جذوري العميقة

22.05.2024 10:52 PM

كتبت شدا ابراهيم مصطفى:

مع غروب الشمس فوق تلال طولكرم، تلقي الشمس وهجها الذهبي على المدينة، جلست شدا بجوار نافذتها، وهي تحدق في الأفق. انتقلت أفكارها إلى حيفا، المكان الذي كان والداها يتحدثان عنه كثيراً بحب وشوق. حيفا، بمياهها اللازوردية وشوارعها المزدحمة، حملت قصص أجدادها، قصص تردد صداها في أحلامها.

كانت أيام شدا مليئة بمزيج من الألفة والشوق. التحقت بالمدرسة باجتهاد، متفوقة في دراستها بشغف للتعلم كان واضحاً للجميع. ومع ذلك، وسط النقاشات في الفصل الدراسي والضحك مع الأصدقاء، كان هناك ألم هادئ في قلبها - شوق إلى مكان لم تعرفه حقاً من قبل ولكنها شعرت بارتباط عميق به.
وفي إحدى الأمسيات، وبينما كانت تجلس تحت شجرة الزيتون القديمة في فناء منزل عائلتها، انضم إليها جدها جودت. التقت عيناه المليئة بالحكمة والحب بنظرة تعرف ما يجول في خطارها. "أنت تفكرين في حيفا، أليس كذلك يا عزيزتي؟" قال بهدوء.
أومأت شدا برأسها، غير قادرة على إخفاء الشوق في عينيها. "أشعر أن هناك جزءاً مني ينتمي إلى ذلك المكان يا جدي. إنها مثل قطعة أحجية مفقودة من حياتي."
ابتسم جودت، وصوته يحمل ثقل الأجيال الماضية. "وطننا ليس مجرد مكان على الخريطة يا شدا. إنه صدى خطى أجدادنا وأغاني أمهاتنا وأحلام أطفالنا. إنه يعيش فينا أينما كنا".
بقيت هذه الكلمات في ذهن شدا، وشكلت وجهة نظرها أثناء تعاملها مع تعقيدات الحياة. صبّت شوقها في دراستها، وانغمست في الكتب التي تتحدث عن التاريخ والثقافة والروح الإنسانية. ومع كل صفحة تقلبها، كانت تشعر بأنها أقرب إلى فهم جذورها وتراثها ومعنى الانتماء.
ومع مرور الوقت، نمت لطموحات شدا أجنحة. كانت تحلم بمستقبل تتمكن فيه من سد الفجوة بين منزلها المؤقت ووطنها الحقيقي، حيث يمكنها ليس فقط شفاء الجروح الجسدية ولكن أيضاً آلام النزوح في قلوب تتوق إلى الانتماء.
وبعد سنوات، وكامرأة شابة تسعى لتحقيق حلمها في أن تصبح أخصائية نفسية، وقفت شدا على شواطئ حيفا للمرة الأولى. كان النسيم المالح يحمل همسات قصص لم تُروى، عن الصمود والأمل. في تلك اللحظة أدركت أن وطنها ليس مجرد مكان؛ كانت رحلة القلب، نسيجاً منسوجاً بخيوط الحب والفقد والشوق.
وهكذا أصبحت قصة شدا شاهداً على قوة الشوق، وقوة الهوية، وصمود الروح الإنسانية بحثاً عن وطن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير