
الذين كانوا يفضلون هيلاري كلينتون عندنا، فعلوا ذلك لمعرفتهم الشخصية بها، ولقاءاتهم المتعددة معها، ورغم انها بعد ذلك كله لم تفعل شيئاً يسجل لحسابها وحساب المراهنين عليها، الا انها ظلت المفضلة ضمن قاعدة عجائزية تقول " الوجه الذي تعرفه خير من الذي لا تعرف".
الحقيقة الساطعة ان هذه السيدة فشلت، وان الذي حاز على نسبة ضئيلة من تفضيل الفلسطينيين وهو ترامب، سيجلس بعد أيام في المكتب البيضاوي، ليقود اعظم دولة في العالم، وربما يكون اول من يستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد ينصح من قبل تلامذة جيمس بيكر وجورج بوش الاب، بدعوة زعيم عربي من أجل إعطاء ايحاء بالتوازن.
ما حيلتنا نحن الفلسطينيين إزاء هذا الوضع؟
لقد رمى لنا حبلاً كي نمسك به بدل اليأس منه ومن السنوات الأربع على الأقل التي سيمضيها في البيت الأبيض، فقد أعلن وعلى طريقة اسلافه من الرؤساء أنه سيعمل من اجل وقف الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وسيستفيد من كونه رجل صفقات ناجحٍ كما يصف نفسه، ليبرم صفقة فلسطينية إسرائيلية، ولكن هذه المرة لأسباب إنسانية.
أعيد السؤال .. ما حيلتنا نحن الفلسطينيين إزاء هذا الوضع؟
في السياسة لا أبواب مغلقة الى الابد ولا يأس من رجل لمصلحة الامل برجل آخر، ولا انتظار لزلزال كوني او إقليمي حتى ينقل قضيتنا من واقع الاغلاق الى واقع الانفتاح، ومع أن السياسة الرئيسية في الولايات المتحدة تصنعها المؤسسات كما هو شائع وربما في العديد من الأمور كما هو بالفعل، الا ان للفرد حين يكون رئيساً دورا لا يستهان به في صنع السياسات وادائها وايصالها الى أهدافها، ونذكر ما فعل كارتر حين توصل بجهد مضنٍ الى سلام بين مصر وإسرائيل ، وكم كان دور الشخص سواء في أمريكا او مصر او إسرائيل اساسياً في تحقيق المستحيل وابرام الاتفاق الذي غير وجه الشرق الأوسط، وأثر بصورة مباشرة في الحياة الدولية المعاصرة بإجمالها.
غير أن الأشخاص وخصوصا على مستوى الولايات المتحدة، يحتاجون بالتأكيد الى محفزات موضوعية كي لا ينكصون على اعقابهم من اول الطريق او منتصفه كما فعل بوش الابن وباراك اوباما ، والمحفز المقصود هنا ليس مجرد جهد نمطي رتيب يبذل للاقناع، وانما بوضع سيد البيت الأبيض امام وقائع وحسابات تجعل اقدامه على محاولة الحل أمراً حيوياً بالنسبة لمصالح دولته وسياساته ، والى ان يستقر ترامب في البيت الأبيض ، فما ينبغي ان يعمل حقاً هو وضع حقائق امامه ، اما ان تشجعه على محاولة إيجاد حل متوازن واما تعيده كأسلافه الى دائرة معالجة الازمة بأدارتها وليس بحلها.
الجهد الفلسطيني هنا لابد وأن يندمج في جهد عربي، حيث الأوراق الوازنة والأرقام الجديرة بالتأثير على الحسابات ، كما يجب التخلي عن الذريعة الدارجة بأن العرب منشغلون بقضاياهم الخاصة ما يعيق انشغالهم بالقضية الفلسطينية، ان هنالك متسعا للقضية الفلسطينية بقدر حجمها وتأثيرها في الواقع العربي ، وهذا بحد ذاته يلزم العرب بوضعها دائما على الاجندة وإظهار مدى تأثيرها الإيجابي على الاستقرار في المنطقة في حال التوصل الى حل نهائي لها ، وكم ان الاستقرار مهدد اذا ما اهملت وتم تجاهلها والتعاطي معها كما لو انها مجرد قضية إنسانية صرفة.
ان السيد ترامب بحاجة الى من يقول له ان حل القضية الفلسطينية ليس ملحاً لأسباب إنسانية واخلاقية فقط على أهمية ذلك، بل هي أساسية وملحة لاتصالها الوثيق بأزمات المنطقة التي اشتعلت فيها حروب حين قدر انها صارت بمنأىً عن ذلك وشاعت فيها اضطرابات كان التقدير ان اتفاقات السلام التي ابرمت تكفي لاشاعة استقرار دائم، فإذا باللذين وقعوا الاتفاقات كالذين لم يوقعوا يعانون مع غيرهم من قلة الاستقرار واحتمالات الخطر .
ان ترامب بحاجة الى ان يعرف .. فلتكن الرواية الفلسطينية العربية قريبة الى مسامعه دون احتكار من الرواية الإسرائيلية.