من يفرح بمقتل الجندي في الخليل؟ .. د.أحمد جميل عزم

24.09.2013 10:19 AM
تفرح، أو تحاول غالبية الأطراف الفاعلة، وغير الفاعلة، في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، استثمار مقتل الجندي الصهيوني في الخليل أول من أمس، بما في ذلك أطراف إسرائيلية حكومية واستيطانية. الإسرائيليون يتبنون سياسة "حافة الهاوية" و"عقيدة الصدمة". وهناك فلسطينيون يعتقدون أنّهم سقطوا في الهاوية بالفعل، ولا يوجد ما يخسرونه.

مقتل الجندي في الخليل، يوم الأحد الماضي، جاء بعد خطف جندي وقتله في قلقيلية، وبعد تصدي سكان مخيم قلنديا للجنود وهم يحاولون اعتقال ناشطين، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة من أبناء المخيم. كما جاء بعد قتل الإسرائيليين، الشاب إسلام الطوباسي في مخيم جنين.

يشدد الجيش الإسرائيلي على القول إنّ التقييم الأولي أنّه لا علاقة بين هذه الحالات، وخصوصاً في موضوع مقتل الجنديين في قلقيلية والخليل. وإذا كان صحيحاً أنّه لا يوجد تنظيم مركزي أو قرار بتنفيذ هذه العمليات، إلا أن الأكيد وجود الرابط، وهو الواقع الاحتلالي أولا، والمزاج العام؛ أي الظروف الموضوعية. والصحيح أيضا أنّه نادرا ما كان هناك رابط بين العمليات التي تقوم بها مجموعات المقاومة، وكثيرا ما كان مقاومون يقومون بعمليات ثم يقررون الانتماء لتنظيم ما! فالظرف الموضوعي هو الأساس.

وقنص الجندي في الخليل جاء بعد سلسلة عمليات قتل لفلسطينيين في المدينة، وحالات لا تنتهي من التنكيل اليومي. وفي هذه الأيام تحديدا، هناك حالات تنكيل واستفزاز كبيرة للفلسطينيين بمناسبة الأعياد الإسرائيلية، والتي باتت موعداً دورياً لذلك.

أول من يفرح للعمليات العسكرية، هم مؤيدو الكفاح المسلح، وتحديداً من يؤيدونه بدون شروط أو قيود، ولا يعتقدون أنها عمليات يجب أن تخضع للتفكير، أو أنها تحتاج إلى استراتيجيات. وهنا، يجب الالتفات إلى أنّ هؤلاء لا ينتمون إلى تيار سياسي أو فصيل بعينه؛ فعناصر في حركة "فتح" ما تزال تُعلن انتماءها للجناح العسكري "شهداء كتائب الأقصى"، كانوا في صلب عمليات قلنديا وقلقيلية.

فريق ثان فرح لهذه العمليات، هو معارضو السلطة. ولعل تصريح موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي في حركة "حماس"، وقوله "نحن أمام فشل سياسي للسلطة، وبداية انتفاضة شعبية في وجه الاحتلال"، مضيفا أنه "لن ينقذ الوضع خطة كيري الاقتصادية بملياراتها الأربعة"؛ هذا التصريح هو نموذج لموقف "حماس" وللتوظيف السياسي للحدث داخليّا.

قد يشعر الجانب الإسرائيلي بالقلق الحقيقي من احتمالات انتفاضة جديدة، وخروج الأمور عن السيطرة. ولكن هذا الجانب يتعامل مع الحدث بمنطقين أساسيين: أولهما، "حافة الهاوية"؛ وثانيهما، "عقيدة الصدمة". وحافة الهاوية هي الاستمرار في تثبيت الأمر الواقع الإسرائيلي، والتضييق على الفلسطينيين، حتى حافة الانفجار والهاوية، ثم التراجع تكتيكيا على شكل بعض الخطوات؛ بالإفراج عن أموال فلسطينية أو أسرى، والموافقة للسلطة الفلسطينية على بعض المطالب، قبل استئناف الهجوم الصهيوني. أمّا عقيدة الصدمة، فهي نظرية مستقاة من علم النفس، مفادها أنّه عندما يكون هناك حدث كبير، تكون هناك صدمة بين الإسرائيليين، كما الفلسطينيين أحياناً، ويصبح الرأي العام مهيّأ لتقبل خطوة ما بصمت، خوفاً من الأسوأ.

وفي حادث الخليل تحديداً مثالٌ على ذلك. فبعد محاولة مستوطنين طويلا دخول مبنى عائلة أبو رجب (للأسف الإعلام العربي استخدم الاسم الذي استخدمته وسائل إعلام اسرائيلية "بيت المكفلا")، وبعد أن أُخرجوا منه بعد استيلائهم عليه، قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، السماح لهم بدخول المبنى. وعلى الإثر، شكر المستوطنون نتنياهو على "تسهيل العودة إلى أرض الأجداد".

وغلف وزير الاقتصاد الإسرائيلي نفتالي بينيت، الخطوة على نحو يجمّل الاستيطان، فقال: "نعرف كيف نبني، ونستوطن، لا نقتل". وقال: "هذا هو الرد الصهيوني المناسب".

يبقى طرفان تزعجهما أو تقلقهما عملية مثل عملية الخليل. أولهما، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي لا يؤيد المقاومة المسلحة. ومن المؤكد أن سببا إضافيا يجب أن يُقلقه، هو أنّ عناصر في "فتح" لا تعارض، وتؤيد هذا النوع من المقاومة وتصر عليه.

أما الطرف الثاني، فيضم من يرى أنّ الانجرار للمقاومة المسلحة يتضمن أخطارا كثيرة، ومواجهات غير متوازنة، ربما يوظفها الإسرائيليون على نحو مدمر للفلسطينيين. ويبقى طرف ثالث يريد أن يرى أي نوع من المقاومة، ولكن ضمن استراتيجية متكاملة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير