دينيس روس: معظم الدول السُنيّة العربيّة تعتبر إسرائيل حصنًا منيعًا ضدّ الإيرانيين

07/12/2015

وطن للأنباء- وكالات: حيثما نظر المرء في الشرق الأوسط يبدو الصراع والاضطراب منتشرين. فنظام الدولة العربيّة بحدّ ذاته عرضةً للاعتداء، إذْ يتحدّى داعش كل نظام عربيّ ويرفض كلّ الشيعة. أمّا إيران كما أتباعها من الشيعة، فيرفضون سلطة الدول العربيّة التي يهيمن عليها السنة، بالتالي، فإنّ فهم طبيعة التهديدات وما يشكل حقيقة صراعًا حول من سيتولّى تحديد هوية المنطقة وتشكيلها، هو الشرط الأول لوضع إستراتيجيّة ناجحة. ونظرًا للظروف التي تمر بها المنطقة، ستتخذ إسرائيل موقفًا متناقضًا بشكلٍ صارخٍ مع بقية دول الشرق الأوسط، وستستمر في كونها شريكًا طبيعيًا لأمريكا، فإسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، هذا ما جاء في مقدّمة الدراسة الجديدة التي نشرها الدبلوماسيّ الأمريكيّ السابق دنيس روس على موقع"معهد واشنطن".

ولفت إلى أنّ عبر النظر في كتابه الجديد، "محكوم عليه بالنجاح إلى العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من عهد الرئيس هاري ترومان وصولاً إلى عهد الرئيس باراك أوباما"، أصبح واضحًا أنّ كلّ إدارة شملت ثلاث فرضيات مترابطة ثابتة في جهاز الأمن الوطني.

أولاً، إذا نأت واشنطن بنفسها عن إسرائيل ستكسب العرب إلى صفها. ثانيًا، إذا تعاونت مع إسرائيل، ستفقد تعاون العرب. وثالثًا ذا أرادت تغيير موقفها في المنطقة، وتغيير المنطقة بحدّ ذاتها، لا بدّ لها من حلّ الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، وجزم روس أنّ هذه الافتراضات الثلاثة خاطئة من الأساس.

بالنسبة إلى الفرضية الأولى، بأنّ التعاون مع إسرائيل سيُفقد أمريكا علاقاتها مع العرب خاطئًا. فإدارة الرئيس جون كندي كانت أول إدارة تقدم الأسلحة الحديثة إلى إسرائيل. وقد واجه الرئيس الأمريكي معارضة كبيرة من داخل إدارته على هذه الخطوة، إذ اعتبر وزير خارجيته، دين راسك، أن توفير الأسلحة إلى إسرائيل من شأنه أن يشكل سابقة رهيبة تلحق أضرارًا جسيمة بعلاقة واشنطن مع العرب. لكن عند لقائه ولي العهد السعودي الأمير فيصل بن عبد العزيز في نفس اليوم الذي تسرب فيه خبر بيع الأسلحة، ركّز ولي العهد على انقلاب في اليمن بدعم من عبد الناصر وليس على الأسلحة التي قامت الولايات المتحدة ببيعها إلى إسرائيل. فالأمر، وفق قوله يشكل تهديدًا للسعودية وهي بحاجة إلى الأسلحة والضمانات الأمريكية. وبعد أسبوع، عندما التقى فيصل بكندي في مصر بقي اهتمام ولي العهد مٌنصّبًا على مصر وليس على إسرائيل، موضحًا بأن تقارب أمريكا تجاه مصر والمساعدة الاقتصادية التي تقدمها إليها تشكل تهديدًا للمنطقة، ومرّةً أخرى، طلب فيصل من واشنطن الحصول على الأسلحة والالتزام بالأمن السعوديّ.

ورأى روس أنّ التاريخ يعيد نفسه، والحجج التي قدمها فيصل لكندي هي نفسها التي قدمها الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز والملك الحالي سلمان بن عبد العزيز للرئيس أوباما حول إيران. فقد شددت السعودية ودول الخليج الأخرى مرارًا على قلقها إزاء انخراط إدارة أوباما مع إيران والعواقب المترتبة عن تخفيف العقوبات الذي سينجم عن الصفقة النووية الإيرانية. من جديد، يخشى السعوديون أن تستفيد دولة يعتبرونها مثيرة للمتاعب على الصعيد الإقليمي، كما مصر في الستينيات وإيران في الوقت الحالي، من مشاركة الولايات المتحدة. وشدّدّ روس على أنّ جميع الإدارات الأمريكيّة قرأت أولويات القادة العرب بشكل خاطئ.

فالأولوية ليس إسرائيل، بل أمنهم واستمرارهم. فالمنافسون الإقليميون يشكلون التهديدات التي ينشغلون بها، وهم يعتمدون على واشنطن لضمان أمنهم، ونظرًا إلى ذلك، فإنّهم لن يربطوا يومًا ما بين علاقتهم مع أمريكا وعلاقة واشنطن مع إسرائيل.

وتابع أنّه في الحقيقة، فإنّ مصداقية واشنطن هي التي تهمهم، فإذا ما اعتبروا أنّ واشنطن هي أقل موثوقية، وهو ما يفعلونه إلى حد ما اليوم، فإنّ ذلك هو الذي سيؤثر على علاقاتهم مع أمريكا واستجابتهم لها. وهنا ترى واشنطن الخلل في الفرضية الأخيرة، أيْ مركزية الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ في المنطقة وموقف واشنطن منه، ولا يرى معظم الزعماء العرب أنّ هذا الصراع يؤثر بشكل جذري على أمنهم. وتابع روس قائلاً إنّه في البداية، واشنطن بحاجة إلى مفهومٍ واضحٍ يُوجّه إستراتيجيتها. فمن الطبيعي أن تبدو هزيمة تنظيم “الدولة الاسلامية” على رأس أولوياتها، ولكن لتحقيق ذلك تحتاج أمريكا إلى الدول السنية، فالدول والعشائر السنية هي وحدها القادرة على تشويه سمعة “الدولة الاسلامية”، موضحًا أنّ ذلك يستبعد الشراكة مع الأسد أو الإيرانيين في سوريّة، حتى فيما تسعى واشنطن إلى بناء النفوذ الجماعيّ على أرض الواقع لتشكيل العملية السياسيّة التي ستؤدّي في مرحلة ما إلى وضع نهاية للحرب الأهلية.

ومن المفارقات، أضاف روس، أنّ معظم الدول السُنيّة العربيّة تنظر اليوم إلى إسرائيل باعتبارها حصنًا منيعًا ضدّ كل من الإيرانيين وداعش والجماعات التي تزعم الولاء لها. وفي حين أنها قد تبقي تعاونها مع إسرائيل سريًّا إلى حدٍ كبيرٍ، نظرًا إلى الحساسيات الشعبية حول القضية الفلسطينية، فإنّ نطاق ما تقوم به إسرائيل الآن مع عدد من الدول العربية في مجال الأمن لم يسبق له مثيل.

وخلُص روس إلى القول: هنا يبرز أحد المجالات التي يجب أنْ تشدد واشنطن عليه، لا سيما بالنظر إلى قيمته في إقناع أصدقائها التقليديين في المنطقة بأنّها أكثر تفهمًا للتهديدات التي تقلقهم، فإثبات ذلك واستعادة الموثوقية الأمريكيّة، أمور ستُسهّل من زيادة مطالب أمريكا من شركائها الإقليميين في مواجهة “الدولة الاسلامية” وأفعال إيران الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة. وفي نهاية المطاف، يُشكّل فضح الفرضيات التي ضللت واشنطن في المنطقة أمر لا بدّ منه لنجاح أيّ إستراتيجيّة، على حدّ تعبيره.