بلال الكايد.. نحن بحاجة اليك.. لسنا وحدنا.. فانت معنا ؟

02/08/2016

البطولة تعني  ان يكون الانسان قادرا في لحظة ما على ان يقوم بما يعجز عنه الاخرون ويتوقون له، وما يعلي من هذه البطولة ويعطيها مكانة خاصة، هو ان يقوم البطل بالتضحية بما يعتبره الناس والمجتمع شيئا ثمينا في سبيل هذا الموقف الذي اتخذه، التضحية بالحياة هي اغلى ما  يملك الانسان والتضحية بها في مواقف مشرفة هي احد اهم اشكال البطولة، في كثير من الاحيان تكون المواقف البطولية  لحظات قصيرة من عمر الافراد أو الشعوب لكنها لا تاتي من فراغ وهذه اللحظات ليست منعزلة عن تاريخ وسياق شخصي وثقافي وقيمي ادى إلى هذه اللحظة البطولية الخاصة التي ورغم قصرها لكنها تترك اثارا كبيرة وتثير معاني كثيرة في  ثقافة وقيم الجماعات.

الشعوب الحية تقدم في مسيرتها نماذج عديدة من البطولة في ميادين مختلفة منها الاجتماعية والرياضية و الإنسانية والعلمية وغيرها وهو ما يساهم في تشكيل هويتها ويحدد مكانتها ومكانة ابنائها وامام الشعوب والامم والبشرية على العموم، لكن اكثر ما يثير الاهتمام من الابطال هو أولئك الذين يلعبون دورا هاما عندما تكون المجتمعات والشعوب تعيش لحظات فارقة من عمرها ومسيرتها فيقوم الافراد بالقيام بادوار تساهم في تغير التوجهات والقيم  والثقافة مثلما قام به الاديب الشهيد غسان كنفاني بعد هزيمة 1967، أو تعديل الميزان لصالح هذه الشعوب وابرز مثال على على ذلك هو الادوار البطولية للمقاتلين والعساكر في معارك غيرت مسار الحروب وحددت مصائر الشعوب والامم .

تاريخنا وحاضرنا مليء بالمواقف البطولية ونماذج التضحية الكبيرة وهنا يستحضرني موقف البطولة للقائد الكبير يوسف العظمة في معركة ميسلون المعركة التي كانت نتيجتها معروفة مسبقا الا ان ابطالها وعلى راسهم البطل يوسف العظمة ابوا الا ان يواجهوا الجيش الاستعماري الفرنسي رغم فارق العدد والعدة والعتاد  وان يقدموا نموذجا بطوليا في المواجهة والمقاومة والتضحية الكبرى وان يسجلوا ملحمة بطولة تردد صداها في عشرات المعارك والمواقف البطولية مثل  قلعة شقيف ومعركة مخيم جنين وبنت جبيل والشجاعية .

لكن هناك نوع اخر من البطولة لا يقل اهمية عن هذه النماذج ان لم نقل يفوقها وهو الذي ابدع الكاتب التشيكي يوليوس فوتشيك في التعبير عنه بالكلمات والافعال بالقلم والممارسة عندما سجل ملحمة صمود طويلة امام الجلاد النازي ونجح بتهريب ما تمكن من كلمات وصلت إلى بقاع العالم المختلفة ولا  زالت تشكل منهلا  للمناضلين  في كل العالم، تجسد هذه الملحمة لوا زالت تشكل اناشيد ثورية للمناضلين حيثما تواجدوا حيث كتب من ضمن ما كتب "ان البطولة بالنسبة للثوري لا تتجسد فيما يستطيع التحدث عنه، التعبير عنه وانما تكمن البطولة في عشرات الاشياء الصغيرة في المعاناة المطمورة في ضمير الثوري في تلك الاشياء التي لا يسمح لها ان تفصح عن نفسها في تلك الاشياء التي حتى  قد تبدو سخيفة في حياة عادية".

تاريخنا الفلسطيني ملي بالبطولات الجمعية والفردية  التي قدمها ابناء شعبنا الفلسطيني على مذبح دفاعهم عن الهوية والوطن والحق والكرامة، احد اشكال البطولة الفلسطينية والتي لم تنل حقها في فلسطين، هو البطولات العديدة التي  جسدها العشرات بل المئات من ابناء شعبنا حينما  قرروا المواجهة والوقوف المستمر ولوقت طويل امام الموت والعذاب والالم في وجه الة القتل والموت الاسرائيلية في زنازين التحقيق أو الاسر، وقدموا نماذج حياة تدوم إلى الابد حتى وان خرجت الروح من الجسد، وهنا لا يمكن ان نمر دون نستحضر ذكري البطل الفلسطيني ابراهيم الراعي "فوتشيك فلسطين" الذي جابه المحققين والجلادين وابشع انواع  التعذيب لاشهر عديدة حتى استشهد. 

السنوات العجاف من تاريخنا الفلسطيني لا  زالت مستمرة  ولم  يتجاوزها  شعبنا وقضيته، ورغم التردي العام الذي الم بحالتنا وبثقافتنا وقيمنا وادائنا العام لكن المعركة لم تبخل علينا وبقيت كريمة وولادة، ولا زال شعبنا يقدم لنا يوما بعد يوم نماذج مختلفة من البطولة الممزوجة بالدم والالم، وهم بذلك لا يصنعون سيرتهم فحسب بل يصنعون سيرتنا ووجودنا وهويتنا ويطبعون بصمتهم على عصرنا  حاضرنا ومستقبلنا.

الابطال لا يختارون معاركهم، بل انها تختارهم وتفرض عليهم وهم لا يولون الادبار بل يكون خيارهم دائما ان  يخوضوا هذه المعارك للنهاية فالبطل ايضا حسب فوتشيك " البطل هو الانسان الذي يكون على استعداد في اللحظة الحاسمة للقيام بكل ما يجب عليه ان يفعله لمصلحة المجتمع".

في معارك الاضراب عن الطعام يقاس الوقت بالثواني لانه ومع طول هذه المعركة تصبح كل لحظة فيها معركة  قائمة بذاتها، منذ اكثر من 48 يوما وكل يوم فيها اربعة هو وعشرين ساعة وكل ساعة ستون دقيقة وهي ايضا ستون ثانية كما يعدها رفاق بلال ، فكيف بمن  يخوضون المعركة منذ ذلك الوقت الطويل الطويل ...  يستمر بلال الكايد بعد 48 يوما ومعه ابناء الشهيد احمد البلبول  الشقيقان محمود ومحمد بلبول منذ اكثر من 25 يوما ومع عدد اخر من الاسرى المتسلحون بارادتهم و وقدرتهم على تحمل الالم ورغبتهم بالانتصار، يستمرون في تسجيل ملحمة بطولة خاصة عاشها الشعب الفلسطيني ويعيشها منذ أواخر الستينات وحتى الان دون انقطاع. 

قبل ايام احيت جموع الناس في مخيم الدهيشة ومنطقة بيت لحم انطلاقا من خيمة التضامن مع بلال الكايد ذكرى البطل على الجعفري الذي قضى في معركة الامعاء الخاوية في سجن نفحة في العام1980.

معركة الامعاء الخاوية هذه المعركة التي  تغيب عن ساحات الاعلام العربي والعالمي، وساحات التاثير الدولية وما يعرف بالمقاومة السلمية  أو السلبية كما يحلو للبعض تسميتها  لانها توقع الالم والضرر بالنفس لا بالاخر، وهنا اتذكر مع ابناء جيلي كيف كنا نحفظ اسم بوبي ساند من  الابطال الايرلنديين الذين قضوا في  الاضراب الشهير عام 1981 دون ان يكون هناك اي من وسائل الاتصال التي نراها الان .

 معارك الجوع الفردية والجماعية تتعدد تتكرر تتزايد حتى تحولت خيمة التضامن امام صرح الشهيد في مخيم الدهيشة  إلى معلما ثابتا منذ اكثر من عامين، وهذا الامر لا ينبع من كون معارك الجوع معارك سهلة كما قد يظن البعض ممن لم يختبروا هذا الامر، ولكنها تصبح احد الملاذات الاخيرة لاناس يعانون الامرين من فاشية السجان وقسوته وظلمه، ولانهم ابوا الا ان يكونوا احرارا ولو في قيدهم وان يؤكدوا على انهم دائما في الخندق المتقدم خندق المواجهة المستمرة لارادة الانسان الحر امام جبروت الجلاد المواجهة المباشرة والمستمرة لحظة بلحظة بين ممثلي ارادة الكرامة الانسانية والحرية وممثلي العدوان والسيطرة والتمييز .

باجسادهم الهزيلة وامعائهم الخاوية لكن بارادة فولاذية وايمان عميق بحتمية النصر يمضي الاسرى المضربين عن الطعام في المعركة حتى النهاية وهم في مقدمة المدافعين عن كرامتنا وقضيتنا ،حيث انهم بجوعهم والامهم يقفون امامنا يستنهضون الهمم ويبعثون الامل ويعيدون للتضحية والنضال معانيها الاصيلة، معركة الاضراب عن الطعام هي معركة حياة للمضربين  وهي وايضا فرصة للنهوض ومحطة وطنية للشعوب المكافحة للتوحد وشحذ ارادة المقاتلين.

بلال الكايد واخوته ورفاقه ببسالتهم وشجاعتهم وارادتهم الحديدية يمدون لنا ايديهم لياخذوا بايدينا إلى الاعلى ليرتقوا بنا  إلى لحظاتهم المصنوعة من مجد وفخار يمدونا بوقود جديد لتسير قاطرة الشرف إلى الامام فانتم لستم محاصرون بالقيد والاسمنت بل "تقاوي تطرح محصولا " لشعبكم وقضيتكم.

فلنتذكر قول فوتشيك "في كل انسان هناك ضعف وقوة شجاعة وجبن صمود واستسلام نقاوة وقذارة فالمخلص يقاوم والغادر يخون والضعيف يتهاوى تحت الياس والبطل يقاتل".

الابطال الفلسطينيين خلف قضبان المحتل الفاشي يا ابطال معركة الجوع لستم وحدكم نحن خلفكم والوطن معكم  إلى النصر المبين لكم المجد والحرية ولشعبنا بكم الفخار.