حمّال الشنطة

30.05.2023 01:53 PM

كتبت بثينة حمدان: حمّال الشنطة مصطلح يصف حاله، فمجرد أن يقبل الانحناء وحمل شنطة المدير، فهذا يعني أنه مجرّدٌ من شخصيته للحصول على مبتغاه المادي البحت.

بين حمّال الشنطة العامل، وحمّال الشنطة الموظف... فروق كثيرة؛ الأول ذو كرامة يكسب قوته يوماً بيوم بجهده وتعبِه، شريفٌ عفيفٌ رفَضَ أن يكون شحاداً أو لصاً أو حتى عالة على اقرب الناس إليه، متعفف عن كل قول أو فعلٍ سيء.. أما الثاني فلديه عمله وأجره الشهري يعيش حياة كريمة لكن نفسه مريضة ناقصة تجدُ أسباباً لِتُقَرِّبه من مديره بأي طريقة، فيصبح الخادم والحاجب والذي يُلبي احتياجات مسؤوله الشخصية، بل والمهنية لكن في إطار التسويق السطحي لأفكار ومعلومات تتعلق بالعمل لكنها في الحقيقة لا تفيد العمل.

هو شخص ذكي بلا كرامة؛ يحترف نثر كلامه المدهون بالدبس والعسل والزبدة للمدير أو اتجاه شخص تربطه به المصلحة فقط. لغته الرسمية هي الـ"نعم" ومرادفاتها "طبعاً" و "أكيد"!!

انتهازيٌ للفرص التي يثبت فيهاً دوماً أهمية وجوده إلى جانب المدير، بل هو ظِلُّه الذي يتحرك طبقاً لرئيسه، والظلُّ يبقى ظلاً ولا يظهر إلى اذا حجب جسد –المدير- الضوء؟ الظل أي الفراغٌ غير النافع، يحترف الثناء على كلام مديره، فيشعر المدير بالرضا عن آداءه ومكانه وملكته في إدارة المؤسسة بصحة مطلقة... ما أجمله من شعور.. إنه الكمال.

إنه فعلاً غبي أيضاً ولأبعد الحدود فهو مكشوف للجميع، مكروه، يشمئز منه المحيط، بلا  فكرٍ، لا يُراعي مكانته الاجتماعية أو الوظيفية أو العائلية؛ لا مانعَ لديه أن يرسل سيارة مسؤوله للغسيل، فيقبل بأي مهامٍ ليست من اختصاصه.

حمّال الشنطة دائماً عينه على الشنطة يتتبع تحركات المدير، يوافق مديره الرأي صائباً أم مخطئاً، المهم الاحتفاظ بمنصبه الفخري "حمّال شنطة المسؤول"!! في مرحلة متقدمة لحمّال الشنطة أي الاحتراف، يصبح لديه جيشٌ من جامعي المعلومات، فحِسُّه المخابراتي ضروري لإحكام قبضته على المدير فيمنحه شعوراً بأنه حوله ومعه، ويمكن أن يقفز أمامه دون أن يطلب، بفضل مخابراته التي تتخطى حدود العمل إلى البيت والقهوة وكل مكان يمر به المدير.

هو سارق الأعمال الناجحة وانجازات الآخرين ومُتَصيِّد لأخطائهم عند الحاجة، لِمَ لا؟ إذا كان ذلك فيه ارضاء للمدير...

لكن المشكلة أن الرضا لا يعني النجاح فعلاً، فأحيانا يسطو حمّال الشنطة دون قصد على انجاز المسؤول من شدة تركيزه بالهدف والتصاقه بالمدير، يختلط عنده الأمر فيقع ضحية أنانيته وغباءه وضآلته.. ولأنه بلا كرامة يرضى بسخط المسؤول وسوء معاملته في أي وقت وبصدر رحب.

اُترك الحمّال يركض من زاوية لأخرى خلف خشبة المسرح، واعلم أن المسؤول الذكي يعرف كيف يستفيد منه في أوضع الأعمال ويُفرِّقُ بين كلامه المدهون وكلام الآخرين الحقيقي والمهني، وتَوقَّع رغبة المدير الاحتفاظ بحمال الشنطة فهو يرضي غروره المرتبط بالكرسي الزائل حتماً..   هذا النوع من الناس اتركه حمالاً لشنطة لا تدوم، ابتسم ولا تنظر إلى الخلف، واذا احتجت فاضحك واضحك كثيراً على حالك وحال المؤسسة التي يحكمها حمالوا الشنطة !!!

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير