اسرائيل : نعم لاستقلال كردستان ولا لفلسطين . كيف يستقيم ذلك؟

25/10/2017

ترجمة خاصة-وطن للأنباء: ترجمة ناصر العيسة: ربما يتوجب على الحكومة اليمينية في إسرائيل التوقف عن تأييدها المعلن لاستقلال كردستان العراق، فإذا كانت العدالة التاريخية تمنح الشرعية للأكراد ولليهود في حق تقرير مصيرهم، فإن ذلك يجب أن ينطبق على الفلسطينيين أيضا.

يشهد المجتمع الدولي منذ استفتاء كردستان نقاشات وتكهنات حول ما يمكن أن ينتج عن الاستقلال الكردي المحتمل على مستقبل العراق، وعلى القضاء المبرم على "داعش"، وكذلك على العلاقات الإقليمية مع إيران وتركيا وسوريا، وحتى مع إسرائيل. بالإضافة إلى العلاقات الدولية كالعلاقات مع كل من الولايات المتحدة وروسيا على سبيل المثال.

وبعد مرور الاستفتاء، وطرح موضوع إجراء مفاوضات تنفيذية مع الحكومة المركزية في بغداد، رفض البرلمان العراقي شرعية التصويت، وأمرت المحكمة العليا بتعليقه تحت شبهة انتهاكه للدستور العراقي، في ظل مخاوف من الدخول في مرحلة صراع وحرب جديدة قد تشتعل في هذا البلد المعذب.

ولكن الاستفتاء الكردستاني يثير سؤالا هاما آخر هو: كيف تولد الدول الجديدة؟
إنها مسألة مثيرة للقلق في المشهد الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية. لأنه ليس من المفترض أن تتغير الحدود بالقوة والحروب. إلا أن الدول الجديدة غالبا ما ولدت من الدماء.

وفي التاريخ الحديث، وباستثناء حالة الانفصال السلمي في جمهورية تشيكوسلوفاكيا السابقة (التي نتجت عنها جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا) واستقلال الجبل الأسود عام 2006، فإن عدد الدول التي ولدت من الحروب يفوق بكثير عدد الدول التي ولدت سلميا. فقد خاضت الجمهوريات السوفياتية السابقة، مثل جورجيا وأذربيجان وأرمينيا وغيرها، قتالا على خلفيات قومية وعرقية مختلفة.

كما أن الدول التي نتجت عن تفكك يوغوسلافيا السابقة (وعددها سبع دول، بما يشمل كوسوفو)، استقلت وسط أعمال عنف قاسية ترتقي إلى شبهة الإبادة الجماعية، وقد شكلت المسبب الرئيس لانفصال الجبل الأسود في وقت لاحق.
حتى أن تأسيس دولة جنوب السودان في العام 2011، قاد إلى فوضى قاتلة رغم أنه جاء بعد استفتاء قانوني، وبالاتفاق مع دولة السودان ذات السيادة. إن وجود موارد نفطية ذات ملكية متنازع عليها في كل من دولة جنوب السودان، ومنطقة كركوك في كردستان لا يبشر بالخير لعملية سلمية في العراق، مثلما لا يبش بالخير لهدوء في جنوب السودان.

إن مثل هذا الخطر شبه المؤكد لعنف داهم هو أحد العوامل التي دفعت الدول الغربية إلى معارضة الاستفتاء الكردي. لكن معارضة هذه الأطراف تنطلق من مصالحها الذاتية بالطبع، وليس من مصلحة العراق أو كردستان.
وليس من المرجح أن تعير الولايات المتحدة اهتماما كبيرا بآثار الحرب على الشعبين الكردي والعراقي، بل إن ما يقلقهم فقط هو أن مثل هذه الحروب يمكن أن تؤثر على جهود محاربة "داعش"، على اعتبار أن أكبر القوات التي تقاتل هي من قوات "البشمركة" الكردية.

وبهذا، يبدو أن المبادئ الدولية الكبيرة مثل الحق في تقرير المصير، للأكراد مثلما لغيرهم، تسقط من حسابات ومنهجيات عمل الحكومات الغربية أمام المصالح. حتى أن "السيادة" التي اكتسبتها كردستان مع الوقت، والدلائل الكثيرة على أن لدى كردستان مؤسسات جيدة وفاعلة، وحكم ذاتي، واستقرار أمني في البلاد، ومؤسسات ديمقراطية نسبيا، إلا أن المعارضة الغربية لاستقلال الإقليم أدت إلى إضعاف موقف الأكراد وإقليمهم نحو الاستقلال.

ربما تكون "الأيديولوجية" الوحيدة التي تقود سياسة أميركا هي الدفاع عما تبقى من نتائج حربها على العراق عام 2003، حيث تركت العراق كدولة فاشلة، وما يزال العراق على هذه الحال. وفي هذا السياق، ما تنفك الولايات المتحدة تجمل وترتب الأمور لأنها تريد من بلد "ما بعد صدام" أن يبدو وكأنه ناجح، سواء كان ذلك على حساب الأكراد أو على حساب أي أحد اخر، علما أن الدم الكردي "لم يجف بعد" من محاربة تنظيم "داعش"، وفق الكاتب.

أما روسيا، فتقدم فصلا صارخا أخر من النفاق الدولي فيما يتعلق بحركات الاستقلال. فقد وقفت روسيا ومنذ فترة طويلة كعقبة رئيسية أمام انضمام كوسوفو إلى عضوية الأمم المتحدة، وذلك بعد أن أعلنت كوسوفو الاستقلال عن صربيا من جانب واحد في العام 2008، واعترفت بها معظم الدول الغربية. ولكن روسيا سارعت متباهية إلى الاعتراف بالمناطق الانفصالية الجورجية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، بعد حرب قصيرة شنتها مع جورجيا صيف العام 2008 (وربما شكل ذلك حافزا للغرب لاحتضان كوسوفو).

وفي استفتاء كردستان، بدا الموقف الروسي خجولا، مما قد يشير إلى أن صفقة نفط كبرى مع شركة "روز نيفت" قد تكون الدافع الوحيد لتحريك موقفها، فهي تهتم أساسا بالموارد والعائد المادي كأسس لمواقفها. وبالمثل الجارة تركيا، فهي لا تمانع "من تجميد ضميرها" والاستمرار في تقسيم قبرص منذ أربعة عقود، وأن تعترف ب "الجمهورية التركية لشمال قبرص"، ولكن بطبيعة الحال ترفض تماما الانفصال الكردي عن أراضيها.

وفي ظل هذه البيئة الواقعية الصارخة، فإن رد فعل إسرائيل على استفتاء كردستان جاء منطقيا. فقد اتخذت موقفا جريئا تمثل في دعم الاستقلال الكردي، وسط صمت أو معارضة الحلفاء الغربيين.

أما المصلحة الذاتية لإسرائيل في دعمها للاستقلال الكردي فهي واضحة: فلديها سوابق في دعم القوى التي تؤدي إلى إضعاف أية جبهة عربية معادية لإسرائيل، كما فعلت في سنوات الثمانينات، عندما غضت البصر عن نمو وتطور حركة حماس بشكل مواز ومنافس لمنظمة التحرير الفلسطينية. هذا بالإضافة إلى قيامها بعدة حروب في لبنان. وبالتالي، فإن عراقا أضعف وأصغر يتفق مع النهج الإسرائيلي هذا.

إن قيام دولة كردية صديقة للغرب في كردستان العراق، يمكن أن يؤدي إلى تآكل أو تفتيت القوتين الرئيسيتين المتصارعتين على السلطة في الشرق الأوسط، وهما السلطة الإيرانية الشيعية والسلطة العربية السنية. وبالتالي، سيكون الأمر جذابا لإسرائيل في حال نتج هناك تحالف يتفهم احتياجاتها ويتعاون معها، خصوصا في ظل التفهم الشعبي العام في كردستان للصداقة التاريخية بين كردستان وإسرائيل، كما جاء في تحليل لصحيفة نيويورك تايمز مؤخرا. ونظرا لوجود حلفاء دوليين أقوياء لإسرائيل، فإن دعمها يمكن أن يكون فعالا في تعزيز استقلال الأكراد.

لكن، على الجانب الاخر، فإن للأكراد حلفاء آخرين في نضالهم، وهم الفلسطينيون:
قال بسيم الوزير، وهو رجل أعمال فلسطيني يعيش ويعمل في أربيل منذ عامين: "أنا تماما مع الاستقلال الكردي. وإذا كان هذا هو طريق تحررهم الوطني، فليفعلوا ذلك لأنه لا يمكننا أن نبقي الناس محتجزين في أقفاص. ونحن الفلسطينيين كشعب مضطهد، نقول لهم: "افعلوا ما هو مناسب لكم، وأسرعوا".
أما على الصعيد الرسمي، فتلتزم الشخصيات الفلسطينية الرسمية الصمت إزاء استفتاء كردستان، مع الانتباه إلى التوترات التي قد تؤدي إلى الإضرار بسلامة أراضي العراق. لكن غسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت في رام الله، والوزير السابق للسلطة الفلسطينية، فقد كان أقل حذرا من الرسميين.

فقد قال: "أعتقد أن للأكراد الحق في تقرير المصير، ويجب السماح لهم بممارسة هذا الحق. وإن الاعتراف بحق تقرير المصير للأكراد ودعمه يجب أن يشجع الناس على عدم تجزئة الأمور، واتباع المبدأ نفسه، وبالتالي دعم حق تقرير المصير والاستقلال وإقامة الدولة للشعب الفلسطيني. إلا أننا اعتدنا نحن الفلسطينيين على اتخاذ معايير مزدوجة، عندما يتعلق الأمر بحقوق المجتمع الدولي".

لا شك بأن القوى العظمى قد لا يغمض لها جفن حيال مصالحها الخاصة، وتتعاون عند التقاء المصالح، رغم التناقضات فيما بينها. لكن حركات التحرر التي تناضل من أجل الحرية والاستقلال، غالبا ما تكتفي فقط بمشاهدة بعضها البعض من بعيد، ربما للاطلاع على السوابق وتعلم الدروس. إن القوى العظمى لا تعير المثاليات انتباها: فالقضية الكردية تحظى بتعاطف الغرب، بسبب معاناتها التاريخية وحقها في تقرير المصير. وبالمثل، حصلت إسرائيل نفسها على اعتراف دولي سريع، بسبب إلحاحها على ضرورة إيجاد العدالة التاريخية.

إن دعم إسرائيل للاستقلال الكردستاني هو موقف شجاع، حتى وإن كان لمنافع ذاتية.
وإن تحقيق مكاسب سريعة في هذا المجال، يمكن أن توجد المزيد من السوابق الناجحة في التحرير الوطني. وأقرب واقع إلى ذلك هو الاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي فقد الشرعية الدولية.

قد يستلهم الفلسطينيون من الحالة الكردية بما يشمل، على سبيل المثال، بناء الأكراد الناجح للدولة، وبناء نظام سياسي ديمقراطي نسبيا. وعلى بقية العالم أن يستلهم أيضا ويأخذ دوره، فعندما يلاحظ دعم إسرائيل لتحرر الأكراد الذين عانوا طويلا، عليهم أن يطلبوا من إسرائيل إجابة السؤال التالي: لماذا لا تمنحوا فلسطين استقلالها أيضا مثلما تدعموا الاكراد؟

 عن هآرتس