بعد عشرين عاما من أوسلو.. ما الذي يجب تعلمه؟ - د.مصطفى البرغوثي

18.09.2013 10:38 PM
هل كان اتفاق أوسلو فاشلا أم ناجحا؟هل مات أم مازال حيا؟ أما زالت هناك حاجة لمراجعة تجربته بعد أن اشبع نقدا على مدار عشرين عاما؟وما هي الحصيلة بعد عشرين عاما من توقيع ذلك الاتفاق؟ما فائدة نقاشه بعد مرور كل هذا الوقت، وبعد عدة "عمليات" سلام فاشلة لتطبيقه،أم أن هناك ما يمكن تعلمه من هذه التجربة؟

من وجهة النظر الفلسطينية يعتبر الكثيرون ان ذلك الاتفاق كان فشلا الحق أضرارا فادحة بحركة التحرر الوطني الفلسطينية وأضاع فرصة استثمار نتائج الانتفاضة الأولى التي غيرت موازين القوى على الأرض،وابرز مظاهر فشل ذلك الاتفاق هو أن اسرائيل نفذت منه ما يعجبها ويفيدها ولم تنفذ كل ما لا تريده،لا بل إن أجزاءا مما نفذ تم ابطالها بعد اجتياح عام 2002.

اما من ناحية اسرائيل ومصالحها فما من شك ان الاتفاق كان نجاحا باهرا لاسرائيل، ولا مبالغة في وصفه بانه كان من اكثر افكار اسرائيل عبقرية، حيث فكك نتائج الانتفاضة الشعبية وانتزع من الفلسطينيين اعترافا بدولة اسرائيل "دون حتى تحديد ذلك بحدود عام 1967" مقابل مجرد الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للفلسطينيين، وخلق اوسع انقسام داخل الصف الوطني الفلسطيني ما زلنا نعاني من اثاره، وهمش الفلسطينيين في الشتات عن حركة تحررهم الوطني، واستبدل دور منظمة التحرير كقائد للنضال الوطني بالسلطة الفلسطينية المعتمدة بصورة متزايدة على المساعدات الخارجية والمقيدة بما لا يحصى من القيود الاسرائيلية من اتفاق باريس الاقتصادي الى شروط التعاون الامني.

ولا شك ان هناك ملامح سلبية لم يعد بمقدور احد حتى مهندسي الاتفاق ومناصريه انكارها.

وتحديدها بدقة امر ضروري اليوم خاصة عندما تدار مفاوضات جديدة، اصبح واضحا ان مقصد اسرائيل، وربما الولايات المتحدة الاميركية منها هو تكرار تجربة اوسلو بعد ان انتهت صلاحيتها، من خلال اتفاق جزئي انتقالي جديد.. وهذا ما نظّر له راعي الاتفاق الاول تورييه رود لارسن خلال ندوة عقدت في اوسلو قبل ايام.

ان اول السلبيات ان اتفاق اوسلو كان اتفاقا جزئيا اتاح لاسرائيل تجزئة او فصل القضايا، وهو الاسلوب الاسرائيلي المفضل لتغيير الواقع لصالحها.

فالاراضي المحتلة حسب القانون الدولي اصبحت اراضي متنازع عليها، والقضايا الجوهرية مثل القدس والحدود واللاجئين تم تقسيمها وتاجيلها الى ما لا نهاية.

اما ثاني السلبيات فكانت ان الاتفاق كان انتقاليا مؤقتا دون تحديد هدفه النهائي، وبالتالي فقد كان خريطة طريق لنهاية غير معروفة وغير محددة، وغير متفق عليها، وبذلك تحولت عملية السلام من نشاط هادف الى تيه وضياع كامل في صحراء المماطلة الاسرائيلية، وحقق اتفاق اوسلو لاسرائيل اكثر بكثير مما حلم به شامير الذي قال سنضيع عشرة اعوام في مفاوضات لا نهاية لها ونستمر بالاستيطان ،فصار حلمه كابوسا للجانب الفلسطيني عمره عشرون عاما وما زال مستمرا دون نهاية مثلما يستمر الاستيطان دون توقف.

اما ثالث السلبيات فهو ان الاتفاق تم دون اجماع وطني فلسطيني ودون استراتيجية فلسطينية موحدة، واصبحت الية نقاشه واقراره وتوقيعه اشبه بعملية مضاربة سرية ظن صانعوها انهم اقتنصوا فرصة نادرة فاذا بهم يكتشفون ان ما اقتنصوه لم يكن سوى سراب ووهم وقيود كبلت اياديهم مثلما كبلت الشعب الفلسطيني بأسره.

ان جذر الانقسام الداخلي الذي اضعف حركة التحرر الوطني، ولا اقصد بذلك الانقسام بين فتح وحماس بل الانقسام العضوي داخل الشعب الفلسطيني،يعود تحديدا الى اتفاق اوسلو الذي اطاح لاول مرة بالقاسم الوطني المشترك والجامع لاغلبية الشعب الفلسطيني سواء كان في المراحل الاولى هدف تحرير فلسطين واقامة دولة ديمقراطية واحدة او كما اصبح في المرحلة الثانية هدف اقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس دون التخلي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

وكان رابع السلبيات ان الاتفاق جاء منقوصا وترك قضايا عالقة، منها انه لم يضمن الافراج عن كافة الاسرى الذين كانوا في سجون الاحتلال عند عقده، فاضاع بعضهم عشرين عاما من حياتهم الفتية، ولا شيئ يمكن ان يعوضهم عن ذلك، حتى لو افرج عن بعضهم اليوم، ولم يتضمن الاتفاق اية الية لعدم مواصلة اسرائيل لسياسة الاعتقال دون قيود بما في ذلك ما هو مخالف للقانون الدولي كالاعتقال الاداري،ولهذا يرزح اليوم اكثر من خمسة الاف اسير في سجون الاحتلال.

اما خامس واسوأ عيوب اوسلو فهو انه لم يتضمن وقف الاستيطان غير الشرعي والذي استمر دون توقف بعد ان فشل المفاوضون في الاضغاء لنصيحة ومطلب الشيخ الراحل حيدر عبد الشافي والذي كان يشترط اي تقدم في المفاوضات بوقف شامل وكامل للاستيطان، واليوم تحمل الضفة الغربية بما فيها القدس على جلدها ولحم ابنائها نتيجة تلك الحقيقة حيث ارتفع عدد المستوطنين من 160.000 عندما وقع اتفاق اوسلو ليصل اليوم الى اكثر من 650.000 وليصبح مطلب ضم المستوطنات لاسرائيل عبر احبولة تبادل الاراضي امرا خاضعا للنقاش والاجتهاد ،ولو تم اشتراط وقف الاستيطان وتنفيذه لما اصبح الوقت الضائع...اداة بيد اسرائيل لاستمرار تغيير الامر الواقع على الارض ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم.

ومن مفارقات القدر اللئيم ان تتجدد المفاوضات الان دون وقف الاستيطان بعد ان تم التخلي عن ذلك الشرط الذي كان يحظى باجماع فلسطيني.

ان ترك الاستيطان ينمو في ظل ما يسمى بعملية السلام، يشابه تماما حالة يعالج فيها الاطباء مريضا مصاب بجرح ينزف بغزارة وبدلا من ايقاف النزيف اولا ينشغلون بمتابعة اعضائه الاخرى في حين يستمر النزيف حتى الموت، وهكذا فان الحديث عن مفاوضات دون نهاية لاقامة دولة مستقلة في ظل استمرار الاستيطان يعني القبول باستمرار النزيف الذي سيقتل هذه الفكرة قبل انتهاء المفاوضات حولها.

ان مجموع هذه العوامل السلبية اتاح لاسرائيل السير بعملية تغيير الواقع على مدار العشرين عاما الماضية، فاستغلت اتفاق اوسلو لتحول الاحتلال الاستعماري الاطول في تاريخ البشرية الحديث الى نظام ابارتهايد اكثر سوءا مما ساد حتى في اسوأ ايام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.

وبدل ان يكون اتفاق اوسلو وسيلة للحد من الاحتلال اصبح اداة لتعميقه فتمت اربع عمليات بالغة الخطورة:

1- فصل القدس بالكامل عن باقي الاراضي المحتلة.

2- فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.

3- تجزئة الضفة الغربية الى مناطق أ،ب،ج، بما اتاح لاسرائيل انشاء نظام متكامل للفصل العنصري والتمهيد لعزل وخنق 61% من مساحة الضفة الغربية المسماة مناطق "c" وجعلها حيزا حيويا للمستوطنات تمهيدا لضمها لاسرائيل.

4- انشاء جدار الفصل العنصري كمكون جديد من مكونات منظومة الضم والتهويد.

وحتى لا نتهم بعدم الموضوعية، لا بد من الاشارة الى اهم ايجابيات اوسلو لانه سمح بعودة الالاف من المواطنين الى الاراضي المحتلة،وهو امر لا يجوز الاستخفاف به، كما لا يمكن ابدا رفض عودة اي فلسطيني الى وطنه مهما كانت الاسباب والظروف، غير ان الاثر المعنوي والنفسي لهذا الامر كان اشبه بعملية سمح فيها للقياديين وجزء من الناس بالعودة دون شعبهم المهجر بالملايين، وكان هدف اسرائيل من ذلك اضعاف جزء من الفلسطينيين بفصلهم عن باقي شعبهم، مثلما يجري عندما تمنح اسرائيل بطاقات الشخصية الهامة "vip" لبعض المسؤولين ورجال الاعمال، فتصبح امتيازاتهم اداة لتفصلهم عمن يفترض انهم يمثلونهم ووسيلة لاضعافهم في نهاية المطاف واثارة النقمة عليهم.

هناك دروس لا يمكن تجاوزها من هذه التجربة، واولها ان المفاوضات ليست ميدانا منفصلا عن الصراع، بل هي ميدان للصراع بوسائل اخرى، واحد اهم اهداف المفاوضين هو استعمال المفاوضات لاضعاف الطرف الاخر قبل الوصول الى نهايتها.

ومن هذه الزاوية فان اوسلو كان فشلا للجانب الفلسطيني وانتصارا استراتيجيا لاسرائيل، لان احد الطرفين استخف بالبعد الاستراتيجي للصراع، وظن انه يستطيع قهر الاستراتيجية بالتكتيك، ولعل ابرز معالم ذلك،ما تم من تغييب كامل للقانون الدولي عن مجرى المفاوضات ،وما حدث من عدم تكافؤ مطلق في الخبرة والقدرات بين الجانبين، وما جرى من تواطؤ من الاطراف الدولية التي رعت وشجعت وزينت عملية اوسلو مع انها كانت تفهم فداحة الكارثة التي تم دفع المفاوضين الفلسطينيين لها.

لقد عبر يوئيل زينغر المحامي المحترف والمفاوض نيابة عن اسحق رابين عن ذلك بقوله "عندما وجهنا عشرات الاسئلة الخطية للجانب الفلسطيني في اخر ساعات المفاوضات فان ما فاجأني ليس فقط انني تلقيت اجوبة استعملتها لصوغ معالم الاتفاق بما يخدم مصالح اسرائيل،بل انني لم اتلق مع الاجوبة سؤالا واحدا".

وللمقارنة فقط يمكن ان نراجع كيف استخدم الفيتناميون مساحة المفاوضات لصالحهم لانهم لم يجعلوها بديلا للصراع الفعلي الدائر على الارض.

اما العبرة الثانية، فهي ان ميزان القوى هو الذي يحسم المفاوضات، وليس البراعة والفصاحة الكلامية والتكتيكية.

وعندما يكون ميزان القوى مختلا، فان التصرف المسؤول يجب ان يكون بالتركيز على تغيير ميزان القوى بدل تشتيته واضعاف النفس ووحدة الشعب بمفاوضات لن تأتي بنتيجة.

اما العبرة الثالثة فهي ان كل الشكليات والترتيبات الادارية والألقاب وما يسمى ببناء المؤسسات لا يعوض ولن يعوض عن الحاجة للحرية والكرامة والعدل والسيادة غير المنقوصة.

وقد آن اوان التمسك بان قضية فلسطين ليست مسالة تحل بحكم ذاتي او اتفاق انتقالي او نظام بانتوستانات او دولة منزوعة السيادة حتى لو سميت امبراطورية،فقضية فلسطين هي قضية شعب استعمر وشرد واحتل وما زال يضطهد بنظام فصل عنصري بغيض، ولن ينال سعادته وازدهاره وتطوره الا بعبور البوابة الحتمية...بوابة نيل الحرية مهما غلى الثمن وعظمت التضحيات ..وهذه ليست دعوة للمغامرة، بل دعوة لتحمل المسؤولية كما فعل من قبل ديغول عندما احتلت بلاده وعبد الناصر عندما تعرضت مصر للعدوان وغاندي الذي رفض مذلة الاستعمار، ومانديلا الذي اصبح اكبر عظماء عصره لانه لم ينكس راسه للسجان ولم يقبل فصل مصيره عن شعبه حتى بعد سبعة وعشرين عاما من الاعتقال.

واما العبرة الرابعة فهي ان الواقعية لا تعني الاستسلام للواقع، والا صارت واقعية المستسلمين،والواقعية الفاعلة تعني فهم الواقع بهدف تغييره وتحسينه وتعديله لمصلحة الشعب واهدافه.

وبالتالي فان التذرع بانه من غير الممكن طرح اهداف التحرر الحقيقي لان اسرائيل لا يمكن ان تقبل بها، يشابه تسليم الاسلحة والقدرات قبل خوض المعركة.

وما من شعب كان يمكن ان يتحرر، من الجزائر الى الهند الى جنوب افريقيا لو انه جعل سقفه ما يمكن ان يقبل به المستعمر او المحتل،فالحرية لم تستجد ولن تستجدى يوما،الحرية تنتزع بالنضال والكفاح من اجلها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير