قالها

24.04.2024 08:19 PM

كتب نبيل المصري: 

ليس غريب ما صدر عن مندوب الكيان الصهيوني لاتحاد البرلمانات الأوروبية الصهيوني (بأن أهل غزة حيوانات)، عنصرية تقطر من منبعها في التعاطي مع الأحداث بدون أدنى خجل أو احترام للمنبر الديمقراطي، وبوقاحة لا مثيل لها، تعبر عن فاشيته. إنه الموقف الرسمي للسياسة الصهيونية، وجزء من الإيديولوجية المتجذرة. إنه مما لا شك فيه أنه استعمار استيطاني عنصري إجلائي، لا يتعايش مع العملية السلمية، وأكبر شهد ودليل عليه القرارات الدولية، إلى اتفاقية أوسلو وما تمخض عنها. جزيرة منفصلة عن العالم، لا حدود لها، بل ليست جزيرة أرخبيل، أو كما قال السياسيون "كانتونات متقطعة الأوصال"، تتخللها الطرق الالتفافية والمستوطنات. إنه أمر بديهي: القوي يفرض شروطه على الضعيف، حيث عُقِد مؤتمر مدريد في العاصمة الإسبانية، وجاء أوسلو في عام 1993 وكانت أبرز بنوده الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والغاء معظم بنود الميثاق الوطني، وإعلان مبادئ الانسحاب التدريجي من غزة وأريحا أولاً لثلاثين عاماً ونصف، والمفاوضات عاماً بعد عام 1994 ببروتوكول باريس إلى وايف ريفر الأولى والثانية. وتم الاتفاق على تقسيم ما تبقى من أرض فلسطين إلى منطقة (أ) تخضع أمنياً وإدارياً للسلطة الفلسطينية، والمنطقة (ب) إدارياً للسلطة الفلسطينية وأمنياً لإسرائيل، والمنطقة (ج) تخضع أمنياً وإدارياً لإسرائيل. المساحة الأوسع تعادل 62% من مساحة الضفة الغربية، والجدير بالذكر أن 99% منها لا يسمح باستخدامها، وبذلك يسيطر المستوطنون على 40% من المساحة الإجمالية. وتجتاح الضفة الغربية عدداً من الشوارع والطرق الالتفافية لخدمة المستوطنين لربط المستوطنات. القرارات العسكرية تمنع المواطنين من استعمال الأراضي التي تمر بها الشوارع الالتفافية على عمق 150 متراً من جانبي الطريق المعابر، وخاصة معبر رفح بوجود دولي. والكيان يعمل على الأرض بعيداً عن الاتفاقيات، توغل استيطاني، صادرة أراضي، اغتيالات، مداهمات، واعتقالات. من المعلوم أن التقسيم الإداري في الضفة الغربية يشمل إحدى عشرة محافظة في الضفة الغربية وخمس محافظات في غزة، والتي لا ترتبط بالضفة الغربية إلا من خلال بوابة إيرز وكرم أبو سالم، وتتم الإشراف عليها من قبل القوات الصهيونية. الأراضي وتقسيماتها تشكل المنطقة (أ) 3% حتى عام 1999، حيث أصبحت الضفة الغربية تشكل فقط 21% من الأراضي التي احتلت عام 1967، علمًا أنها نهبت مساحة تبلغ 196000 دونم للشوارع الالتفافية التي تربط المستوطنات. كما أن جوانب الطرق التي يمنع استخدامها بموجب الأوامر الإدارية تعادل 98000 دونم، بذلك نهبوا 1864 كيلومتر مربع ما يعادل 33% من مجموع مساحة الضفة الغربية.

في عام 2002 تم اجتياح الضفة الغربية في عملية عسكرية لا مثيل لها، حيث أسفر عن اقتحام جنين واستشهاد (58) شهيداً وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، بينما تقول السلطة إن عدد الشهداء تجاوز 500 شهيد. وقعت هذه الأحداث بعد اندلاع انتفاضة الأقصى التي جاءت رداً على اقتحام أرييل شارون وزمرته للمسجد الأقصى، بهدف التنصل من الاتفاقيات والاستيلاء على المزيد من الأراضي، وقتل وتهجير المواطنين. باشر المحتلون بناء جدار الفصل العنصري، الذي يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار وطوله 770 كيلومتر، لعزل أراضي الضفة الغربية عن الخط الأخضر، بهدف مصادرة المزيد من الأراضي وعزل الضفة الغربية وحصارها بذرائع أمنية، والسيطرة التامة على القدس وضمها إلى الجانب الصهيوني، وحرمان المسلمين والمسيحيين من أداء شعائرهم الدينية والسيطرة على المسجد الأقصى وتحقيق أحلامهم في بناء الهيكل المزعوم. كما قاموا بعزل العديد من القرى، ففي قلقيلية وحدها تم عزل حوالي 15 قرية ونهب أراضيها، حيث عزلوا 20 ألف دونم، معظمها خصبة، وعزلوا ثلاثين بئراً ارتوازياً في محافظتي طولكرم وقلقيلية، حيث تقعان على حوض مائي يحتوي على 52% من مياه الضفة الغربية، وفقدت الضفة نسبة 18% من حصتها المائية. دمروا ما يقارب 35 ألف متر من شبكات الري، وجرفوا 10 آلاف دونم زراعي، واقتلعوا 83 ألف شجرة زيتون معمرة. ولم يسلم قطاع غزة، حيث تم عزله بجدار حديدي يحيط به، وبذلك فإن مليوناً ونصف المليون مواطن يعيشون في سجن كبير يمتد إلى 65 كيلومتراً من الحدود المصرية، بالإضافة إلى الطرق الرملية والمعبدة والخنادق والأبراج التي عزلت القطاع بشكل نهائي عن العالم. وبعد حرب عام 1967، أصدر الاحتلال الإسرائيلي أوامره العسكرية بالسيطرة على مصادر المياه، حيث استولى على ثلاثة عشر بئراً، وفي عام 1982، سلم الجيش الإسرائيلي مسؤولية المياه للشركة الصهيونية "ماكاروت" التي تمد المستوطنات وتبيع الباقي للفلسطينيين، معتبراً المياه جزءاً من المرحلة النهائية. لم تسلم أرض القرى الأخرى، فقد سيطر المستوطنون على أراضي بورين وعراق بورين، واقتلعوا وحرقوا أشجارها، وصادروا مساحات شاسعة من أراضي بيتا ويطا، كما رحلوا بدو النقب والخان الأحمر وصادروا ثمانية آلاف دونم بالغور. ولم يتوقفوا عند هذا الحد، بل أقاموا معابر داخل المدينة، ضمن تسيمة جديدة عرفت (H1) و(H2). ولا يخفى أن المخططات الهيكلية للعديد من المدن والقرى الفلسطينية قبل الاحتلال كانت أوسع وأكبر من المخطط الحالي، وقد أقاموا ما يقارب 700 حاجز بين المدن والقرى للتحكم بمداخلها وتسهيل عملية محاصرتها، وذلك بعد الزيادة السريعة في أعداد المستوطنين والمستوطنات، حيث ارتفع عدد المستوطنين إلى 700 ألف مستوطن، حيث يقيم 450000 مستوطن بالضفة وما يعادل 250000 يعيشون بالقدس وضواحيها، حيث أصبح عدد المستوطنات 176 مستوطنة و186 بؤرة استيطانية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شمل الأمر العمليات العسكرية والاجتياحات والقتل والدمار والاغتيالات، علماً بأنهم قالوا بأن قراري مجلس الأمن رقم (242) و (338) هما مرجعية لعملية السلام والقاضي بانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل الرابع من حزيران لعام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية، كما نص القرار (194) على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وهو حق قانوني وسياسي وليس مجرد حق إنساني وأخلاقي، ويشمل حق التعويض. إنه الوقت المناسب لأن نقف أمام أنفسنا وواجبنا بطريقة علمية وموضوعية، ونقوم بمراجعة نقدية لاتفاقية السلام ومؤتمر أوسلو ونتائجه وملحقاته.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير