اليومان الخمسون والحادي والخمسون بعد المائتين لحرب الإبادة على غزة

زينب الغنيمي تكتب لوطن من غزة: لا محاكم تفصل، ولا أحكام تُنفّذ في ظلّ استمرار العدوان الصهيوني، بينما النساء يدفعن الثمن

17.06.2024 06:01 PM

اندفعت السيدة المتصلة بالقول "الحالة مبيّنة مطوّلة كثير يا أستاذة، وكل يوم بنقول بُكرة الله بيفرجها، بس لا في اتفاق ولا إشي، والمحاكم مسكّرة وما في شرطة، طيب لإيمتى؟" أدركت أن لها قضيةً في المحكمة ولم يصدر لها حكمٌ بسبب حرب الإبادة، أو أنّ لديها حكمٌ لم يُنفّذ. وبالفعل، تبيّن من شرحها أنّها على خلافٍ مع زوجها منذ أكثر من سنة سبقت العدوان الحالي، وهي أمٌّ حاضنة وأولادها معها، ثم بدأ العدوان واستمر، وكُلّما نزحت من مكانٍ لآخر ترتفع معه التكاليف المالية، وهي لا تعمل ولا تملك المال، وزوجها لا يدفع النفقة للأولاد، وكونها ما تزال متزوجةً ورقيًا، فهذا يمنع عنها التسجيل لتلقّي المساعدات بشكلٍ مُستقل. أمّا الزوج، فيتسلم كلّ ما يُخصّص له من مساعدات، ولكنه يعطيها لعائلته (والدته ووالده وباقي أفراد العائلة)، في حين يحرمها هي وأولادها من كُلّ ذلك، وبالطبع لا تُوجد الآن شرطةٌ تنفيذية تُلزم الزوج بدفع الاستحقاق الذي حكمت به المحكمة في السابق.

إنّ هذا العدوان، وكما يحدث في كُلّ حروب العالم وفي المجتمعات التي تُشبه مجتمعنا، كشف عن وجهين متناقضين؛ الأول إيجابي، من حيث حُسن التعامل والتعاضد بين الناس وتوطيد العلاقات الإنسانية، ولكن للأسف، كشف في المقابل عن الوجه الآخر السيء والقبيح في تلك العلاقات وخصوصًا العائلية. فبالرغم مما نحن فيه من رعبٍ واحتمال أنّ أيّ شخص في قطاع غزة قد يتبخّر في الهواء في أيّ ثانية ولا يكون له حتى قبرٌ يُدفن فيه، يبقى فقط قولٌ يتردّد هنا وهناك: إمّا "الله يرحمه كان معطاء" أو "الله يرحمه، ما بتجوز على الميت غير الرحمة، لكن الناس ارتاحت منه والله، خصوصًا عيلته، أخلاقه كانت سيئة".

والمؤسف أيضًا أنّ بعض الناس لا يتّعظون، بل ربما يعتقدون بأنّهم مُخلّدون، ونتجة خلافاتٍ تافهةٍ سابقًا يتصرّفون بأنانيةٍ شديدة وسوء المعاملة بحقّ أبنائهم أو أقاربهم من الدرجة الأولى سواء الآباء أو الأمهات أو الزوجات أو الأزواج، وكذلك العمات والخالات والجدات والأجداد، حتّى أن أحدهم سافر مع زوجته الثانية وأولاده منها هربًا من جحيم هذه الحرب، وترك أولاده من طليقته يحترقون مع والدتهم في هذا الجحيم بلا سؤالٍ عن الحال، وبلا مال، وبلا مكانٍ يلجأون إليه.

تصلنا يوميًا اتصالاتٌ وطلباتٌ، بالإضافة للرسائل عبر موقع المركز وصفحة الفيسبوك وصفحاتنا الشخصية، تتساءل فيها السيدات عن حقوقهنّ المختلفة خصوصًا على إثر استشهاد أزواجهن، ويشتكين من ظلم الحمو أو أخ الزوج أو الحماة لجهة أنّ الأرملة لا تستحق شيئًا، ومنهم من يُخرجونها من مكان الإقامة حتى لو كانت خيمة نزوح، وذلك للاستفراد بالمساعدات أو أيّة إعاناتٍ ماليةٍ لأُسر الشهداء وأبنائهم. تسأل إحدى السيدات "كيف باقدر أطلّع أوراق حصر إرث، أنا زوجي شهيد". وحين سألتها عددًا من الأسئلة لأعرف مكان الإقامة وعدد أولادها وبناتها وإن كان والد زوجها أو والدته ما زالوا أحياءً وغيرها من الأسئلة، أجابتني على كافة النقاط ثم قالت: "طيب هل المساعدة المالية لأبناء الشهيد تركة يتورثّها أهله؟" فأجبتها على الفور "بالطبع لا، المساعدة المقطوعة ليست معاشًا شهريًّا كي يستفيد منه الوالدين، لأنّها تبرع من أشخاص أو جهات محددة لإعانة أسرة الشهيد وأبنائه في ظلّ هذه الظروف الصعبة".

كذلك تتواصل معنا النساء اللواتي لديهنّ حقوقٌ ماليةٌ - نفقة زوجة، نفقة أولاد، مؤخّر الصداق أو عفش البيت، قيمة المصاغ الذهبي، وأيّة ديون أخرى - حيث لا يصل الكثير من النساء أيٌّ من هذه المبالغ بسبب رفض الأزواج أو الطليق أن يدفع رغم اقتدار البعض ماديًا. هكذا، وخصوصًا في حالة المرأة الحاضنة للأبناء، فإنها تكون في عوزٍ حقيقي لأنّها لا تملك ما يسدّ قوتهم، إضافةً إلى مشكلة أنّها لا تتلقى المساعدات، فوزارة التنمية لا تُسجل المرأة على أنّها ربة أسرة إلا إذا كانت مُطلقةً أو أرملة، بل إنّه على المطلقة حتى أن تُثبت إقامتها في سكنٍ منفرد عن عائلة والدها، مع إغفال أنّ هذا العدوان القاهر جعل الغرباء حتى يعيشون معًا في خيمةٍ أو في صفّ مدرسة أو في أحسن الأحوال، شقةٍ مستأجرة.

تتعامل لجان المساعدات التابعة للمساجد أو مدارس منطقة السكن بنفس الآلية مع النساء، حتى أنّهم لا يلتفتون لتقديم المعونة المقرّرة للنساء الوحيدات برغم كِبر سنّهن، وتكون الإجابة فورًا: "الدور للعائلات حسب عدد أفراد الأسرة"، وهذا ما رد علي به المسؤول عن المساعدات في منطقتنا، علمًا بأن الدور لا يأتي لتلك النساء أبدًا.

تنشأ الخلافات والضغوطات النفسية في أماكن النزوح يوميًا أيضًا بسبب نقص المال ونقص المواد الأساسية مثل الطعام والشراب وغيرها، إضافةً للاكتظاظ الشديد في المكان سواء داخل الخيمة أو المدرسة أو الشقق. وقد ولّد كل ذلك مشكلاتٍ حقيقيةٍ في العلاقات بين أفراد العائلة أو مع جيرانهم، ولا نتصوّر أن هذا سوف ينتهي ببساطة بانتهاء العدوان، لأنّ الأصل في العلاقات التعاضد والتماسك في ظروف الحرب كما هي في وقت السلم، وفي كُلّ الأحوال تدفع النساء دائمًا الثمن باهظًا بسبب التمييز الواقع عليهن سواءً في الأعراف والعادات أو في القوانين التي لا يُوجد من يُنفّذها حتى.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير