التعطيش.. سلاح آخر تلجأ إليه إسرائيل لقتل الفلسطينيين في قطاع غزة

19.04.2024 09:27 PM

وطن- فراس الطويل

لم يستثن عدوان إسرائيل على قطاع غزة أي انتهاك للقانون الإنساني، فإلى جانب التجويع جعلت من التعطيش أسلوبا آخر للضغط على الفلسطينيين. وفي الوقت الذي احتفل فيه العالم، باليوم العالمي للمياه (22 آذار/مارس) تحت شعار "المياه من أجل السلام"، تستخدم إسرائيل سياسة التعطيش سلاحاً لقتل الفلسطينيين في قطاع غزة.

فمنذ اليوم الأول للحرب المستمرة على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، قطعت إسرائيل إمدادات شركة المياه الإسرائيلية "ميكروت" عن قطاع غزة، وعمدت بشكل ممنهج إلى تدمير البنية التحتية ومصادر المياه المحلية من آبار ومحطات تحلية، وتحديد مدة تشغيل الآبار وفقاً لتوفّر مادة الوقود.
وتُواجه غزة أزمة عطش كبيرة، إذ انخفضت نسبة المياه المتاحة لتصل إلى 10-20% مما كانت عليه قبل العدوان في محافظات الوسط والجنوب، فيما تعتبر شبه منعدمة في محافظات شمال القطاع.

ودمّر الاحتلال أكثر من نصف آبار المياه المحلية (40 بئراً من أصل 76 تقريباً)، و9 خزّانات للمياه بشكل كلي وجزئي، و42 ألف متر من شبكات المياه.
وبات حصول الغزيين على المياه مهمة شاقّة، بعدما تقلّصت حصة الفرد من المياه إلى لترين فقط يومياً، من أصل 90 لتراً قبل اندلاع الحرب.

ضخ المياه.. مهمة مستحيلة

تعاني بلديات القطاع تحديات كبيرة لضخ المياه من الآبار الجوفية إلى المنازل بسبب نفاد الوقود واستهداف إسرائيل لمرافق المياه، وفق منسق اتحاد بلديات قطاع غزة حسني مهنا.

ويقول مهنا في تصريحات صحفية، إن "إسرائيل تتعمد ضمن حربها المدمرة ممارسة سياسة تجويع وتعطيش الفلسطينيين في مختلف أنحاء القطاع ولا سيما شمال غزة".

ويشير إلى تقلص حصة الشخص الواحد من المياه شمال غزة إلى لترين يومياً بدلاً من 90 لتراً قبل الحرب الإسرائيلية، ما يفاقم معاناة المواطنين ولا سيما في شهر رمضان ومع ارتفاع درجات الحرارة.
ويحذر مهنا من تسارع أزمة الجوع والعطش في قطاع غزة، معربا عن تخوفه من ازدياد عدد الفلسطينيين الذين ستحصد هذه الأزمة أرواحهم.

طوابير طويلة

ويتزاحم المواطنون في طوابير طويلة، على أماكن تعبئة المياه المالحة ومحطات التحلية التي لا تزال تعمل بالحد الأدنى، لتعبئة "غالونات" بلاستيكية بالكاد تفي باحتياجاتهم اليومية.

بدوره، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن الآبار البلدية في قطاع غزة وصلت حاليا إلى عُشر طاقتها الإنتاجية قبل تصاعد الأعمال العدائية. كما حذر من أن تراكم النفايات قد يؤدي إلى ظهور تهديدات صحية وبيئية خطيرة.

وقال المكتب إن الطاقة الإنتاجية للآبار صارت نحو 21 ألف متر مكعب يومياً، بعد أن كانت 255 ألف متر مكعب في اليوم قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وأوضح أنه من المتعارف عليه أن مياه الآبار تلك هي دون المستوى المطلوب، نظراً لأنها شديدة الملوحة.

وأشار إلى أن "المياه القادمة من الخطوط التي تديرها إسرائيل كانت أفضل مصدر لمياه الشرب الآمنة قبل الحرب، لكن في الوقت الحاضر، واحد فقط من الخطوط الثلاثة -وهو خط مياه وصلة بني سعيد- يعمل وينتج أقل من نصف ما كان متاحا من قبل عندما كانت جميع الخطوط الثلاثة تعمل".
وأشار المكتب إلى أن توفر المياه من خلال محطات تحلية المياه قصيرة المدى يبلغ حاليا 7% فقط من طاقتها قبل الحرب. وأفاد العاملون في المجال الإنساني بأنه نظرا للقيود المفروضة على استيراد المواد الحيوية، فإن أدوات اختبار المياه والكلور لمعالجتها في جميع أنحاء غزة غير متوفرة.

تراكم النفايات وقلة المراحيض

ونبه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن تراكم النفايات الصلبة والبرازية، والذي تفاقم بسبب الأمطار والفيضانات، يؤدي أيضا إلى ظهور تهديدات صحية وبيئية خطيرة. وأبلغت منظمة الصحة العالمية بالفعل عن 152 ألف حالة إسهال، وأن أكثر من نصف هذه الحالات لأطفال دون سن الخامسة. كما أن عدم القدرة على معالجة المياه بالكلور لقتل البكتيريا "يؤدي إلى تفاقم الوضع المثير للقلق بالفعل".

وقالت منظمة الصحة العالمية إن 500 شخص في المتوسط يتشاركون في مرحاض واحد، وبعض مراكز الإيواء لا تحتوي على أي مرحاض. ويضطر أكثر من 2000 شخص في بعض الأحيان إلى استخدام مكان استحمام واحد. وأجبر نقص المراحيض وخدمات الصرف الصحي الناس على اللجوء إلى التغوط في الخلاء، ما زاد المخاوف من تفشي الأمراض، وفقا لما ورد في حديث مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.

تعطل أنشطة التطعيم وتشخيص الأمراض

اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي يؤدي إلى معاناة نحو 70% من سكان القطاع، من انتشار الأمراض المنقولة بالمياه الملوّثة، ومنها الكوليرا والإسهال المزمن والأمراض المعوية.

وفي هذا السياق، ذكر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن تعطل أنشطة التطعيم الروتينية، فضلا عن نقص الأدوية اللازمة لعلاج الأمراض المعدية، يؤدي إلى زيادة خطر انتشار المرض. وأضاف أنه قد لا يتم تشخيص العديد من الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى المرافق الصحية، ما يشير إلى أن الوضع قد يكون أكثر خطورة مما يمكن رصده.

وأشار كذلك إلى أن أنظمة المراقبة الروتينية لا تعمل حاليا، ما يعيق الكشف والتحليل والاستجابة الفعالة لتهديدات الصحة العامة. وتعمل منظمة الصحة العالمية، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونروا)، ووزارة الصحة في غزة، على توسيع نطاق نظام مرن لمراقبة الأمراض في الملاجئ والمرافق الصحية.

تأثير القيود على عمليات الإغاثة

وقال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إن القيود الإسرائيلية المفروضة على استيراد المعدات الحيوية بما في ذلك أجهزة الاتصالات، تؤثر بشدة على عمليات الإغاثة الآمنة والفعالة في أي مكان في غزة. وأكد أن الأمم المتحدة وشركاءها يحاولون زيادة عمليات تسليم المساعدات الإنسانية، لكن منع الوصول من قبل جيش الاحتلال يعوق توسيع نطاق هذه المساعدات.
ووفقا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، فإن 7 مهمات فقط من أصل 29 كان مخططا لها خلال أول أسبوعين من شهر كانون ثاني/يناير، اكتملت بشكل كامل أو حتى جزئي.

ماذا تقول سلطة المياه؟

أشار رئيس سلطة المياه مازن غنيم إلى أن الوضع المائي الكارثي يتطلب تحركات عاجلة في ظل تفاقم حالات الجفاف والمجاعة والموت المترتبة عليه، وارتفاع معدلات الأمراض والأوبئة الخطيرة جراء اضطرار المواطنين إلى شرب مياه مالحة وملوثة، ونتيجة لتسرب المياه العادمة وتدفقها في التجمعات المأهولة ومراكز إيواء النازحين بسبب انعدام خدمات الصرف الصحي.

وفي بيان صدر عن سلطة المياه بمناسبة "يوم المياه العالمي"، لفت غنيم إلى أن قطاع المياه والصرف الصحي تأثر بشكل كبير بسبب قطع إمدادات المياه على جميع نقاط التزوّد في بداية العدوان وفقاً لقرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وحتى بعد استئناف إمدادات المياه في نقطتي الوسط والجنوب فإن الاستهداف الإسرائيلي المتكرر للبنية التحتية أدى إلى وقف التزوّد بالمياه من هاتين النقطتين، ما دفع  طواقم سلطة المياه  لبذل جهود مضنية في مواصلة الإصلاحات الضرورية تحت القصف ورغم قلة الإمكانيات المتاحة، للاستفادة من هذه النقاط في ظل الشح المائي الصعب في غزة.

وقال غنيم إن جهود سلطة المياه منصبة اليوم لتوفير الوقود اللازم لتشغيل المرافق المائية، خصوصاً محطتي التحلية في الوسط والجنوب، واللتين توفران حالياً ما مجمله 10% فقط من قدرتهما الإنتاجية ما قبل العدوان نتيجة محدودية كميات الوقود، بينما لا تزال محطة تحلية الشمال متوقفة عن العمل تماما.
وأضاف أن طواقم سلطة المياه تواصل السعي لتوفير الوقود لتشغيل ما أمكن من الآبار المائية، خصوصاً للتجمعات الأكثر معاناة من حيث عدم توفر المياه في مدينة غزة وشمالها.

وذكر غنيم أن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية للمياه نتيجة القصف والاستهداف المباشر وغير المباشر، أدّت إلى تعطل وتوقف أنظمة المياه والصرف الصحي والتي يصعب تقييمها في هذه المرحلة جراء تواصل التراكم الهائل للركام وأنقاض المباني والمنشآت.

تهديد مقومات الحياة

حذر مركز الميزان لحقوق الإنسان من خطورة الأوضاع المائية في الأراضي الفلسطينية، والتي وصلت إلى تهديد مقومات الحياة في قطاع غزة، واستمرار ممارسات سلطات الاحتلال وانتهاكاتها المتواصلة لحقوق السكان المائية وجملة حقوق الإنسان التي تنتهك بشكل مباشر وغير مباشر، ولاسيما الحصار المفروض على قطاع غزة للعام الثاني عشر على التوالي.

وطالب المركز في بيان، المجتمع الدولي والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة بتحمل واجباتها، وإلزام قوات الاحتلال بمسؤولياتها تجاه السكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة وضمان تمتعهم بحقوقهم المائية، وضرورة تزويد قطاع غزة بالمياه الصالحة للشرب، وتزويد قطاع غزة بكميات أكبر من التيار الكهربائي لضمان استمرار عمل مضخات المياه والصرف الصحي والمشاريع ذات العلاقة، وضمان إدخال المعدات وقطع الغيار الخاصة بمشاريع تنمية المياه. كما يشدد مركز الميزان على ضرورة النأي بقضايا المياه والبيئة عن الصراع السياسي سواء مع سلطات الاحتلال أو بين الأطراف الفلسطينية نفسها.

كما ناشد مركز الميزان الدول المانحة بدعم المشاريع الاستراتيجية المتعلقة بالمياه، وتعزيز التعاون والدعم المقدم لمشاريع المياه والصرف وصحة البيئة، ودعا الحكومة الفلسطينية إلى وضع قضايا المياه على سلم أولوياتها.

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية

تصميم وتطوير