سامي مشعشع يكتب لوطن: من "بركات الطوفان": بعث لحق العودة ولقضية اللاجئين الفلسطيينين الوجودية.

17.06.2024 06:11 PM

أتريدون تصريحا بعيدا عن التمنيات والاستخارات؟! قبل نهاية العام الفائت كان قريبا من واقع الحال التصريح ان قضية اللاجئين الفلسطيينين، وحق العودة منها، قد شارفت على الاندثار من قاموسنا السياسي وخطابنا الديبلوماسي ومن فعلنا وربما كذلك عن وجداننا الجمعي. قد يقول البعض ان في هذا التصريح تحاملا وكثير التجني وانه وبالرغم من هجران البنيان السياسي الفلسطيني لهذا الملف المحوري فان جبهة الفعل الثقافي وفى حس ووجدان اللاجئين انفسهم فإن هذه القضية ما زالت حية وتنبض. قلبي يطاوع ويقول هذا صحيح وعقلي ينبهني الى واقع كان واضحا مع نهاية العام الماضي بأن القضية كانت على وشك النسيان والانتهاء.

لقد بهت الخطاب الفلسطيني المتعلق بملف اللاجئين والعودة ولسبب مباشر ومؤلم: قوانا السياسية وهياكلنا التنظيمية ودوائرنا ولجاننا الوطنية والشعبية والمجتمعية انكفأت ولم تعد فاعلة على الأرض دفاعا عن هذا الحق والتعريف به وتمتين أواصره وربطه ربطا محكما مع ملف القدس ومسار التحرير والاستقلال. فتراجعت قدراتنا الجمعية (فعلا وقولا) دفاعا عن قضايانا الوجودية واستبدلناها (وسمحنا للاخرين باستبدالها) بتصاريح عمل للعمال، واولوية رفع حاجز عسكري هنا او هناك من الأرض المقطعة الأوصال وانغمسنا في ملهاة تغليف حكما ذاتيا مشوها "بالمكياج" المناسب لنقدمه لأنفسنا كدولة واستقلال (وان منعت فيه من رفع علمك) وحرية مزيفة (تقرر مداها مجندة احتفلت بعيد ميلادها الثامن عشر على حاجز عسكري!).

مع توقيع اتفاقية أوسلو شرعت وكالة الغوث الدولية (الاونروا) وبتحفيز وتعليمات من كبار متبرعيها الغربيين ومن مهندسي اتفاقية أوسلو ومن الأمم المتحدة ذاتها، شرعت بتنفيذ خطتها الخمسية الانتقالية (للأعوام ١٩٩٥-٢٠٠٠) والتي قدمت كخطة تسليم – واستلام تبدأ من خلالها لجان عمل متخصصة (ممثلين عن كبار مسؤولي الاونروا والمؤسسة الام والسلطة الفلسطينية كجهة مستلمة وبرعاية دولة الكيان وامريكا ومن اصطف من الدول الأوروبية كدول الكورس) العمل على نقل ممنهج وانتقالي لخدمات الاونروا ومقراتها ومقدراتها وأصولها داخل فلسطين الى السلطة الفلسطينية وبرسم تحول السلطة ضمن ذات الاطار الزمني لدولة مستقلة! ولولا الرفض الإسرائيلي المبيت لفكرة دولة فلسطينية مستقلة لتمت خلال السنوات الخمسة هذه عملية نقل صلاحيات الاونروا ولتمت عملية "عودة رمزية لبعض من لاجئي فلسطين" من الرعيل الأول ولتمكنت دولة الكيان من شطب الاونروا وانهاء وجودها ووجود المخيمات في القدس وغزة والضفة الغربية ولاثبتت انها بالفعل سمحت "بعودة ما" لنفر من اللاجئين والنجاح (كتحصيل حاصل) من توطين من بقوا خارج فلسطين رشوة مالية للدول المضيفة او قصرا مترافقة مع تهجيرا للكفاءات لدول ثالثة تحتضنهم. أحيانا قصر نظر التخطيط الإسرائيلي وعنصريتهم العمياء تغلب تخطيطهم الاستراتيجي وتقفز عنه! لقد اعمتهم عنصريتهم حينها عن تلقف خطة الاونروا الانتقالية والخطيرة والتي خطط لها للإجهاز على حق العودة وملف اللاجئين.

اقتتالنا الداخلي عام ٢٠٠٦ وانقسامنا الكارثي والتطبيع المكشوف والمستور لعديد دولنا العربية وتقسيمنا لأوس وخزرج، لضفاوي وغزاوي و"عرب إسرائيل (هذا التعبير الوقح والقاسي)، والى لاجيء وغير لاجئ وابن البلد والفلسطيني ابن الشتات — كلها فعلت فعلها بنا وماسست انقسامنا او كادت. ومن ثم جاء الوحش الأكبر وغول الاستعمار الحديث الاخبث — جاء البنك الدولى وظله صندوق النقد الدولي وجاءت المساعدات الدولية (المدروسة والمسمومة والاشتراطية) وعرفتنا على "اكسير الحياة" — خذ قرضا لشقتك ولسيارتك وثلاجتك ولغرفة نومك واعمل ليل نهار سخرة لدفع الأقساط (واتشنشل بالديون بالعامية أي ان هذه الديون تصبح سلاسل تضيق حول رقبتك وتكسر ظهرك وتبعدك عن التفكير أبعد من تسديد الأقساط واللهث وراء قروض جديدة) وتظاهر بانك تعيش في بلدٍ حر "وتأقلم " مع جدار عازل وحاجز مانع وجيش رادع وان " الكف ما بناطح مخرز"!

وأمسيت لم تعد تسمع عن قضيتك وغاب الملف عن الخطاب وعن العمل المؤطر وتحولت القوى التي احتضنت هذا الحق بنفس ثوري الى قوى خدماتية راكدة، وغيبت الاونروا ومتبرعيها واخرين الحديث الفعال عن هذا الحق، والذى هو سبب وجودها، غيبته عن أدبياتها واستبدلته ببرنامج "تنفيذ السلام"  Peace Implementation Program واختفت كثير مؤسسات المجتمع المدني داخل وخارج فلسطين والفاعلة على هذا الملف ولم تعد هذه القضية الوجودية هاجس عملنا الديبلوماسي والقانوني والشعبي والسياسي، وكلما تراجعت منظمة التحرير خاصتنا فعلا وتاثيرا وحضورا تراجع معها هذا الملف وأصبحنا نشير اليه لرفع العتب وكلازمة انشائية لخطبنا العصماء ضمن اطار التمنى والبكاء على الأطلال.

وهنا جاءت احدى بركات الطوفان! لقد ارجع هذا الملف الحيوي ، ولو جزئيا ، للواجهة في أذهان أحرار العالم وبين صفوف الفلسطينيين وخصوصا الشباب منهم وكذلك لبعض القوى والمؤسسات الفلسطينية القاعدية. رجع الملف للواجهة بفعل تطورين متناقضين ولكنهما يصبان في مجرى البعث الجديد لهذا الملف. من ناحية دولة الكيان أرادت لحرب الإبادة على غزة لا ان تجهز فقط على المقاومة وإنما رأت فيها فرصتها التاريخية لاستدراك ما فشلت بتحقيقه بسبب عنصريتها مباشرة بعد أوسلو وعدم اقصاء هذا الملف والاونروا معه في حينه. ومنذ اندلاع حرب الإبادة شنت دولة الكيان (وما زالت) حربا هوجاء على الاونروا بهدف طردها من القدس وانهاء وجودها في غزة ويليها انهاء وجودها في الضفة الغربية وتحويلها لمؤسسة تنموية/توطينية للاجئين الفلسطينيين في دول الطوق ولتهجيرهم لدول ثالثة. الحرب على الاونروا الدائرة الان والتي تستهدف حق العودة أعادت ومن حيث لم يتوقع الكيات بث الحياة لهذا الملف (وشعار من "البحر الى النهر" يحمل في طياته وعيا بحتمية وقانونية حق العودة). ام من الناحية الأخرى فإن من بركات الطوفان انها رسخت بعقول الناس وخصوصا الشباب منهم والشباب الفلسطيني اللاجىء على وجه الخصوص ان الاحتلال والاقصاء والابعاد والاحتلال ليس قدرا سرمديا وان مطالبنا بالعودة والحرية والاستقلال ليست حلما وليست بمستحيلة.

ويفاجئك البعض بالسؤال: ما العمل؟ لا تحتاج لكثير تفكير ولإعادة اختراع الدولاب من جديد. لقد قمنا ومنذ عشرينات القرن الماضي بكل ما يلزم من خطط وبرامج وآليات مواجهة إبداعية للدفاع عن ارضنا، وعندما تكالب علينا البعض اجترحنا اطر وهياكل حافظت على وجودنا وأربكت خطط الآخرين. روح وجوهر قدراتنا على الصمود كان وسيظل دوما وحدتنا الداخلية. خطوات "ما العمل؟" موجودة ومجربة وإرهاصاتها تتجلى في غزة ميدانيا ولو باشكال موتورة نوعا ما.

القدس وقضية اللاجئين وحق العودة واستعادة الكرامة والحرية ماثلة أمامنا للتحقيق برسم وحدتنا.

هل نتعظ؟!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير