أنفاق غزة.. نظريتان وكذبة وسؤال- كتب: أحمد جميل عزم

07/08/2014

وطن للأنباء: في بداية حرب غزة الراهنة، انصب التركيز لدى كثير من المحللين على احتمالات قيام حرب بريّة في غزة. وكانت الغالبية ترى أنّ إسرائيل لن تغامر بذلك، وأن ما سيحدث هو عمليات قصف واسعة، وأرض محروقة، وتوغلات محدودة. لكن إحدى المفاجآت التي خلطت كل الأوراق وغيرت في موازين القوة، هي "أنفاق حماس" تحت حدود القطاع، وصولا إلى قواعد وأماكن تواجد الجنود الصهاينة. وأدى ظهور مقاتلي "حماس" من تحت الأرض ومهاجمتهم الجنود إلى مفاجآت لها وقعها النفسي والمعنوي البالغين، بمثل أثرهما العسكري. بكلمات أخرى، لم يذهب الجيش الإسرائيلي للحرب البرية، ولكن الحرب جاءته.

هذه الأنفاق تستحضر نظريتين في تفسيرها: الأولى، أنّه في عالم الجيوش النظامية، عادة ما تبدأ الصناعات عسكرية وتتحول تدريجيا إلى مدنية. فالإنترنت، والاتصالات، وكثير من الاختراعات، وُجدت لصالح الجيوش العالمية الكبرى. ومعروف أنّ الجيوش تملك ميزانيات أكبر للبحث والاختراع، ثم تستخدم الاختراعات لأغراض مدنية تجارية وربحية. والآن، يمكننا استنباط نظرية أخرى، هي أنّه في حالة حروب التحرر والمقاومة يحدث العكس؛ تُستخدم الاختراعات ووسائل العمل المدنية لأغراض حربية وقتالية، كما في حالة الأنفاق في غزة. فبعد تطويرها لغرض البضائع التجارية وكسر الحصار، تحوّلت لتصبح جزءا من خطط القتال.

النظرية الثانية، هي نظرية "فائض القوة". وهي نظرية كلاسيكية، مفادها أن أي جيش أو جهة يصبح لديهما فائض قوة، لا بد أن يبحثا عن منفذ لاستخدامه. وفي حالة الأنفاق، فإن ما جرى هو مراكمة معرفة وخبرات واستثمارات وتقنيات، كانت تستخدم لكسر الحصار في الاتجاه المصري. وفجأة، وجدت "صناعة الأنفاق" نفسها بلا عمل، فكان سهلا التحوّل للاستخدام العسكري لآليات وتقنيات وخبرات هذا القطاع. وغاب هذا التحول الممكن عن ذهن وتنبؤات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، التي يبدو أنها تعيش حالة إنكار، ومحاولة الإصرار على شعور بالتفوق وضعف الطرف الآخر. وقد حفلت صحف إسرائيلية بأخبار يمكن القول الآن (بعد أسابيع من نشرها) إنها مضحكة، من مثل أن مقاتلي "حماس" لن يصمدوا طويلا، لأسباب منها عدم وجود طعام كافٍ لديهم. 

غالبا سيتم فتح ملف الأنفاق لدى الإسرائيليين قريبا. وإذا لم يحدث تواطؤ سياسي عسكري، سيحاسب قادة الاستخبارات الإسرائيلية على إخفاقهم في اكتشاف عمليات حفرها. وهذه الأنفاق في واقع الأمر تضرب بقوة كل مقولات التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي والأميركي الهائل؛ فلا الأقمار الصناعية، ولا وسائل التجسس الإلكتروني، ولا الجواسيس والعملاء، سمحوا بكشفها، رغم اكتشاف بعضها سابقا. والآن، يقوم ضباط إسرائيليون بالكذب، فيقول الناطق بلسان جيش الاحتلال موتي ألموز إنّ "الوضع الأمني في المنطقة المحيطة بقطاع غزة قد تحسن بشكل ملحوظ بسبب العملية العسكرية"، متوقعاً الانتهاء من حل قضية الأنفاق بـ"فضل المعلومات الاستخبارية المتميزة لدى إسرائيل".

وقال مصدر عسكري كبير إنّ عمليّة هدم الأنفاق التي حفرتها المقاومة إلى ما بعد السياج الحدودي استُكملت. هذه التصريحات تريد أن توحي أن تدمير الأنفاق كان هدفاً للحرب، والتي في واقع الأمر بدأت من دون معرفة الإسرائيليين بالأنفاق، بل وقبلت المبادرة المصرية قبل إدراك وجود ورقة الأنفاق بيد المقاومة؛ ما يُشير إلى كذبة جديدة يقوم بها الجيش الإسرائيلي، ولكن هذه المرة ليس لتبرير الإجرام، بل لحفظ ماء الوجه.

على أن تفسيرات موضوع الأنفاق، وردة الفعل الإسرائيلية المتخبطة، لا تلغي أسئلة ستبرز على هامش موضوع الأنفاق. أحدها، أنّ كلفة هذه الأنفاق عالية جداً، و"حماس" مرت بأزمة مالية حادة أدت إلى التوقف عن دفع الرواتب، والوصول إلى اتفاق حكومة التوافق الوطني مع "فتح"؛ فهل كان الجناح العسكري يحصل على تمويل من مصادر مختلفة عن تلك التي توافرت للحكومة، فأصاب الشح تمويل الحكومة وأجهزتها المدنية، فيما بقي خط إمداد للاحتياجات العسكرية من مصدر آخر؟ وبالتالي، يصبح الحديث عن خريطة تحالفات غير معروفة. أم أنّ الأولوية أعطيت للأنفاق؟ أو هي أنفاق قديمة؟ كلها مجموعة من الأسئلة ذات المعنى سياسيّاً وأمنيّاً، ولكن الثابت أن الأنفاق في غزة إبداع عسكري تاريخي سيوثق لا في تاريخ الحرب الفلسطينية-الإسرائيلية وحسب، بل على نحو أوسع من هذا.