واقع وأولويات الوضع البيئي الفلسطيني ! - عقل أبو قرع

22.09.2013 11:43 AM
حين تكون المصادر الطبيعية، من مياة وأرض وحيز محدودة، وحين تكون المساحة الجغرافية ضيقة وكذلك متنازع عليها وبشدة، وحين تكون كثافة البشر في تلك البقعة مرتفعة وربما من أعلى النسب في العالم وخاصة في قطاع غزة، وحين يكون ازدياد البشر وبالتالي نشاطات البشر وما ينتج عن ذلك من نفأيات وبأنواعها في تصاعد مستمر، حين يكون كل ذلك متواجد في بيئتنا الفلسطينية، فإن العمل من أجل حماية البيئة هذه الأيام وللاجيال القادمة يعتبر أولوية وطنية، سواء أكان على الصعيد الرسمي، أو من خلال منظمات المجتمع المدني، أو الجامعات والمدارس والبلديات، وصولا إلى المواطن ألفلسطيني.

وحين تناست دول كبرى أو لم تمنح الأولوية للبيئة وحمأيتها، وخاصة خلال عملية النمو الاقتصادي الكبير و المتواصل، مثل الصين والهند والبرازيل، بدأت تلمس الآثار الكارثية على البيئة، فنفأيات المصانع ودخانها والمخلفات العشوائية للبنأيات أدت إلى تلوث الهواء والمياة والتربة، حتى بات لا يمكن السير في شوارع في بعض المدن الصينية بدون كمامات، أو شرب المياة الا معبأة أو بأستخدام فلتر، والوضع نفسة في الهند، حيث يمكن ملاحظة الآثار البيئية والصحية الوخيمة التي أحدثها ويحدثها الاستخدام المكثف للمواد الكيميائية في الزراعة من مبيدات واسمدة وبلاستيك، وأصبحت ولاية البنجاب الهندية مثلا، التي تعتبر السلة الغذائية للهند، أي السلة الطعام أكثر من ألف مليون إنسان، أصبحت تنتشر فيها أمراض السرطان والتشوهات الخلقية وبأنواعها.

وفي بلادنا، ما زلنا نرى النفأيات في الشوارع، وما زلنا نستخدم المبيدات الكيميائية بشكل مكثف وغير آمن، وما زالت مياة المجاري وليست فقط المياة العادمة المكررة، تصب في بحر غزة، وأصبحت مياة غزة الجوفية مالحة وربما ملوثة وما زالت التقارير تشير إلى ان أكثر من 95% من المياة في غزة هي مياة ملوثة، وبالإضافة إلى ذلك ما زالت المستوطنات الإسرائيلية تساهم بشكل أو باخر في تلويث وتحطيم البيئة الفلسطينية، حيث ما زلنا نسمع عن مجاري المستوطنات والمياة العادمة تصب في قرى سلفيت وبيت لحم والخليل ورام اللة، وقبل أسابيع تم اغلاق مكب النفأيات المركزي لمدينة البيرة الذي يجأور المستوطنة، وقبل أيام قرانا وربما شاهدنا حريق مصانع "جيشوري" الإسرائيلية الكيميائية في منطقة طولكرم، ومل لذلك من تداعيات قصيرة وبعيدة المدى متواصلة على البيئة الفلسطينية.

وفي ظل هذا الواقع البيئي، وفي ظل الحديث عن التنمية وبأنواعها وخاصة المستدامة، وفي ظل الحديث عن التغيرات المناخية وتقلبات الجو وارتفاع درجة الحرارة واحتمال التصحر، وفي ظل الحديث عن الخطط الاستراتييجية وبأنواعها، فإن العمل من أجل حماية البيئة الفلسطينية وبشكل مستدام، من مياة وخاصة الجوفية، ومن هواء ، ومن تربة زراعية ، ومن منتجات زراعية وغذائية، يعتبر أولوية وطنية تتطلب تضافر الجهود والطاقات على كافة الاصعدة، وتأخذ عدة مسارات ووسائل.

فالمطلوب تفعيل وإعطاء الأهمية الكافية سواء المالية أو الادارية أو حتى من خلال المراقبة والمتابعة ل " سلظة جودة البيئة الفلسطينية"، وبأن تأخذ سلطة البيئة زمام القيادة من أجل لم وحشد وتنسيق طاقات وإمكانيات الوزارات والمؤسسات الرسمية العاملة في مجال حماية البيئة، من وزارات االصحة والاقتصاد والمواصلات والزراعة والعمل وسلطة المياة والطاقة، وغيرهما، بشكل يجعل الاستفادة من أدوارهم من أجل خدمة الموا طن الفلسطينية وحماية البيئة الفلسطينية في الحد الاقصى.

والمطلوب كذلك من سلطة البيئة، الجهة الرسمية أو العنوان الرسمي لحماية البيئة الفلسطينية، ان تأخذ دورا اكبر في معرفة اعمال وبرامج وإمكانيات المؤسسات غير الرسمية، من منظمات غير حكومية أو اهلية أو جامعات أو مراكز ابحاث أو خدمات، العاملة في مجالات البيئة وبأنواعها ، وان تعمل على تنسيق وترشيد اتفاقيات ومشاريع وبرامج هذه الجهات مع الجهات المانحة، سواء أكانت دول أو منظمات دولية تتبع الامم المتحدة أو أوروبا أو غيرها من التجمعات الدولية أو الدول منفردة، بشكل يتم انفاق هذه الاموال والتي تسجل تحت بند دعم الشعب ألفلسطيني في مجال البيئة، في الاطار الصحيح وللاستفادة القصوى، ولكي تصب في اطار الاحتياجات الحقيقية للبيئة الفلسطينية.

ونحتاج إلى تطبيق حازم للقوانين الفلسطينية المتعلقة بحماية البيئة، سواء أكان قانون البيئة ألفلسطيني لعام 1999، أو قانون الصحة المتعلق بالبيئة، أو قانون حماية المستهلك ألفلسطيني، بشكل يعطي الغرض من اصدارة، وبأن يتم محاسبة وبشكل رادع من يلوث البيئة بالنفأيات الصلبة، أو بالمياة العادمة، أو من يلوث الهواء بالغازات والمواد الكيميائية، أو يلوث المياة الجوفية بالاسمدة، أو يلوث المنتجات الزراعية بالمبيدات، وما إلى ذلك، وبحيث تطبق القوانين بأيدي الشرطة أو سلطة البيئة أو البلديات والهيئات المحلية.

ونحتاج إلى خطة عمل بيئية وطنية، تعتمد على الحقائق لتحديد متطلبات التدخل، وهذا يعني اجراء ألفحوصات لعينات بيئية من خلال مختبرات مؤهلة سواء أكانت تتبع جهات رسمية أو غير رسمية، ومن خلال دراسات تقييم علمي وموضوعي للاثر البيئي لمشاريع أو لاعمال يمكن ان تؤثر على البيئة، ومن خلال تفعيل المراقبة والمتابعة لقضأيا بيئية، ومن خلال تفعيل العلاقة والتواصل مع المواطن ألفلسطيني الذي هو الاساس في العمل من أجل حماية البيئة التي فيها يحيا.

والمطلوب النظر إلى البيئة الفلسطينية بشكل أوسع ومن خلال أهمية التعاون في مجال البيئة وحل قضأياها مع المحيط العربي الذي نحيا فية، حيث ان مشاكل البيئة لا تعرف الحدود، والاستفادة كذلك من خبرات المنطقة، سواء في مجال المياة أو الهواء أو التصحر والانتاج الزراعي أو التخلص من النفأيات، وهذا يعني وجود علاقات تعأون عربية ودولية، والاستفادة من البرامج الدولية وتأطيرها لحماية البيئة الفلسطينية.

ونحتاج إلى بناء ثقافة حماية البيئة وبشكل مستدام، وهذا يتطلب التركيز على تنمية الوعي البيئي، في المدارس والجامعات وفي المصانع وورشات العمل وفي الحقول الزراعية، ويتطلب الاستثمار وبشكل عملي في التعليم البيئي وخاصة في الجامعات، بشكل يلائم احتياجات البيئة الفلسطينية، والتعاون مع مراكز الابحاث البيئية في جامعاتنا من أجل أيجاد حلول لمشاكل البيئة المحلية، وكذلك الاستخدام الأكثر للاعلام وبأشكالة في مجال البيئة، والاهم ترسيخ مفاهيم البيئة وأهمية حمأيتها وفهمها كأولوية وطنية، ليس فقط تعتمد عليها أي خطة تنمية بشرية أو اقتصادية، ولكن لا يمكن العيش حياة سليمة عادية في هذه البيئة اذا كانت ملوثة أو غير محمية من التلوث.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير