مواصي غزة بين ماضٍ زراعي عريق وحاضر يحاصره الاحتلال وملوحة المياه

09.09.2023 11:22 PM

وطن- آلاء المقيد

"سلّة غذاء قطاع غزة"، وصفٌ لطالما تغنّى به الفلسطينيون عند ذكر منطقة المواصي الساحلية الممتدة من جنوب دير البلح "وسط قطاع غزة" حتى أقصى جنوب غربي محافظة رفح "عند الحدود مع مصر".

فهذه المنطقة الريفية، عُرفت قديمًا بمياهها العذبة، وإنتاجها الزراعي الغزير، ومذاق محاصيلها المميز، خاصة الفواكه التي تُعد الجوافة أبرزها، فإن كنت قد تذوّقت حلاوتها، أو شَمَمت رائحة زهورها، فأنت بطبيعة الحال محظوظ، كما يقول أهلها.

لكنّها اليوم تحوّلت بسبب كثير من العوامل إلى منطقة باهتة تفقد رونقها رويدًا رويدًا، أو كما اختصرها سكانها في تعبير مجازي "تلفظ أنفاسها الأخيرة"، وذلك إن لم تجد الخطط الإستراتيجية الحكومية حلولًا جذرية لما يُعانوه من مشاكل، أولها ملوحة مياهها.
عن المنطقة الزراعية الواقعة جنوب القطاع، التي تطلّ من الجهة الغربية على شاطئ البحر المتوسط، ويقطنها نحو 14 ألف نسمة، يقول المتحدث باسم وزارة الزراعة في قطاع غزة أدهم البسيوني لمراسلة "آفاق البيئة والتنمية": كانت تعد منطقة المواصي من أهم السلال الغذائية لقطاع غزة، وتُقدّر مساحتها الإجمالية بـ 8 آلاف دونم (الدونم يعادل ألف متر مربع)، منها 4 آلاف و800 دونم (60%) هي أراضٍ زراعية".

لكن المساحات الزراعية في المواصي أخذت منذ سنوات في التراجع بالتدريج وإلى حد كبير؛ لعدة أسباب أبرزها الزحف العمراني، وزيادة نسبة الملوحة في مياه المنطقة، إضافة إلى توجه المزارعين نحو الدفيئات الزراعية، وبالتالي تناقص المساحات الشجرية.
في السابق، هذه المنطقة أكثر ما تميزّت به زراعة الجوافة، حيث كانت تصل المساحة المزروعة من هذا المحصول في المواصي وحدها إلى 1000 دونم وأكثر، لكن بعد عامي 2005 و2006 بدأت تتراجع تدريجًا إلى أن وصلت اليوم إلى 200 دونم فأقل.
ويشير البسيوني إلى أن المزارعين استبدلوا هذه المساحات، بزراعة محاصيل أخرى أكثر مقاومة للظروف المناخية والبيئية وفي الوقت نفسه أقل تكلفة مادية، مثل أشجار الزيتون (350 دونمًا) التي لم تكن تُزرع في منطقة المواصي.
كما أن الزراعات المكشوفة - والكلام للمتحدث باسم وزارة الزراعة - مثل المحاصيل الصيفية والبندورة، تشهد تناقصًا في مقابل الدفيئات الزراعية؛ نظرًا لجدواها الاقتصادية الأكثر نفعًا للمزارعين.

ويواصل البسيوني شرحه عن التراجع الذي أصاب المواصي قائلًا: "كانت المنطقة تتميز بزراعة آلاف أشجار النخيل، لكن فقدان هذا المحصول لقيمته الاقتصادية العالية، وانتشار سوسة النخيل، أثرّا سلبًا على زراعته في القطاع عمومًا".

تربة المواصي ومياهها
يصف البسيوني تربة منطقة المواصي بأنها من أفضل أنواع التربة الزراعية الموجودة في قطاع غزة، مضيفًا: "هي رملية خفيفة تتحمل الرطوبة العالية، وتراكم المياه خاصة في الشتاء، وأيضًا تحتوي على عناصر غذائية مختلفة".
ويلفت إلى أن امتصاص المياه في تربتها أسهل من غيرها، عدا عن أن تعزيزها وإضافة العناصر الغذائية إليها يكون أسرع من أنواع التربة الأخرى.

وبناءً على ما سبق، فإن تربة المواصي تصلح لزراعة معظم المحاصيل، فالجذور تنمو داخلها بحرّية، كما أن نضج الثِمار فيها يسبق موسم الإنتاج في المناطق الأخرى، تبعًا لحديثه.
أما المياه، فقد اشتهرت المنطقة بعذوبتها قديمًا، لكن بسبب التقاء مياه البحر المالحة بالمياه الجوفية العذبة؛ نتيجة السحب الجائر للمياه سواء في اتجاه المناطق السكنية أم الأراضي الزراعية، وصلت نسبة الملوحة فيها إلى مستويات مرتفعة (3 آلاف جزء بالمليون في بعض مناطقها).

ويؤكد البسيوني، أن المنطقة لا تزال تحافظ على قوتها الزراعية، لكن بطرق مختلفة بما يتواءم مع الظروف المناخية، مبينًا أن محافظة خانيونس التي تعد المواصي جزءًا منها، تُشكل 40% من إجمالي الإنتاج المحلي في قطاع غزة، ما يعني أنها من الروافد الأساسية للأمن الغذائي فيه.

لمزارعي منطقة المواصي كلمة
30% من سكان منطقة المواصي مزارعون "أبًّا عن جد"، أما بقية السكان فيعملون في القطاع الزراعي عمومًا، وتُشيد الجهات الرسمية بالخبرة العالية التي يتمتع بها هؤلاء.
المواطن محمد الزق (76 عامًا) واحد من الذين عملوا في الزراعة لسنوات طويلة، استهلَّ حديثه مع مراسلتنا بالقول: "كانت مواصي خانيونس سلة غذاء قطاع غزة، ومصدر الجوافة الرئيس لفلسطين كاملة وكذلك للأردن، لكن اليوم كل شيء أصبح في عِداد الماضي".

ضيفنا كان معروفًا في منطقته بزراعة الفراولة منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي يقول إنها كانت تتمتع بجودة عالية، ومذاق مختلف، وذات مردود اقتصادي مميز، إذ كان يصل إنتاج الدونم الواحد منها لنحو 50 ألف دولار أميركي.
أيضًا كان يزرع مساحات واسعة بالطماطم الشيري "البندورة الكرزية"، يحكي لنا في هذا السياق: "الإنتاج كان غزيرًا ومشجعًا لزراعة المزيد (..) كنت أرعى المحاصيل وأراقب نموها كما يفعل الأب مع أولاده، ليراهم في أحسن حال".
لكن عدة أسباب تراكمت حتى أصبح أهل منطقة المواصي في السنوات الماضية، يتراجع مستواهم في الزراعة، وبالتالي لم يعد بوسعهم تزويد القطاع باحتياجاته من الخضار والفاكهة.

ويُجمل الزّق تلك الأسباب بالقول: "ارتفاع نسبة الملوحة في مياه المواصي، ورفع أسعار مدخلات الإنتاج من أسمدة وأدوية، إضافة إلى الزحف العمراني، والعوامل المناخية مثل عدم استقرار حالة الطقس".
ويبدو كلام الزّق مخالفًا لما تحدث به البسيوني، فيما يخص تراجع المساحات الزراعية المستمر في المنطقة، حسب قوله.
ويوضح أبعاد المشكلة: "نحن نتحدث عن تراجع حاد في الجوافة (محصول رئيس)، وانعدام زراعة الفراولة في جميع مناطق خانيونس، والحمضيات في المناطق الشمالية من المواصي، كما أن أنواعًا كثيرة من الورد كانت تُزرع قديمًا لدينا وتُصدّر للخارج والآن لا أثر لها، ألا يُسمى ذلك تراجعًا؟".

ويرى أن السبب الأهم في زيادة نسبة ملوحة المياه، هو الهدر الزائد للمياه، مستطردًا في حديثه: "قديمًا كنا نزرع موسمين في العام الواحد، الآن يزرع المواطن باستمرار على مدار العام كأنه "يعصر الأرض" لعلّه يعوض خسارته الاقتصادية في محصول ما، وهذا يحتاج لكميات مياه كبيرة ومتواصلة، ما أثر سلبًا عليها لاحقًا".

"إلا أن بعض المزارعين اتجهوا لسياسة الإحلال، بمحاصيل تتحمل ملوحة المياه كالبطاطس، والبصل، والبطيخ" يقول المزارع الزق.
وتفاديًا لهجرة الأرض وتدميرها، سلك بعضهم طريق "خلط مياه عذبة بأخرى مالحة"، لريّ محاصيلهم السنوية، لكن دون إنتاج كبير أو جدوى اقتصادية عالية، كما كانوا عليه في الماضي، "لكنهم مجبرون" حسب رأيه.
لم يختلف الحال كثيرًا عند أبو ربيع الأغا (68 عامًا) الذي يسكن في منطقة المواصي منذ عام 1978، فهو يملك بشراكة مع إخوته 100 دونم، جزء منها مساحات زراعية مفتوحة، وأخرى أُقيم عليها دفيئات يزرع فيها محاصيل عدة كالخيار والطماطم والبطاطس، والفلفل، والباذنجان.

لكن إنتاج هذه المحاصيل يتراجع كثيرًا - كما يُخبرنا- جرّاء المشاكل التي تعاني منها بيئة المنطقة، وأهمها ملوحة المياه وتذبذب حالة الطقس، وتبدو الحسرة في صوته وهو يحكي: "الدونم الواحد من الخيار والبندورة، كان يُنتج ما بين 20 لـ 25 طنًا، الآن تتحدث عن أقل من نصف الكمية".

"أبو ربيع" كان يزرع قديمًا فواكه تتمتع بميزّات في الجودة والمذاق تجعلها مختلفة عن فواكه المناطق الأخرى؛ بفضل طبيعة تربة المواصي الرملية الخفيفة، وعذوبة مياهها، مثل الفراولة والمشمش والخوخ والتفاح والجوافة.
ومع مرور السنين، أصبحت البيئة العامة لمنطقة المواصي، تؤثر سلبًا على إنتاج هذه الفواكه، فالكميات تتناقص بالتدريج، والجودة تِقل شيئًا فشيئًا، وهذا دفع الرجل لاستبدالها بزراعة أنواع من أشجار الحمضيات.

ويزيد بالقول: "الأمر لم يتوقف هنا، فملوحة المياه في ازدياد مستمر، والآن يُمكننا القول إن الحمضيات أيضًا بدأت تتأثر بها، وإنتاجها يقل سنة بعد أخرى، وبالتالي نحن أمام خطر حقيقي يُداهم المنطقة وسكانها".

ويلفت النظر إلى أن هناك مساحات واسعة في المواصي أُعدمت فيها الزراعة منذ عشر سنوات ونيف؛ بسبب افتقارها الحاد للمياه، وانعدامها في مناطق أخرى، موضحًا أن بعض المزارعين يضطرون لشراء المياه لري أراضيهم الزراعية، كي لا تُفسدها ملوحة المياه.
ويُضيف أنه يحتاج إلى كمية مياه تتفاوت من 500 إلى 600 كوب؛ لريّ محاصيله صيفًا في مساحة 100 دونم، وهذا "عبء إضافي على كاهل المزارع" مع عدم توفر الدعم الرسمي الكافي لتعزيز صموده.
ويأمل في ختام حديثه أن تتّبع الجهات الحكومية في قطاع غزة، خطة إستراتيجية، لتطوير وتحسين بنية منطقة المواصي، وكانت هذه توصيته: "نريد حلولًا جذرية لملوحة المياه؛ وإتاحة تصدير المحاصيل الزراعية إلى الخارج؛ كي يستطيع المزارع الوقوف مجددًا وإعمار أرضه".

نظام بيئي فريد ولكن..
من ناحيته عدّ المختص في المجال البيئي د. عبد الفتاح عبد ربه منطقة المواصي نظامًا بيئيًا فريدًا من نوعه على مستوى فلسطين الساحلية، وبمثابة سلة غذاء لقطاع غزة، لكنها تواجه تهديدات حقيقة، تستدعي الانتباه الجاد من الجهات الحكومية المعنية لإنقاذها.

ويوضح عبد ربه في حديثه مع مراسلة "آفاق البيئة والتنمية" أن المنطقة تتميز بعذوبة مياهها الجوفية وقربها من سطح الأرض، ما أدى لتكوّم عشرات البِرك التي تُسمى بـ "الثميلات"، فضلًا عن وجود كثبان رملية، وهذا كله جعلها أرضًا خصبة لزراعة الفواكه والخضراوات بجودة عالية".

لكن تهديدات حقيقية باتت تواجه النظام البيئي والطبيعي لمنطقة المواصي منذ نحو 14 عامًا، وتزداد عامًا بعد آخر، بحسب ما أورده عبد ربه، أولها العطب الذي أصاب الكثبان الرملية جراء عمليات التجريف والتسوية، ما أدى لتشوه المظهر الطبوغرافي للمنطقة.
كما أن زيادة وتيرة البناء في المنطقة، تسبّبت بخروجها عن طبيعتها الزراعية ذات التنوع الحيوي الكبير، وتحولها إلى أخرى عمرانية، لينتج عنها الكثير من النفايات والقاذورات بأنواعها.

أما التهديد الثالث الذي تحدث عنه عبد ربه، يتمثل في بِرك مياه المجاري في المناطق الشرقية المحصورة بين مدينة أصداء الترفيهية وجامعة الأقصى الحكومية، فتتسرب بين حين وآخر إلى المياه الجوفية، وفي إثرها تُصبح المياه ملوثة وشديدة الملوحة.
وتطرّق إلى الاستخدام المفرط للأسمدة والمبيدات الكيميائية الخطيرة، التي أثرّت سلبًا على صحة النظام البيئي والحيوي لمنطقة المواصي، حيث تساهم في تراجع جودة المحاصيل، وتلوث المياه السطحية.

وبشأن الشكوى المتكررة على لسان أهل المواصي، ألا وهي ملوحة المياه، يبيّن المختص البيئي أنها ناجمة عن عدة عوامل، أهمها السحب الجائر للمياه، واختلاط المياه الجوفية بالمجاري، مما يزيد من نسبة ملوحتها بالنترات والكلوريد، وأملاح أخرى.
وإجمالًا، فإن هذه التهديدات تلحق الضرر بصحة النظام البيئي لمنطقة المواصي، لافتًا إلى أن عديد من الكائنات الحية أصبح وجودها نادرًا في المنطقة، بعد أن كانت مليئة بها، مثل الأرانب البرية والقنافذ، وأنواع مختلفة من الطيور.
وعلى ضوء ذلك، يطالب عبد ربه بضرورة التحرك الفعّال والجدي من المؤسسات الحكومية ذات الاختصاص، للحفاظ على البيئة الفلسطينية، وحمايتها من المخاطر التي تُحدق بها وتهدد وجودها.

خاص بآفاق البيئة والتنمية

تصميم وتطوير