كهوف فلسطين.. "البيئة البكر" احتضنت الكنوز وسلبها الاحتلال

16.09.2023 07:29 PM

وطن- زهرة خدرج

"وُجدت الكهوف في مناطق مختلفة في فلسطين، كان أهمها في الكرمل والناصرة وشقبا. جذبت الباحثين وعلماء الإنسان، خاصة بعد أن عُثر على أدلة أكدت وجود الإنسان الأول فيها منذ ما يزيد على 10,000 عام قبل الميلاد".

الكهوف هي تجاويف طبيعية تتشكّل داخل الصخور المكونة للقشرة الأرضية أو بينها، والتي غالباً ما تكون صخور كلسية، في جانب تل أو جرف أو جبل وربما تحت الأرض، وقد يستغرق تشكيلها مئات الآلاف من السنين.

عالم يزخر بالأسرار، يربطنا بفترات ما قبل التاريخ، وكأننا نسافر عبر الزمن، إلى حيث اتخذ الإنسان من بطون الصخور مأوى له.
فوّهات تتباين في الاتساع، تضيق أحياناً لدرجة أنها بالكاد تسمح بدخول شخص واحد فقط زحفاً، تقود إلى فجوة أرضية معتمة، تجد فيها أنفاقًا تتسع أحياناً فتُشكِّل حجرات، وصواعد وهوابط تصنع هالة من الذهول والحيرة عند من يراها، ويحدونا العجب متسائلين "تُرى كيف يحدث ذلك؟".

تتميز المياه بالسلاسة، ومع ذلك تمتلك القدرة على نحت الجبال ومساحات لا محدودة من الأرض، وتغيير وجه الأرض على مدى آلاف السنين، فالتضاريس الكارستية الغريبة هي شهادة على التطور الرائع للأرض الذي لا يزال مستمراً.
الماء والصخور يرتبطان بعلاقة وثيقة منذ البداية، تتأثر الصخور بعوامل النحت والتعرية والتأثيرات الجيولوجية الأخرى التي غالباً ما يكون الماء فيها اللاعب الرئيس.

تتشكَّل الكهوف بتسرب المياه في ثنايا الصخور الجيرية عبر التشقُّقات والفجوات ليبدأ التآكل بالتدريج، ومع تعاقب السنين تتشكل الكهوف.

وقد تتشكل الكهوف أيضاً نتيجة جريان الأنهار تحت الأرض، وتنشأ من تكسُّر الأمواج البحرية على صخور الجروف البحرية على الشواطئ، ما يؤدي إلى تصدُّع الصخور وتآكلها وتجوُّفها، وقد تُحدِث الرياح المحمَّلة بالرواسب والرمال ثقوباً في صخور المناطق الحارة الجافة، تتسع مع الوقت وتصبح كهوفاً، وهناك أيضاً كهوف تُوّلد بعد انخفاض درجة حرارة الحمم البركانية المنصهرة التي تراكمت خارج البراكين، وحصرت تجاويف هوائية فيما بينها، وقد يُشكِّل الجليد أيضاً كهوفاً في المناطق المثلجة طوال العام.

أهم مميزات الكهوف
تتكون الكهوف من الجير أو الثلوج أو "اللافا" البركانية، وبحسب نوع المادة المكونة لجدرانها، يتحدد ما يمكن رؤيته داخلها.
الهوابط: رواسب متدلية من أسقف الكهوف تنمو لأسفل، نتيجة اتحاد الكالسيت مع الماء، حيث تتقاطر المياه المحمَّلة بالمعادن من أعلى إلى أسفل، وفي أثناء ذلك تُرسِّب طبقات رقيقة جداً من كربونات الكالسيوم، ويحدث ذلك في الكهوف التي تتكون من الحجر الجيري غالباً.

الصواعد: تتكون نتيجة تقاطر الماء على الكالسيت ثم سقوطه على أرضية الكهوف، ما يجعلها تنمو على أرضية الكهف لأعلى، وتأخذ رؤوس الصواعد أشكال عدة؛ مدببة، مستديرة، مسطحة.
لآلئ الكهوف: ظاهرة جيولوجية غريبة ومتفردة في كهوف الحجر الجيري، حيث تتجمع أحجار من ملح الكالسيوم في طبقات مركَّزة حول نواة صلبة، غالباً ما تكون حبة رمل، تُصقل حتى تصبح لامعة بسبب المياه المتحركة عبر الجزء العلوي منها، وغالباً ما تتجمع متخذة شكلًا كرويًا، ويمكن أن تتحلّل بسرعة وتتشوّه إذا ما أُزيلت من بيئتها الطبيعية وصارت عرضة للهواء الخارجي، وتلتحم أحياناً حبّات عدة، وتشكّل عناقيد.

الكالسيت: هو كربونات الكالسيوم، ويتألف من أيونات الكالسيوم والكربون، يلتقط الماء ثاني أكسيد الكربون من الجو فيصبح حامضياً، ويتسلّل المطر الحامضي بين تشققات الصخور الجيرية التي يوجد الكهف بين ثناياها، يذيب أجزاءً منها وينتج بيكربونات الكالسيوم (وهي عبارة عن كالسيت ذائب في الماء).

يحمل الماء بيكربونات الكالسيوم الذائبة فيه، وعند ملامسته للهواء الجوي، تتحول بيكربونات الكالسيوم إلى كربونات الكالسيوم مرة أخرى، حيث يبدأ الكالسيت بالتَّراكم خارج شقوق الصخور، ويستمر تقاطر الماء الحامل للكالسيت، مكوناً هوابط يزداد طولها تدريجاً مع مرور الوقت، وتتخذ أشكالاً مخروطية تتدلى من السقف، وصواعد تتراكم فوق الأرض.
وأحيانًا قد تكبر الهوابـط وتلتقي مع الصواعد، مكونة أشكالاً جميلة، وتتخذ ألواناً مختلفة يحددها نوع المعادن والعناصر الموجودة والتكوين الحجري للكهف.

كهوف ومغاور فلسطين
تجاذبنا أطراف الحديث مع الباحث البيئي والمستغور خالد أبو علي حول كهوف ومغارات فلسطين، فقال: "الكهوف في فلسطين كثيرة لا يمكن حصرها وأشهرها الكارستية، على سبيل المثال لا الحصر، مغارة فسوطة في الجليل الأعلى، ومغارة الشموع في "قرية عرتوف" المهجَّرة جنوب غرب القدس والتي أسماها الاحتلال "سوريك"، وتحمل اسم "وادي الصرار" الموجود في المنطقة، تشكلت المغارة نتيجة ذوبان صخور الجير وتفاعلها مع الماء والهواء والمواد الكيميائية الأخرى على مدار آلاف السنين.
وأضاف أبو علي: "الكهوف مكونات طبيعية تتشكل مع ظروف جيولوجية معينة في صخور الكلس والجبس والدولوميْت المشهور في فلسطين، نتيجة تسرب مياه الأمطار وبسبب ذوبان التربة الهشة أحياناً ما بين الصخور، في البداية تكون كالشقوق ثم تتسع لاحقاً لتصل إلى أعماق متباينة قد تبلغ مئات الأمتار".

الكهوف متاحف طبيعية وكنوز وجزء من تراثنا الطبيعي والبيئي في فلسطين، سكنها الإنسان منذ فجر التاريخ واتخذ منها ملجأً وملاذًا في مواجهة الطبيعة وتقلبات الطقس والتهديدات الخارجية والتجأ إليها في الحروب، وفيها دفن موتاه أيضاً.
وفي أريحا تحديداً استخدم الرهبان والنُسَّاك الكهوف الواقعة في أعالي الجبال وجوّفها للهرب من بطش الرومان، مثل مغاور وكهوف وادي القلط المشهورة.

ويؤكد خالد أبو علي أن هذه الكهوف احتوت على كثير من الكنوز التي سرقتها بعثات التنقيب الأجنبية، وسلب الاحتلال أيضاً الكثير من كنوز كهوف فلسطين، مثل محتويات كهف وادي قانا.

ومن جهته قال الباحث ممدوح البري في معرض حديثه عن الفرق بين المغاور والكهوف الموجودة في فلسطين: "المغارة تكون عبارة عن تجويف واسع يمتد تحت سطح الأرض ويشبه الحجرة، مدخلها واسع، ولها مدخل واحد فقط ولا يوجد لها امتدادات من الدهاليز".
ويضيف البري: "قد تحتوي المغارة على صواعد وهوابط مثل الكهوف، يأوي إليها الناس في الحر الشديد أو المطر، وأيضًا كان يُلجأ لها في الليالي للمبيت وقت الترحال، ومنهم من استخدمها حظائر للحيوانات ومخازن للغذاء".
في حين أن الكهف يتكون من دهاليز وممرات، بعضها يكون ضيقًا جداً، لدرجة تدفع مستكشفه إلى اجتيازه زحفاً على بطنه، ويكون له مدخل أو أكثر يتصف بالضيق، وقد يحتوي على صواعد وهوابط، تبعاً لكلامه.

صندوق الأسرار
في فلسطين مئات الكهوف والمغارات التي تختلف في الاتساع والشكل، ولا تكاد تخلو منها قرية فلسطينية.
كثيرٌ من الكهوف كانت وما تزال مأوى للحيوانات كالثعالب، والطيور كالخفافيش، وكذلك الزواحف، وإليها لجأ كثير من المقاومين الفلسطينيين عندما طاردهم الاحتلال، وفي أحيان عدة تمكَّن من الوصول إليهم، فقتلَ منهم واعتقلَ آخرين.

* كهف شقبا غرب رام الله: عُثر فيه على مكتشفات تعود للفترة النطوفية أو العصر الحجري الوسيط، وسُميّت "النطوفية" نسبة إلى وادي النطوف الواقع غرب محافظة رام الله، وعُثر فيه على أسلحة وشظايا مسنّنة وأدوات دائرية وفؤوس يدوية ومثاقب ومكاشط جانبية، ورقائق مهذبة وبقايا حيوانية.

* كهف وادي قانا: يتكون الكهف من أكثر من خمس طبقات أثرية، وكشفت الحفريات الإسرائيلية التي بدأت عام 1980، واستمرت لعشر سنوات عن محتويات تعود للعصر الحجري الحديث، والعصر الحجري النحاسي، والعصر البرونزي المبكر.
ووُجد في هذا الكهف أدوات فخارية وصوانية وحجرية وعاجية وعظمية، منها أدوات حفر، وأدوات دفاع عن النفس وأدوات شخصية، وأدوات زينة، وأدوات طبخ فخارية، ووعاء لغسل الأرجل.

سألنا الباحث خالد أبو علي أهم اكتشاف سُرق من هذا الكهف، فقال: "8 أساور من معدن الإلكتروم (وهو سبيكة من الذهب والفضة) ربما أُحضرت من مصر إلى فلسطين".

* وادي الكهوف في منحدرات جبل الكرمل في حيفا:
أبرز تلك الكهوف هي مغارات الكرمل، وكهوف الطابون، والسخول، وأبو إصبع، والواد، وقد عُثر فيها على أدوات صوَّانية وهياكل عظمية تعد حلقة تطور بين الإنسان البدائي والحديث، وفي هذه الكهوف عاش البشر في جبل الكرمل في حيفا قبل فجر التاريخ قبل كل الحضارات.

بعد تحديد عمر الموجودات داخل هذه الكهوف بــ "الكربون 14"، تبيّن أنها تعود للحضارة النطوفية القديمة جداً أي للفترة ما بين ( 12,950 وحتى 10,300 عام) قبل أيامنا.
- مغارة السخول (الجدي) ووُجد فيها عند اكتشافها 14 هيكلًا عظميًا تعود للإنسان الذي عاش في الفترة ما بين ( 120,00-45,000 عاماً).
- مغارة النقوش تحمل نقوشاً ومنحوتات على جدرانها ورسومات لكائنات حية قديمة، وهياكل عظمية يعود تاريخها إلى ما قبل 90,000 عاماً.

كهوف فلسطين وتعديات الاحتلال
منذ بداية الاحتلال، عمدت "إسرائيل" إلى مسح الكهوف والمغاور كافة، الموجودة في فلسطين، وفقًا للباحث خالد أبو علي.
وقد شكَّلت "سلطة الآثار" الإسرائيلية وحدة فعالة تتمتع بسلطات واسعة تتألف من 11 شخصًا، منهم علماء آثار، وضباط شرطة أو جيش، خضعوا لتدريب متقدم، مسحوا القرى والبلدات الفلسطينية، وحددوا مواقع الكهوف والمغاور ودرسوها، ورسموا لها خرائط، وحددّوا محتوياتها، ونقلوا عديدًا من آثارها إلى متاحف "إسرائيل" بزعم الحفاظ عليها.

الناشط البيئي حمزة العقرباوي ذكر أن الاحتلال فجَّر وردم مئات الكهوف بقذائف الطيران العسكري والمدفعية في الفترة ( 1967-1970) لتفويت فرصة الاختباء فيها على الفدائيين في مناطق الأغوار في أثناء ملاحقتهم مثل: مغر( الوادي الأحمر، وادي زمور، وعرقان الرب، والمسطرة، وبير أبو الردج، وكرزليا، وسادَّة المجدل وغيرها).
كما أنشأوا مدرسة في مستوطنة "عوفرا" تختص باستكشاف المغاور والكهوف والمناطق الأثرية الأخرى ودراستها وتوثيقها.
أما الباحث ممدوح البري فقال:" كل منطقة أثرية في الضفة الغربية، وضعوا قربها بؤرة استيطانية غالباً، أو سيّجتها سلطات الاحتلال وسيطرت عليها، أو أصبحت في منطقة خطرة بين عدة مستوطنات، أو أعلنوها محمية طبيعية مثل وادي قانا وما يحوي من كهوف، فيما هناك استثناءات قليلة عن الوضع السابق.

وبحسب حديث خالد أبو علي، فإن مسح كهوف ومغاور فلسطين كان لأسباب تتمثل في التالي:

1) الأمني: خوفاً من لجوء الفدائيين والمطاردين لهذه الكهوف والمغاور والانطلاق منها في عمليات مقاومة للاحتلال.

2) الجيولوجي: لمعرفة أعماقها وامتداداتها ومكوناتها وطبيعتها، ومحتوياتها من صواعد وهوابط وغيرها.

3) الأثري والتاريخي: بالسيطرة على جميع الوثائق والمواد الأثرية الموجودة في هذه الكهوف من حقب تاريخية مختلفة، مثل مخطوطات قمران التي عُثر عليها في "وداي قمران" في أريحا، لعلهم يثبتون أن لهم تاريخًا قديمًا ووجودًا في المنطقة.
فيما أكدت إحصاءات دائرة الآثار والتراث الثقافي الفلسطينية أن ما يزيد على 500 موقع أثري، وأكثر من 1500 مَعلم أثري كان عُرضة للسرقة والتدمير على يد لصوص الآثار والاحتلال.

وبحسب دائرة الآثار الفلسطينية فإن بناء جدار الفصل العنصري في عمق الأراضي الفلسطينية ضم ما يفوق نحو 270 موقعاً أثرياً رئيساً، وحوالي 2000 معلم أثري وتاريخي، إلى جانب عشرات المواقع الأثرية التي دمرّتها جرافات الاحتلال في مسار بناء جدار الفصل العنصري.

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية

تصميم وتطوير