجانب الاخر، ردت بلدية القدس على كلام الزغير والمحامي عودة ببيان واصفة كلامهما بأنه "ادعاءات". أشار بيان البلدية إلى أنها قامت خلال العامين الماضيين بإصلاح العديد من الطرق في كفر عقب، وتم ذلك بالتنسيق مع إدارة المجتمع المحلي. وقال البيان الذي أرسلته البلدية إلى صحيفة "ذي جيروزالم بوست"، بأن البلدية أجرت مؤخرا دراسة شاملة للطرق في الحي، وأنها تقوم حاليا بتحويل نتائج تلك الدراسة إلى خطة متعددة السنوات لتأهيل المزيد من الطرق.
وأضاف البيان: "إن الواقع الذي نشأ في كفر عقب إثر بناء الجدار يجعل من الصعب على المؤسسات المدنية، مثل بلدية القدس، العمل في الحي، وذلك بسبب الحاجة إلى موافقة الجيش على الدخول. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة، زيادة في مواكبة البلدية لأوضاع الحي، وذلك بفضل التعاون الوثيق مع إدارة المجتمع المحلي ومع السكان من أجل تحسين جودة الحياة في الحي"، وفق بيان البلدية.
ترجمة ناصر العيسة عن: "ذي جيروزالم بوست"