انقسام في "إسرائيل": لماذا لا تسقط الحكومة؟

23.03.2024 11:56 PM

وطن: منذ السابع من أكتوبر، لم يتوقف المحللون والخبراء في الشأن الإسرائيلي عن الحديث عن اقتراب انشقاق الطبقة السياسية في «إسرائيل» تحت ضغط الشارع أو على وقع الخلافات بين قادتها حول إدارة الحرب، أو تراشق المسؤولية عن الفشل العسكري والأمني يوم طوفان الأقصى، خاصة بالنظر إلى أن العام السابق شهد تصاعدًا غير مسبوق في الانقسام الداخلي الإسرائيلي على كل المستويات.

لكن، رغم مرور أكثر من خمسة شهور على الحرب، ما زالت استطلاعات الرأي تظهر إجماعًا إسرائيليًا عليها، سواء في الشارع أو بين من يديرونها. لم تنشق النخبة السياسية، ولم يستطع أهالي الأسرى الإسرائيليين إجبار حكومتهم على منح تبادل الأسرى أولوية على استمرار العدوان، ولم تُسقط المظاهرات نتنياهو. ومجددًا، وعلى إثر تزايد حدة الخلافات السياسية بين غانتس ونتنياهو بعد زيارة الأول للولايات المتحدة الأمريكية، الراغبة بتلميع صورته كبديل مستقبلي لنتنياهو، وتصاعد الخلافات حول مسألة تجنيد «الحريديم» في الجيش الإسرائيلي، عادت التحليلات المتفائلة باقتراب انشقاق مجلس الحرب أو سقوط حكومة نتنياهو.

فلماذا لم يحدث هذا الانشقاق حتى الآن؟ ولماذا ظلت الاحتجاجات في «إسرائيل» عاجزة عن إحداث اختراق في القرار السياسي؟ ومن أين ينبع الإجماع الإسرائيلي على استمرار الحرب رغم اختلاف المصالح الفئوية والشخصية؟ وما الذي مكّن نتنياهو من إدارة الخلافات والأزمات الداخلية بشكل يضمن بقاءه؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيبنا عليها الأستاذ في الدراسات الشرق أوسطية في جامعة حيفا، والخبير في الشؤون الإسرائيلية، محمود يزبك.

منذ بداية الحرب على غزة، عوّل كثير من المراقبين والمحللين في الشأن الإسرائيلي على مسألة «انشقاق الجبهة الداخلية» في «إسرائيل»، وأن الشارع الإسرائيلي سيتحرك معززًا الخلافات في الجسم السياسي لينتج انقسامًا حادًا في الحكومة قد يؤدي إلى تفككها أو إسقاطها. لكن يبدو أن مثل هذه التحليلات أعطت الخلافات الإسرائيلية الداخلية قيمة أكبر مما هي عليه في الواقع. فأين الخلل؟ هل استُخدمت أدوات ما قبل 7 أكتوبر لفهم «إسرائيل» اليوم؟

محمود يزبك: الاحتجاجات التي وقعت في «إسرائيل» قبل 7 أكتوبر كانت بسبب التغييرات في النظام القضائي، ورغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالالتفاف عليه وإضعاف المحكمة العليا خصوصًا وتفريغها من صلاحياتها، ليحصل على حبل نجاة يتجنب من خلاله المحاكمة. لذا خرجت أعداد كبيرة من المتظاهرين مدعومين من معارضي نتنياهو في الداخل والخارج؛ يهود أمريكا تحديدًا والذين كان لهم دور كبير جدًا في الدعم المادي للمتظاهرين. والمهم أن قوة الطيران الحربي انضمت للاحتجاجات، ما جعل المنظومة العسكرية عمومًا تحتج على موقف نتنياهو من القضاء.

جاء 7 أكتوبر، وظنّ بعض المحللين أن حالة الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي قد تستمر، لكن ما حدث هو العكس، اتّحد المجتمع اليهودي بكل أطيافه وحدة كاملة بما في ذلك الطيارون وبقية العسكر، ورفعوا جميعًا شعار «معًا ننتصر». قبل أسبوع فقط كان مئات الآلاف في الشارع يشكلون ضغطًا كبيرًا، وبعد 7 أكتوبر حصل ما أسميه «الفزعة»، فكيف نفسر ذلك؟ أنا كمراقب من خارج المجتمع الإسرائيلي، أي كفلسطيني في الداخل، أنظر إلى الوراء في التاريخ الإسرائيلي، وإلى كيفية تصرف المجتمع الإسرائيلي في حالات الخطر. شهد يوم 7 أكتوبر حالة فوضى عارمة في «إسرائيل»، حتى على مستوى القيادات السياسية والعسكرية، وبعد يومين بدأ يتضح الحدث أكثر للشارع الإسرائيلي، خصوصًا مع وصول المعلومات عن عدد القتلى الإسرائيليين في المستوطنات المحيطة بغزة، وهو ما كان بالنسبة للإسرائيليين أمرًا رهيبًا وغير متوقع الحدوث، كما أنه غير مسبوق في تاريخ إسرائيل.

الأهم من ذلك هو ضرب المستوطنات، هذه الفكرة الاستراتيجية العسكرية الصهيونية التي أرادت للمستوطن أن يقيم على الحدود الجديدة لـ«إسرائيل» في محيط عربي، وهو كجسم غريب في جسم آخر متشابك دائمًا ما يشعر بالتهديد، فكان لا بد من حماية المستوطنين بالجدران وأبراج المراقبة. وكان الهدف من إقامة هذه المستوطنات الحدودية حماية الدولة، فالمستوطن على الحدود، سواء على حدود غزة أو لبنان أو الأردن، لا يحمي الحدود فحسب، إنما يحمي كذلك سكان الداخل الإسرائيلي من العدو الخارجي المحيط بهم. هذه الاستراتيجية سقطت سقوطًا هائلًا يوم 7 أكتوبر، وبدل أن تحمي مستوطنات غلاف غزة الحدود والداخل، أصبحت عبئًا على الداخل والجيش والدولة كلها، وأُفرغت من المستوطنين دون أن يقتصر الأمر على المستوطنات الصغيرة بل شمل أيضًا مدنًا مثل سديروت التي بلغ سكانها حوالي 30 ألفًا، وهو ما ينسحب كذلك على مستوطنات الشمال عند جنوبي لبنان، حيث أُفرغت مباشرة، وصار يُطلق على سكانها لقب «لاجئي الداخل». تفريغ المستوطنات هذا أمر بالغ الأهمية لم يحدث سابقًا في تاريخ «إسرائيل» وحروبها منذ عام 1948. لقد شكل تفريغ المستوطنات صدمة حقيقية للمجتمع الإسرائيلي، أثّر على ثقتهم بأنفسهم ودولتهم وأصابهم بخوف حقيقي خصوصًا مع العدد الكبير من القتلى الإسرائيليين.

يضاف إلى ما سبق، ما أسميه عُقدة حرب 1967. عادة ما تخوض «إسرائيل» حروبًا قصيرة تسوّقها القيادات الإسرائيلية على أنها انتصارات واضحة بغض النظر عن نتائجها الحقيقية، وقد خلقت حرب 1967 لدى الإسرائيليين، على اعتبار أنهم انتصروا على كل الدول العربية المحيطة في ستة أيام واحتلوا الجولان وسيناء والضفة الغربية، خلق هذا لديهم شعورًا بالتفوق على الآخرين في المحيط، ولا يقتصر هذا التفوق في نظر المجتمع الإسرائيلي على القوة العسكرية فحسب، إنما يمتد إلى القوة العلمية والثقافية وغيرها. يوم 7 أكتوبر ضُربت هذه الفوقية في لحظة واحدة وبصورة مفاجئة، خصوصًا مع استمرار الحرب لأشهر.

لكن، منذ 1948 كانت الأحداث الأمنية الكبيرة والأخطار الخارجية تجعل المجتمع الإسرائيلي يتماسك، حتى لو كان مشرذمًا أو يخوض صراعات داخلية. وعندما راقب المحللون والمراقبون الحالة الإسرائيلية، خصوصًا في الأسابيع الأولى، نظروا إليها بأدوات ما قبل 7 أكتوبر، وغاب عن بعضهم الظرف الجديد؛ أي الظرف التهديدي، وهو ما حدد سلوكيات المجتمع الإسرائيلي المتيقظ دومًا لفكرة أن اتحاد العدو الخارجي يعني النهاية بالنسبة لهم، لذلك كان الشعار الذكي الذي وضعوه: «معًا ننتصر».

بعد أشهر من الحرب، شهد الشارع الإسرائيلي احتجاجات محدودة، دون أن تطالب -على أية حالٍ- بوقف الحرب، كيف تطوّرت هذه الاحتجاجات؟ وما قراءتك لها؟

مع انتهاء الشهر الأول من الحرب، بدأت تثار بعض الأسئلة حول الحرب وأهدافها، قبل ذلك لم يخرج أحد، خصوصًا مع حالة الخوف والضعف التي شعر بها المجتمع الإسرائيلي، وهو ما استغله نتنياهو لإحكام السيطرة بعدما خرج ضده مئات الآلاف في الشوارع قبل السابع من أكتوبر، وقدّم نفسه كمنقذٍ للدولة والسكان. بعد انقضاء الشهر الأول تغيّرت الحالة قليلًا وبدأنا نسمع بعض الانتقادات وإن كان بأصوات خافتة. وقد استمرت هذه الحالة لثلاثة أشهر تقريبًا، أي لحين الانتهاء من صفقة تبادل الأسرى السابقة، والتي أتاحت لقسمٍ من المجتمع؛ أي بعض الكتّاب والمراقبين الإسرائيليين، باستعادة أنفاسهم ورفع أصواتهم المنتقدة للسياسة العسكرية الإسرائيلية. بعد الشهر الثالث عمليًا نزلت بعض حركات الاحتجاج إلى الشارع، ولكنها قليلة وبأعداد محدودة، وقد تستّرت هذه الحركات بعائلات الأسرى الإسرائيليين، تحديدًا الأحزاب الصهيونية اليسارية مستغلة عدم تقدم المفاوضات على الأسرى، وطول مدة الحرب، وغياب إمكانية الوصول إلى نتيجة.

كما بدأت في الفترة نفسها تعلو أصوات بعض الجنرالات المشككين بإمكانية تحرير الأسرى ضمن المنوال الحربي حينها، خصوصًا مع غياب المعلومات عن الأنفاق وما شابه، وكان أبرز القائلين بعدم إمكانية تحرير الأسرى بهذه الطريقة رئيس أركان الجيش السابق وعضو حكومة الطوارئ حاليًا، غادي آيزنكوت. مع الشهر الرابع، وإلى جانب احتجاجات أهالي الأسرى، بدأنا نرى احتجاجات أخرى ضد نتنياهو، وما يسمى بحركة «الانتخابات الآن»، وهي احتجاجات ممولة من يهود أمريكا الأثرياء أو الأغنياء الجدد في «إسرائيل»، أي العاملين في القطاع التكنولوجي تحديدًا. هكذا صار هناك مسرحان للاحتجاج في تل أبيب، الأول لأهالي الأسرى مقابل وزارة الحرب الإسرائيلية، والثاني للحركات السياسية المعارضة لنتنياهو في شارع كابلان الذي كانت تقام فيه الاحتجاجات ضده قبل 7 أكتوبر، أي كان هناك محاولة لإعادة إنتاج المشهد كما كان، لكن تراوحت تقديرات الأسبوع الأخير لعدد المحتجين في كابلان بين 30-50 ألف متظاهر، أي أنها أعداد محدودة قياسًا بمستويات الاحتجاج قبل الحرب حيث كانت تصل إلى مئات الآلاف.

ترفع المظاهرات في كابلان شعارات إسقاط نتنياهو، واتهامه بالفشل، ووجوب تقديمه للتحقيق. وبعد الانتهاء منها يتجه المتظاهرون للانضمام إلى عائلات الأسرى مقابل وزارة الدفاع، حيث تجتمع الحكومة المصغرة عادة. يوحي هذا المشهد وكأن هناك تشابك مصالح بين المعارضة الإسرائيلية خارج الحكومة، والمعارضين في مجلس الحرب مثل آيزنكوت وبيني غانتس، مع أهالي الأسرى الإسرائيليين، وكأنها مظاهرة واحدة كبيرة. لكن عمليًا هناك نوع من استغلال لعائلات الأسرى من قبل أحزاب المعارضة  للصعود على أكتافهم حتى يَظهر وجود المعارضة ضد نتنياهو.

هذا كان المشهد في الشارع الإسرائيلي، لكن ماذا عن المشهد الحكومي حيث تصاعدت الخلافات داخل حكومة الطوارئ مع استمرار الحرب، خصوصًا بين نتنياهو وغانتس، فكيف يدير نتنياهو هذه الخلافات ويستفيد منها؟

القضية تعود إلى ما قبل 7 أكتوبر، تحديدًا عندما أراد نتنياهو قبل حوالي ثلاث سنوات من الحرب تشكيل حكومة وحدة وطنية، حينها تبرّع غانتس ليكون جزءًا من هذه الحكومة، وقد وعده نتنياهو بالتناوب على رئاسة الحكومة بحيث يترأسها كل واحد منهما لمدة سنتين. حينها كان غانتس مرشحًا لرئاسة الحكومة، فلمّا تبرع بالانضمام لحكومة الوحدة الوطنية اعتبر البعض أنه تنازل لنتنياهو، واعتبره آخرون خائنًا لشركائه في المعركة الانتخابية. وبعد أشهر قليلة من تشكيل تلك الحكومة، أخلف نتنياهو وعده، فظهر ضعف غانتس سياسيًا لدى المجتمع الإسرائيلي.

لكن، جاء 7 أكتوبر، وكان غانتس -مثل بقية المجتمع والسياسيين- خائفًا حقيقةً من انهيار «إسرائيل»، واستطاع ترميم صورته أمام المجتمع من خلال القبول بالانضمام إلى الحكومة، على أن تكون عضويته في حكومة الطوارئ، أي أن انضمامه لها مؤقت لحين انتهاء الأزمة والعودة إلى صفوف المعارضة. وكان من شروط انضمامه أن تتخذ قرارات السلم والحرب داخل «مجلس الحرب» الذي يضم إلى جانب نتنياهو، غانتس وآيزنكوت وعضوين آخرين، وهو مجلس حكومي جديد غير موجود في القوانين الإسرائيلية المكتوبة أو المتعارف عليها. وقد اكتسب هذا المجلس ثقلًا سياسيًا وعملياتيًا أكثر من الحكومة الموسعة القائمة منذ ما قبل الحرب، والتي تتشكل بحسب نظام الحكومات الائتلافي في «إسرائيل» من ائتلاف قوى سياسية هي عمليًا حزب الليكود، والأحزاب الدينية (الحريدية)، وأحزاب الصهيونية الدينية بقيادة بن غفير وسموتريتش، بالإضافة إلى أحزاب صغيرة أخرى ليست ذات أهمية، وكان لليمين الفاشي الإسرائيلي، أي بن غفير وسموتريتش، قوة داخل هذه الحكومة، فلو انسحب أحدهما لسقطت. لكن مع تشكيل مجلس الحرب بعد 7 أكتوبر، أُضعفت الحكومة الموسعة لصالح الحكومة المصغرة (الكابينت).

وقد حدث ارتباك في مجلس الحرب، فمن يتخذ قرارات الحرب فيه؟ حاول نتنياهو مرارًا التلاعب واتخاذ قرارات خارج المجلس، لكن غانتس وآيزنكوت أعادوه إلى المجلس عبر التهديد بالانسحاب من الحكومة. لكن نتنياهو تعامل مع المسائل الخلافية في مجلس الحرب بما يضمن تأييد قراراته، فكلما أثير خلاف هناك أحال المسألة إلى الحكومة المصغرة حيث يحظى بأصوات مؤيدة أكثر، وهو ما يضعف موقف غانتس وآيزنكوت، وإذا استعصى الأمر أحاله إلى الحكومة الموسعة حيث تتسع دائرة تأييد قراراته، ما يجعل الموافقة عليها مؤكدًا. هكذا أوقع نتنياهو كلا من غانتس وآيزنكوت في المصيدة بحيث يحظى بالربح دومًا على حساب خسارتهما. ورغم مرور أشهر على هذه الحال في حكومة الطوارئ، إلا أن غانتس لم ينسحب منها بعد، قائلًا إن انسحابه سيتسبب باختفاء مجلس الحرب، وهذا صحيح، وبالتالي ستعود القوة الأساسية في الحكومة إلى بن غفير وسموتريتش. هكذا سيستمر نتنياهو بالربح، ما لم يحصل ضغط داخلي كبير من عائلات الأسرى، وإن كنت لا أتوقع حدوثه، مترافقًا مع ضغط خارجي من الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصًا مع ما يدفعه الرئيس الأمريكي جو بايدن من ثمن لقاء تأييده لإسرائيل ونتنياهو، حينها قد تتغير المعادلة.

تطول قائمة الخلافات بين غانتس ونتنياهو، آخر مظاهرها زيارة غانتس لواشنطن واجتماعه مع كبار المسؤولين في إدارة بايدن دون موافقة مسبقة من نتنياهو الذي عبر عن استيائه قائلًا لغانتس نفسه إن «إسرائيل لديها رئيس وزراء واحد فقط». كيف تقرأ هذه الزيارة وامتعاض نتنياهو منها؟

طبعًا امتعض نتنياهو لأن غانتس قفز عنه. بالمقابل يقول غانتس إنه ليس عضو حكومة مثل باقي أعضاء الائتلاف في الحكومة، إنما انضمّ إلى حكومة الطوارئ من أجل إنقاذ «إسرائيل»، وأنه حتى اللحظة استطاع إنقاذها أكثر من رئيس الحكومة نفسه.

تريد الولايات المتحدة الأمريكية أن تلمّع غانتس، أو عمليًا تهدد نتنياهو بالقول إننا نستطيع استبدالك برئيسٍ آخر في المستقبل، ولهذا نشأ هذا التحالف بين المعارضة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية مع غانتس. لكن السؤال هو: إلى أي مدى استطاع غانتس استثمار هذه الزيارة للضغط على نتنياهو؟ استثمرها حتى الآن بحدودٍ بسيطة جدًا، مثلا كان نتنياهو يريد إيقاف المفاوضات على تبادل الأسرى، ويبدو أن غانتس وآيزنكوت وآخرين ضغطوا عليه لاستمرار المفاوضات وإن كان بوتيرة بطيئة. هذا يرضي المتظاهرين الإسرائيليين وعائلات الأسرى، ويُكسب غانتس بعض النقاط. لكن في الوقت نفسه سيحصّل نتنياهو بعض المكاسب، ففي النهاية لو تمت الاتفاقية، سيكون نتنياهو بالطبع أول من يتحدث على الشاشة ويحصد النتائج.

علمًا بأن استمرار المفاوضات بوتيرة بطيئة لا يرضي غانتس، لكن كما قلنا هو داخل المصيدة، كلما أراد نتنياهو اتخاذ قرار لصالحه ينقله من مجلس الحرب إلى الحكومة المصغرة، فيفشل غانتس. بالتالي نتنياهو لا يخضع لشروط غانتس في مجلس الحرب، بل إن الوحيد القادر على جرّ الآخرين إلى ساحته هو نتنياهو، وهو الأقدر -في ظل عدم النضوج في المشهد السياسي- على قطف الثمار واستغلال الأحداث لصالحه. وفي ما لو حدث اتفاق لتبادل الأسرى، فسيقول للمجتمع إنه حقق انتصارًا لـ«إسرائيل» ثم كان السد المنيع أمام تمرير اتفاقية سيئة.

مؤخرًا تصاعد الخلاف داخل الحكومة الإسرائيلية حول مسألة التجنيد الإجباري للحريديم (طائفة من اليهود الأرثوذكس المتدينين)، وصرّحت معظم الكتل في الحكومة عن تأييدها لإلزامهم بالخدمة العسكرية، فيما ترفضه بشكل قاطع الأحزاب الحريدية «شاس» و«يهودات هتوراه» مهددة بإسقاط حكومة نتنياهو. وقد اعتبر البعض أن نتنياهو أصبح محاصرًا، فهل هو كذلك فعلًا أم أنه قادر على تجاوز هذه الأزمة؟

هذه القضية تعود إلى نشأة «إسرائيل»، أراد رئيس الوزراء حينها دافيد بن غوريون الحصول على أصوات الحريديم لتشكيل الحكومة، وحيث أن نظام الحكم في «إسرائيل» ائتلافي يقوم على ائتلاف عدة أحزاب، اشترط الحريديم إعفاءهم من الخدمة العسكرية لقاء دخولهم الائتلاف الحكومي. لقد فهموا اللعبة منذ البداية، أي أنهم إذا كانوا جزءًا من أي حكومة فهم قادرون على فرض شروطهم عليها رغم أنهم أقلية.

يتفرّغ الحريديم للمدارس وللمؤسسات الدينية، ويدرسون العلوم الدينية فقط، ويعتبرون أنهم يخدمون «إسرائيل» أكثر من الجيش، وأن ما ينقذ «إسرائيل» هي دعواتهم وصلواتهم، وليس العسكر. مع الحرب أثارت المعارضة مسألة إلزامهم بالخدمة العسكرية، على اعتبار أن الدولة تتحمل أعباء ثقيلة، وأن هذه الأعباء يجب أن توزع على الجميع بالتساوي، بما فيهم المتدينين الحريديم. وقد تزامنت هذه الدعوات مع تصريحات للجيش قبل أسابيع قليلة مفادها أن عدد الجنود المقاتلين غير كافٍ للعمل في غزة والضفة الغربية وعند الحدود جنوب لبنان، خصوصًا إذا توسعت الحرب في لبنان. وأعلن الجيش أنه بحاجة 75 ألف مقاتل، وهؤلاء يمكن الحصول عليهم من الحريديم (عدد الحريديم المرشحين للخدمة في الجيش يبلغ حوالي 65 ألفًا)، فقامت القيامة وبدأ سيل التصريحات السياسية من الأحزاب العلمانية المؤيدة لهذا التوجه. لكن الأحزاب الحريدية ترفض مطلقًا حتى مناقشة المسألة.

يّذكر أنه قبل الحرب كان هناك مقترحات من أجل تخفيض عدد أيام الخدمة العسكرية للقوات الاحتياطية من 48 يومًا في السنة إلى 32، لكن بعد الحرب تبدّل الحال، وصاروا يريدون زيادة أيام الخدمة، وهو ما أثار المعارضة التي اعتبرت أن تجنيد الحريديم يمكن أن يخفف الضغط على الجنود الآخرين. لقد أثيرت المسألة سياسيًا من قبل المعارضة من أجل ضرب الوحدة داخل حكومة نتنياهو. لكن، هل سيؤدي هذا الملف إلى تغيير حقيقي؟ لا أظن ذلك، حتى تصريحات غانتس العابرة عن الموضوع ما هي إلا من أجل الحفاظ على التواصل مع بقية القوى العلمانية. فلنفترض جدلًا أن غانتس سيشكل حكومة في المستقبل -وأشك أنه قد يصير رئيس حكومة- هل يستطيع إقامتها بدون الحريديم؟ مستحيل. لا يمكن تشكيل حكومة في «إسرائيل» بدون الحريديم. أما تهديدهم بإسقاط الحكومة فليس جديًا، هم لن يُسقطوا نتنياهو لأنه يحقق لهم مطالبهم، وفي نظري أن الأزمة الحالية حول تجنيدهم لن تؤدي، في الفترة المنظورة على الأقل، إلى إسقاط الحكومة، فلا نتنياهو -ولا غيره- يجرؤ على سن قانون لتجنيد الحريديم، إن إلزامهم بالخدمة يعني ثورة لا أظن أن المجتمع جاهز لها اليوم. أما الأصوات المتعالية حول تجنيدهم فأعتقد أنها فقط لكسب أصوات غير الحريديم، أي الأصوات اليسارية والعلمانية.

أما بخصوص مسألة محاصرة نتنياهو، فإن هذا مرهون بتغيّر موقف الولايات المتحدة الأمريكية منه، أعتقد أن نتنياهو لن يكون محاصرًا لأن المجتمع الإسرائيلي ما يزال تحت تأثير 7 أكتوبر، ولن يخرج بمئات الآلاف إلى الشارع إلا إذا انتهت الحرب، حينها فقط سيخرجون إلى الشارع ضد نتنياهو على اعتبار أنه الفاشل الأكبر والمذنب الأول والأخير.

إذًا، لا يوجد حتى الآن قضية يمكن أن تشكّل ضغطًا كبيرًا يؤدي إلى انقسام حكومة نتنياهو أو إسقاطها.

وحدها الولايات المتحدة الأمريكية. إذا اتخذت أمريكا قرارًا جديًا بإسقاط الحكومة، فيمكن أن تذهب إلى مجلس الأمن وتصدر هناك قرارًا بوقف الحرب رغمًا عن «إسرائيل»، وانتهت القضية. لكن طالما أنه لا يوجد قرار أمريكي بعد، فيمكن أن يستمر بهذه اللعبة كما هي إلى الأبد.

داخليًا، طالما أن المجتمع اليهودي الإسرائيلي تحت سقف الرعب، فلن يتحرك. أما بعد انتهاء الحرب، ونتيجة للأثمان الباهظة التي دفعوها، فمن المؤكد أنهم سينفّسون عن غضبهم وسينزلون إلى الشارع، وفي ظني أنهم سيسقطون الحكومة حينها لو احتشد في المظاهرات مئات آلاف المحتجين، ولكن -مجددًا- هذا مرهون بانتهاء الحرب وزوال الرعب الذي يعيشون الآن في ظله.

المصدر" حبر "

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير