إدارة سموتريتش المدنية للفلسطينيين لم تعد مجرد أفكار

23.06.2024 10:02 PM

 

 

كتب: نهاد ابو غوش

 

تقدير موقف
مقدمة:
اهتمت وسائل الإعلام المحلية والدولية بخبر "التسريب" الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن  تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، أثناء حديثه مع مجموعة مستوطنين في التاسع من حزيران، كشف فيه عن عملية تدريجية يجري خلالها نقل صلاحيات الجيش إلى أجسام مدنية تتبع له مباشرة بصفته وزيرا في وزارة الدفاع، وهدف ذلك منع تحول الضفة الغربية إلى جزء من "دولة فلسطينية". أكد سموتريتش أن رئيس الوزراء نتنياهو يعلم ذلك وأنه مع هذا الاتجاه الذي من بين أهدافه احتواء ردود الفعل الدولية.

خلفية:
يعدّ بتسلئيل سموتريتش من أبرز المسؤولين الإسرائيليين حاليا نظرا لمواقفه العلنية التي تتبنى العنف ضد الشعب الفلسطيني وتنكر حقوقه الوطنية، وتتعزز مكانته نظرا للمنصبين المهمين اللذين يمسك بهما (وزارة المالية، ووزير في وزارة الدفاع يشرف من خلال موقعه الثاني على الاستيطان والإدارة المدنية، اي على كل ما يتصل بالشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة). سموتريتش هو سياسي شاب (مواليد 1980) سليل الحزب الوطني الديني (المفدال) في تحولاته نحو الفاشية الدينية الصهيونية، من خلال حزب البيت اليهودي والاتحاد الوطني وصولا للصهيونية الدينية التي يرأس قائمتها حاليا في الكنيست. كما يرأس جمعية أهلية اسمها (ريغافيم) وتعرف نفسها على أنها "جمعية الحفاظ على الأراضي الوطنية" وتركز نشاطاتها على ما تسميه الخروقات الفلسطينية في المناطق (ج) بما يشمل الأعمال الزراعية والعمرانية والخدمية لتجمعات البدو والمزارعين الفلسطينيين بحجة أن هذه النشاطات تمثل خرقا لاتفاق أوسلو! وتنشط الجمعية في تقديم التماسات واستصدار أوامر هدم للبيوت والمنشآت الفلسطينية. كما عرف سموتريتش الذي يسكن في مستوطنة كدوميم، بمعارضته العنيفة في شبابه لخطة فك الارتباط وإخلاء مستوطنات غزة وشمال الضفة أثناء حكومة شارون (2005)، وعثر في منزله على 700 لتر وقود مخصصة لأعمال تخريبية ضد الخطة.

تحليل:
- صاغ سموتريتش أفكاره السياسية في مقال شهير نشره عام 1997 بمجلة (شيلوح)، وفيه طرح للمرة الأولى فكرة "حسم الصراع" التي أصبحت دليل عمل لحكومة نتنياهو، وعبر عن فكرته الرئيسية وهي أن "الإرهاب" ليس نابعا من يأس الفلسطينيين وإنما من الأمل الذي يحركهم لإضعاف إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية بين النهر والبحر، وهكذا فالمطلوب هو قتل هذا الطموح الفلسطيني لإقامة الدولة.

-  نتنياهو تبنى فكرة مشابهة وعبر عنها العام الماضي.
- كثف سموتريتش أفكاره في خطاب القاه عام 2015 في الكنيست حين قال " لا مكان هنا إلا لدولة واحدة وهي الدولة اليهودية، من يريد العيش معنا فأهلا وسهلا، ومن لا يريد فسوف نراه فقط من خلال المهداف (ناظور البندقية).

- في خطابات متفرقة وضع سموتريتش الفلسطينيين أمام ثلاثة خيارات وهي إما الموت أو القبول بوضعية دون مستوى اليهود، بدون حقوق سياسية جماعية (بلغة التوراة وضعية الخدم والعبيد)، أو الهجرة سواء قسرية أو طوعية تساعد إسرائيل في تنفيذها بمنح تعويضات وإيجاد دول تستقبل الفلسطينيين.

- المتتبع لسيرة سموتريتش سيجد أن أفكاره التي تمجد العنف وتدعو لطرد الشعب الفلسطيني والقضاء على طموحاته الوطنية، لم تكن مجرد أفكار مراهق عبر عنها في بداية حياته السياسية، بل تحولت إلى "توراة" للاتجاه الصهيوني الديني (الحردلي/القومي الديني)، وتمسك بها سموتريتش لدى انضمامه للحكومة، وضمّنها في الاتفاق الائتلافي مع حزب الليكود، وعلى أساس هذه الأفكار والاتفاق الائتلافي تمسك بحقيبة المالية (التي من خلالها يصادر أموال الضرائب الفلسطينية)، وبمنصب وزير في وزارة الأمن للإشراف على ملفي الاستيطان والإدارة المدنية وهما الملفان الأكثر دقة وحساسية في علاقة الاحتلال بالشعب الفلسطيني والسلطة التي بات سموتريتش وكأنه مرجعيتها الفعلية.

- سبق لسموتريتش (2017) أن أعرب عن حزنه لاعتقال عهد التميمي (كان عمرها 16 سنة) حيث كان يفضل رصاصة تصيبها في ركبتها وتقعدها مدى الحياة. بعد انضمامه للحكومة واصل إطلاق التصريحات المتطرفة المؤيدة للعنف ومن بينها دعوة الجيش إلى محو قرية حوارة بدل قيام الأفراد بذلك (شباط 2023)، ثم إنكاره وجود شعب فلسطيني خلال خطاب في فرنسا عام 2023. وهو من الدعاة المثابرين لعودة الاستيطان لقطاع غزة قبل الحرب الأخيرة وأثناءها، ولعل ذلك ما يدفع نتنياهو إلى تجنب الإجابة على "سؤال اليوم التالي" حتى يبقي خيارا الاستيطان من جهة والتهجير الجماعي للفلسطينيين قائميْن ولو نظريا.

التماهي بين نتنياهو وسموتريتش:
- حين يسلم نتنياهو شخصا بهذه المواصفات مسؤولية وزارة المالية والإشراف على الإدارة المدنية والاستيطان من موقعه في وزارة الدفاع، فلا شك أنه يوافق على سياساته المستندة لمواقفه المعلنة، تماما مثلما أسند حقيبة الأمن القومي لبن غفير الذي عمل على تسييس جهاز الشرطة وتغيير أولويات عمله.
- للحكم على موقف نتنياهو من أفكار سموتريتش، ينبغي تتبع الخطوات العملية لحكومته، وليس تصريحاته التي يجري تنميقها بناء على متطلبات العلاقات العامة. ونتنياهو أفصح عن أفكاره المطابقة لأفكار سموتريتش علانية في استجواب للجنة الخارجية والأمن حين قال (حزيران 2023) "علينا العمل لقمع طموح الفلسطينيين في قيام دولة فلسطينية".

- على الأرض تعمل سلطات الاحتلال بانتظام لإضعاف السلطة الفلسطينية وانتزاع صلاحياتها ومحاولة اختزالها إلى مجرد وكيل أمني، وحاجز بين الاحتلال والشعب الفلسطيني يعفي إسرائيل من اية مسؤوليات تجاه ملايين الفلسطينيين.
-  ما زالت السياسة الرسمية للحكومة معنية ببقاء السلطة، مع أن ثمة اتجاها لا يبالي بانهيارها وحلها، ويقترح استبدالها بالهيئات المحلية المنتخبة. وفي موازاة ذلك يجري توسيع صلاحيات الإدارة المدنية (نص اتفاق اوسلو على حلها في نهاية المرحلة الانتقالية) بزيادة عدد موظفيها، وفتح قنوات اتصال مباشر بينها وبين المجالس المحلية الفلسطينية (لأغراض خدمية، وتنظيمية)، بل وبين الإدارة المدنية والمواطنين الفلسطينيين الأفراد تحديدا فيما يرتبط بتصاريح العمل الذي ألغى عمليا الوظيفة الرئيسية لهيئات الارتباط.

خلاصة:
• ما يصرح به ويقوله سموتريتش هو السياسة العملية التي يتبناها نتنياهو ويطلق العنان لشركائه المتطرفين لتنفيذها، فالأمر أبعد من أن يكون رضوخا من قبل نتنياهو لشروط وابتزازات شريكيه المتطرفَيْن اللذين لولاهما لما تمكن من العودة لرئاسة الوزراء، فهو أقوى منهما، وله فضل عليهما في أنهما اصبحا وزيرين، وهو الأقدر على لجمهما، لكنهما يخدمانه بعدة طرق: فهما يساهمان في تعبئة الجمهور اليميني العريض واصطفافه خلف نتنياهو، ويساهمان في إظهار مواقف نتنياهو وكأنها مواقف وسطية تعبر عن التيار المركزي في إسرائيل، كما تفيده مواقفهما كبالونات اختبار يجري إطلاقها مسبقا، ثم التمهيد لتطبيقها، ليصبح تنفيذها أمرا متوقعا ومسلما به كواقع حال من كثيرين لاحقا .

•  برنامج توسيع صلاحيات الإدارة المدنية إذن هو برنامج لحسم الصراع وإبقاء الاحتلال كسقف نهائي لطموحات الفلسطينيين، وإحدى أدوات القضاء على فرص قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير