أرفض شعبك بحميك.. بين التجنيد الإجباري والصورة النمطية

19.09.2023 04:26 PM

 كتب ثائرأبو عياس: في 21 آذار/مارس عام 2014 أطلق مجموعة من النشطاء في الداخل الفلسطيني المحتل _الأراضي المحتلة عام 1948_ حراك شبابي تحت مسمى "أرفض شعبك بحميك"، ويهدف الحراك بطبيعة الحال إلى إسقاط التجنيد الإجباري المفروض على الشباب الدروز في صفوف جيش الاحتلال الصهيوني منذ عام 1956، ويسعى الحراك إلى مناهضة كل أشكال التجنيد الإجباري، والمساهمة في إعادة اللحمة بين أبناء الشعب الفلسطيني بعد عملية السلخ التاريخي بين الطائفة الدرزية والشعب الفلسطيني منذ عام 1948، هذا بالإضافة إلى أن "حراك شعبك بحميك" يعمل على سدّ الفجوات ومحاولات التغييب وطمس الهوية الفلسطينية التي يعمل عليها الاحتلال نهجاً وممارسة حتى ما قبل عام 1948.

بالعودة قليلاً إلى الوراء وتحديداً إلى عام 1956حيث في هذا العام قام الاحتلال بفرض التجنيد الإجباري على الطائفة الدرزية ساعياً بذلك إلى سياسة فرق تسد، وتجزئة الشعب الفلسطيني جغرافياً، وطائفياً، وبشكل مباشر انبثقت على أثر هذا القانون "مجموعة الشبان الأحرار" (1) والتي كان أحد قادتها الشاعر الراحل سميح القاسم، وكانت نسبة الرفض في تلك الفترة قد وصلت حد 90%، بالإضافة إلى أن هناك كثير من الشباب الدروز الذين تعرضوا إلى السجن بسبب هذا الرفض.

منذ أن انبثق الحراك أسس رؤية مبنية على القيم الإنسانية، وهذا ما جعل من الحراك يبتعد عن الحزبية والفئوية وعدم حصر سلوكه العملي على أرض الواقع بالطائفية، حيث يضم الحراك شبان وشابات من مختلف المناطق والمذاهب الفلسطينية سواء داخل فلسطين أو خارجها، بالإضافة إلى أن رؤية الحراك ترتكز على خاصيّتان أساسيّتان ميز بينهم الحراك، وتأتي الميزة الأولى أن الحراك هو "حراك نسويّ"، حيث للنساء دور بارز وقيادي داخل تركيبة العمل الشبابي سواء داخل بنية المجتمع الفلسطيني، أو ضد الاحتلال، أما بخصوص الميزة الثانية وهي "شمولية الرؤية"، حيث يرفض الحراك كافة أشكال التجزئة للشعب الفلسطيني سواء من خلال التجزئة الطائفية أو الجغرافية، وأكثر يرفض الحراك كافة أشكال التجنيد لجميع أبناء الشعب الفلسطيني بما في ذلك ما يسمى بالخدمة المدنية وأيضاً الخدمة الطوعية، وهذا ما جعل من الحراك يدعوا للترفّع عن الاختلافات بين أبناء الشعب الواحد.

يستند الحراك على استراتيجية مهمة في سياق عمله، حيث لا يتوقف حدود عمل الحراك حد المطالبة بوقف التجنيد الإجباري، بل يسعى إلى توفير الدعم والمساندة للرافضين في الخدمة العسكرية، ويتم ذلك عبر إتاحة المعلومات حول مسارات الإعفاء، بالإضافة إلى تقديم استشارات قانونية في حال تعرض الرافض للاعتقال، وهذا بدوره ما جعل الحراك يعمل على بناء شبكة دعم للرافض، وتشمل هذه الشبكة محاميين وأخصائيين نفسيين ومتطوعين.

يستند الحراك على مجموعة من المسارات المختلفة للحصول على الإعفاء من الخدمة العسكرية، ويتم ذلك اولاً لأسباب طبية عبر الحصول على "بروفايل 21" بمعنى وجود مرض جسدي أو أعاقة أو عدم ملائمة نفسية للخدمة العسكرية، أما المسار الثاني فهو "الرفض الضميري"(2)، ويأتي المسار الثالث تحت مبدأ "الرفض الديني"(3)، أما المسار الأخير وهو "عدم الملائمة" حيث يكون الإعفاء هنا متاح للشبان الذين باشروا لتأدية الخدمة العسكرية وصُنّفوا فيما بعد كغير ملائمين (4).

يسعى الحراك بشكلٍ واضح إلى إسقاط التجنيد الإجباري عبر عملية طويلة ومعقدة، وتحمل هذه العملية في طياتها رفض أن يقتل الفلسطيني أخيه الفلسطيني بشكل مجاني خدمة للاحتلال، وفي سياق متصل يعمل الحراك على كسر الصورة النمطية (5) أو القوالب النمطية (Stereotypes) (6) حول الطائفة الدرزية.
كمثال لا للحصر يمكن هنا التعريج قليلاً إلى السجون حيث يتعمد الاحتلال إلى أن يكون الضابط المسؤول داخل السجن هو من الطائفة الدرزية، وهذا بدوره ما يترك آثر سيكولوجيي على حياة الأسير داخل الزنازين، ولقد عايشت هذه الظروف عن كثب خلال فترة اعتقالي عام 2010 في سجن عوفر (7) فقد كان الضابط المسؤول عن القسم الذي مكثت فيه هو من الطائفة الدرزية من بلدة "عسفيا" في الداخل المحتل، وشاهدت كيف يقوم الأسرى بالمقارنة بينه وبين الضابط اليهودي، حيث الأخير بحسب المقارنة هو أكثر إنسانية، وهنا بالنسبة لي كانت الطامة الكبرى.

تعرض الحراك لكثير من حملات التشوية  وتحديداً للنشطاء القائمين على هذا الحراك، على الرغم أن الحراك من جهة يعمل على مبدأ العودة إلى الذات (8) بالنسبة للشاب الدرزي، وأيضا يعمل الحراك من جهة ثانية عبر الندوات وورش  العمل المختلفة على كسر الحاجز بين الفلسطينيين المتواجدين في الداخل المحتل من جهة وبين الفلسطينيين المتواجدين في الداخل المحتل والمتواجدين في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات من جهة أخرى، وفي هذا الصدد تقول "ميسان حمدان (9)": " لقد واجهت الكثير من الفلسطينيين الذين هم ضحية للتغيب مثلما كنت أنا ضحية للتغييب في الداخل المحتل، وفي الضفة الغربية والقدس يعتبر الدرزي هو جندي على الحاجز فقط لا غير، ولكن ساعد الحراك على كسر هذه الصورة عبر عمله"، وفي سياق متصل قمت باستضافة حراك "أرفض شعبك بحميك" في مدينة الخليل عام 2019، وخلال نقاش طويل مع النشطاء تحدثت امرأة فلسطينية كبيرة في السن قائلة: " لقد عشت الانتفاضة الأولى وكان الجنود الدروز يقومون بضربنا بشكل عنيف، ولكن لأول مرة أعلم أن هناك أشخاص يقومون برفض التجنيد، لقد ساعدني هذا اللقاء على تغيير مفهومي حول الدروز".

_____
1.الجرمق الإخباري، 2023. الطائفة الدرزية.. رفض التجنيد الإجباري ومواجهة مشاريع الأسرلة، مقابلة مع الناشط خالد فراج عضو حراك أرفض شعبك بحميك، https://aljarmaq.net/post/18235?fbclid=IwAR3ost9CpvdHzq9hrysgcgoNViWFTOmqYakFLi-l3opWK7V6V6gQeucBWcE.
2. رفض ضميريّ: القانون الإسرائيلي يتيح امكانية التقدم للجنة تسريح لأسباب ضميرية تابعة لسلطات الجيش، لأشخاص يرفضون الخدمة من منطلقات ضميريّة (يتم اعتبار المبادئ السلمية على وجه الخصوص، بينما رفض الاحتلال الإسرائيلي يعتبر "منطلقات سياسية" وليس ضميرية بحسب سلطات الجيش).
3. أسباب دينية: بحيث يتم فحص الالتزام الديني لدى الشاب على مدار سنوات من خلال إرسال وثيقة مختومة من قبل الرئيس الروحي للطائفة الدرزية وسايس الخلوة "مكان صلاة الدروز" التي يتردد إليها الشاب، وذلك كل عام، لإثبات "تديّنه".
4. عدم ملائمة: إعفاء متاح للشبان اللذين باشروا لتأدية الخدمة العسكرية وصُنّفوا فيما بعد كغير ملائمين للخدمة على يد لجنة تابعة لسلطات الجيش. معايير هذه اللجنة فضفاضة وغير موثقة في القانون.
5.حلا مرشود، مركزة الفريق الإعلامي في حراك أرفض شعبك بحميك، 2017. رفض الخدمة العسكرية في المجتمع العربي، https://www.youtube.com/watch?v=X9ElT_u-sUE.
6. الصور النمطية أو القوالب النمطية (Stereotypes): هي طريقة لتصنيف مجموعة من الأشخاص وتوصيفها والحكم عليها بمميزات ثابتة وغير قابلة للتغيير، وقد طرح والتر ليبمان Walter Lippmann"" أول مرة مصطلح الصور النمطية في عام 1922 في كتابة الرأي العام Public Opinion"" للإشارة إلى معتقدات الناس عن الفئات المختلفة، ومنذ ذلك الطرح أكد علماء الاجتماع عدم دقة هذه الأحكام، وحدد علماء الاجتماع العمليات المعرفية الأساسية Basic cognitive processes"" التي تؤدي بالناس إلى المبالغة في الاختلافات الحقيقة بين المجموعات وتبني معتقدات خاطئة عن الأشخاص.
7. سجن عوفر: سجن إسرائيلي تابع لمصلحة السجون الإسرائيلية مقام على أراضي بلدة بيتونيا وأراضي قرية رافات الفلسطينية غرب مدينة رام الله، مخصص للمعتقلين الفلسطينيين.
8. مبدأ العودة إلى الذات: تم طرحهُ من قبل الشاب الدرزي "يامن زيدان" والذي اقنعهُ الشهيد الراحل سمير القنطار أن يترك العمل في مصلحة السجون، وهذا ما ذكره يامن زيدان في البرنامج الوثائقي بعنوان "العودة إلى الذات"، وأيضاً ذكره سمير القنطار في روايته "قصتي" بقلم "حسان الزين"، رابط البرنامج الوثائقي: https://www.youtube.com/watch?v=HHLa-g3pyPA>.

9.ميسان حمدان: منسقة حراك أرفض شعبك بحميك، 2015. أبرز تحديات وانجازات "ارفض شعبك يحميك، https://www.youtube.com/watch?v=PVo-5V-EUWI.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير