قراءة لسبع جولات من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ عام 2008

وما ان وضعت الحرب أوزارها..هل من وقفة مُراجعة وتقييم؟!!

17.05.2023 10:40 AM


 


 

كتب: محمود يوسف الفقي

في زيارتي الأخيرة لغزة، التي تركتها مُكرهاً قبل حوالي عشر سنوات، بحثاً عن لقمة العيش، وأملاً أن ينمو أطفالي في بيئة أكثر أمناً وسلاماً من غزة الحبيبة، وفي ساعات المساء بعد وجبة الإفطار في رمضان، كنت على شاطئ غزة المُلوث، بفعل قلة الإمكانات، وكان هناك رجالٌ متنكرون بزي مهرجين مع أنوف حمراء يتوجهون إلى أطفال يتجولون مع عائلاتهم ويعرضون عليهم رسم رسومات مضحكة على وجوهم. وقتها، قال لي صديقي إبراهيم الذي يعيش في غزة: "هذا أيضا نوع من العزاء، صدقني لا يوجد لدينا الكثير من الأسباب للضحك في هذه الأيام. فلا فكرة لدينا عما سيحدث لنا غدا. نحن مجرد أرقام نعد الأيام، ولا نعلم ما الذي سيحدث معنا غداً، لا نرى مستقبلا، لا يوجد حتى القليل من الضوء في النفق، ولم يعد هناك بصر للنظر لنقطة الماء المتبقية في الكوب الذي كان نصفه ممتلئ."

إبراهيم شاب في أول الثلاثينات، يحمل شهادة دراسات عليا، تزوج وأنجب أحمد وفاطمة، ولا يملك أي مصدر دخل، مثله مثل أغلب شباب جيله، أنهكته الحياة في غزة، ولكنه ما زال ينتظر الكوب لعل نصفه يمتلأ.

ترددت كثيراً قبل نشر هذا المقال، وكنت قد قمت بكتابة أول سطوره في الجولة السادسة من العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة في آب/أغسطس من العام الماضي 2022. حينها كنتُ أشعر أن صوت المنطق والعقل يعد نشازاً عندما يعلو صوت العاطفة، فيصبح من ينادي بتحكيم العقل أشبه بمن يصرخ في محيطٍ قد تجرفه أول موجه تأتي بعكسه اتجاهه.

غزة العزة، غزة مُرعبة الاحتلال الصهيوني، قل ما شئت من الشعارات، وللعلم غزة تستحق هذه الشعارات وأكثر، فنحن وبكل فخر سعداء بالمقاومة، سعداء بضرب العدو في عمقه، سعداء بصمود نساءنا وشبابنا ورجالنا وأطفالنا رغم الجرح النازف، نعبر عنها بهتافاتنا وصورنا للصواريخ. ولكن ليكن عندنا جرأة لطرح السؤال، لماذا على غزة دائما أن تدفع الثمن؟! لماذا على المواطن الغزاوي ألا يخرج من حرب إلا ويدخل في أسوء منها؟! ماذا حققنا من انجازات بعد كل تلك الجولات من الحروب؟!

غزة تدفع الثمن، بنسائها وشبابها وأطفالها تدفع الثمن، ببيوتها واقتصادها تدفع الثمن، بشهدائها وجرحاها تدفع الثمن. في كل مواجهة تكون غزة الضحية والحلقة الأضعف، عندما يستشهد الأسير في الشطر الآخر من الوطن، تسقط الصواريخ العمياء على غزة! عندما يُستباح الأقصى، تُهدم البيوت على ساكنيها في غزة! عندما تُصادر الأراضي والأحياء في القدس، يُقتل الأطفال والنساء في غزة! عندما تُقرع الطبول في الضفة، نجد من يُلبي النداء في غزة!

أعرف أن الوطن واحد، وأعي تماماً أن غزة تنزف كما القدس ونابلس وجنين وأريحا، ولكن المعادلة التي لا يوجد فيها الا طرف واحد - غزة - معادلة ظالمة وغير مُستساغه، ولا بُد من وقفة اتجاهها.

حربٌ أخرى على قطاع غزة، هذه المرة بعد أقل من عام، وليس عامين أو ثلاثة كما الحروب التي سبقتها. يعود الاحتلال الإسرائيلي في كل مرة إلى أكثر ما يجيده حينما يتعلّق الأمر بغزة، وبالساحة الفلسطينية عمومًا، استضعافها إلى حدّ تفريغ عقدة قوته أو ضعفه فيها، والاستعراض على رُكام مأساتها أمام ناخبيه ومستوطنيه ووزرائه المشبعين كراهية وتعطّشاً للدماء.

في حقيقة الأمر، الحرب على غزة لم تبدأ في أيار مايو الحالي، ولكنها جاءت كنتيجة حتمية للصراع المستمر بين الفلسطينيين وإسرائيل. وأكاد أُجزم أنها جاءت كنتيجة طبيعية لفشل أكذوبة الأرض مقابل السلام، وكل ما تبع ذلك من اتفاقيات ومعاهدات مع الاحتلال الإسرائيلي، وما تلى ذلك من اقتحام شارون للمسجد الأقصى، ثم اندلاع الانتفاضة الثانية، ونشوب الصراع بين فتح وحماس بعد تعاظم قوة حماس، الذي تحول بعد ذلك لانقلاب عسكري قادته حماس، جعلها تتفرُّد في ممارسة السلطة في قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007.

ألا يستدعي كل ذلك الى وقفة حقيقية مع الذات لمراجعة مواقفنا وسلوكنا واتجاهاتنا؟! لقد أصبح من المستهجن أن يظل كل فصيل أو كيان أو قوة على الأرض تُغرد بما يحلو لها وكما تشاء، أو كما تُمليه عليها القوى الإقليمية المحيطة بها، والتي تعاونها على تنفيذ أجندات ومصالح ما أنزل الله بها من سلطان. إن منهج محاسبة الذات ومراجعة المواقف هو منهج غريب عن عقلية معظم المستوى القيادي الفلسطيني، فللأسف، قياداتنا قد أغرتهم السلطة المزيفة وزينت لهم أوهام الحكم تحت الاحتلال، فتناسوا الاحتلال وتدافعوا نحو إضعاف وتقتيل بعضهم البعض. ففي الوقت الذي تتكالب أغلب القيادات على السلطة والمحافظة على ما وصلوا له من غنائم ومقدرات مسلوبة من قوت شعبنا الفلسطيني، لا يدخر الكيان الصهيوني أي جهد في قلب وتزييف الحقائق، مستفيداً من مشهد دولي مُتحيز لا مكان فيه للعدالة الدولية، ومعولاً على خريطة عربية شوهها التطبيع وقزمتها الخلافات والصراعات والانهيار المستمر.

إن انحدار التوجه والأداء الفلسطيني، ساهم إلى حد كبير في وصول القضية الفلسطينية إلى مأزقها الراهن؛ مأزق الفشل والشعور بالتيه والتمزق. مما يستدعي الى إعادة البحث عن الهوية التي فقدناها، وخلق حلول ومشاريع وإستراتيجيات، تُلملم ما تبقى من شتات أنفسنا، وترجع بنا الى المسار الصحيح، إلى جذور القضية، قضية التحرر والعودة.

وبالنظر الى جميع الجولات أو كما يتم تسميتها حروب، عادةً ما كانت تُعرض صور الدمار في وسائل الإعلام الذي لحق بالمبانٍ والمنازل والبُنى التحتية؛ ولكنها تعجز غالباً عن نقل حجم وعمق الآثار النفسية والعقلية للسكان المترتبة على هذه الانتهاكات. وبالرجوع الى التاريخ الذي كنا ندرسه في مدارسنا، تعلمنا أن المدن التي كانت مطمع للمحتلين والغزاة، كانت تُشيد أسواراً مجهزة بمجانق لصد زحف الغزاة، مقترنة بتماسك وترابط في الجبهة الداخلية. ولكن اليوم، وبالنظر لقطاع غزة، نجد أن الأمر قد انقلب بالكامل، فغزة لم تبن ِسورا حولها، بل من حولها هم من قاموا ببناء سور كامل، الأشقاء قبل الأعداء، سور أنهكها داخلياً وأثبط من عزيمتها وتماسكها، وإن ظهر عكس ذلك اعلامياً.

لا شك أن غزة تدفع ثمن كل المعادلات والصراعات الفلسطينية الداخلية، بمعناها المحلي، او حتى تعبيرا عن رؤى قوى أخرى تدير الصراع الفلسطيني، اذ ان عشرات الاف البيوت، ومنذ الجولات الأولى من العدوان التي بدأت عام 2008، مازالت دون ترميم كلي او جزئي، والاموال التي تتدفق لترميم البيوت المتضررة، او اعادة بناء البيوت، توقفت، ومازالت عشرات الاف العائلات تعيش في بيوتها المهدومة جزئيا، او في بيوت الاقارب، او قامت باستئجار بيوت، انتظارا لحل لم يأتي بعد. معابر غزة مغلقة، ولكل جهة أسبابها الغير إنسانية في اغلاق المعابر، لكنها عملية تصب في المحصلة في إطار خنق القطاع، وتدمير بنيته الانسانية، فما هو ذنب المدنيين هنا، بكل هذه الصراعات، التي تتنزل فواتيرها على اكتافهم؟!

حلا، الطفلة ابنة الخمس عشر ربيعاً، عاشت سبع جولات من الحرب، منذ عام 2008 وكانت بعمر السنتين، وحتى عامنا هذا وهي تستعد لامتحان شهادة الثانوية العامة. في الجولة الأولى من كانون أول 2008، كانت حلا تنام وتصحو على صوت انفجارات القذائف التي كانت تتساقط من كل حدبٍ وصوب. حيث أسفرت هذه الجولة التي استمرت 22 يوماً عن استشهاد 1436 فلسطينياً وفلسطينية، بينهم نحو 410 أطفال، 240 نساء ونحو 100 مسن، وإصابة أكثر من 5400 آخرين نصفهم من الأطفال. كما تم تدمير نحو أكثر من (4100) مسكن بشكل كلي، و(17000) بشكل جزئي، وارتفع معدل الفقر في قطاع غزة إلى (79) في المائة، ووفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة (88) في المائة من مجمل سكان قطاع غزة، قدموا طلبات للحصول على مساعدات غذائية. في المقابل سقط 13 قتيلاً ونحو 300 جريح لدى الإسرائيليين.

وكانت شروط حماس للتهدئة، تتضمن وقف العدوان وفك الحصار عن غزة وفتح المعابر. وقد وصل الجانبين لاتفاق تهدئة برعاية مصرية، ولم تنفذ أي من شروط حماس سوى توسيع مساحة الصيد لست أميال عوضاً عن ثلاث.

أما الجولة الثانية من العدوان الإسرائيلي على غزة والتي استمرت لمدة ثمانية أيام، كانت في تشرين الثاني من عام 2012. كانت حلا تتحسس أول خطواتها نحو دراستها الابتدائية، لم تكن تعلم أن مسيرتها التعليمية سوف تكون مُصاحبة لعدد من جولات العدوان الإسرائيلي الغاشم. في هذه الجولة، استشهد 180 فلسطينيًا وفلسطينية، بينهم 42 طفلاً و11 سيدة، وأصيب نحو 1400 آخرين بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فيما وقُتل خلال العملية 6 إسرائيليين. دمرت إسرائيل 200 منزل بشكل كامل، خلال هذه العملية، و1500 منزل بشكل جزئي.

توصل الطرفان إلى اتفاق تهدئة برعاية مصرية، وأعلنت وزارة الخارجية المصرية توقيع اتفاق تهدئة، يشمل وقف متبادل لإطلاق النار وتسهيل حركة المعابر والسكان، والسماح لصيادي غزة بستة أميال بحرية إلى البحر لصيد الأسماك؛ خفضت إلى 3 أميال بحرية بعد 22 مارس 2013.

وفي تموز 2014، أي بعد أقل من عامين عن الجولة الأخيرة، شن الاحتلال الصهيوني حرباً على غزة استمر 51 يوماً، أسفر عن استشهاد أكثر من 2322 شهيد وشهيدة، بينهم 578 طفلاً/ـة، و489 امرأةً، و102 مسنًا، كما أُصيب نحو 11 ألفا آخرون بحسب وزارة الصحة الفلسطينية. وارتكبت إسرائيل مجازر بحق 144 عائلة، قُتل من كل عائلة ثلاثة أفراد أو أكثر، في حين قُتل 68 جندياً إسرائيلياً، وجرح أكثر من 2500 إسرائيلي، بينهم 740 عسكرياً. كما أعلنت كتائب القسام أسرها الجنديَيْن الإسرائيليَيْن شاؤول آرون وهدار جولدن.

عدد الوحدات السكنية التي تم تدميرها كلياً في هذه الجولة، بلغت 12 ألف وحدة، فيما بلغ عدد المهدمة جزئياً 160 ألف وحدة، منها 6600 وحدة غير صالحة للسكن، وفق بيانات للأمم المتحدة، كما نزح نحو ثلاثمائة ألف نازح، في أكثر من واحد وتسعين مدرسة، ومنشأة تابعة لـلأونروا، بفعل الحرب، معظمهم ظل لفترات طويلة بلا مأوى.

وفي 26 أغسطس/آب 2014، توصلت إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، برعاية مصرية، إلى هدنة تضمنت خطوات فورية، كوقف متبادل لإطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، فتح المعابر التجارية والإنسانية، توسيع نطاق الصيد الى 6 أميال، وتولي حكومة الوفاق الفلسطينية تنسيق جهود إعادة الإعمار في غزة مع المانحين الدوليين.

أم القضايا بعيدة المدى التي تقرر مناقشة تنفيذها لاحقاً، شملت الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين الذين اعتقلوا في الضفة الغربية عقب خطف وقتل ثلاثة شبان إسرائيليين في يونيو ما قبل العدوان، الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين الذين جمدت إسرائيل الإفراج عنهم بعد انهيار محادثات السلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، تسلم الفصائل في غزة جميع أشلاء ومتعلقات الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا في الحرب، إنشاء ميناء بحري في غزة، إعادة بناء مطار ياسر عرفات في غزة، والسماح بتحويل الأموال الفلسطينية إلى غزة. لكن تُركت هذه القضايا لحلها في غضون شهر من خلال المفاوضات، وما زلنا ننتظر تنفيذها حتى الآن.

وفي تشرين الثاني من عام 2019، كان موعد سكان غزة مع جولة أخرى رابعة من الحرب استمرت بضعة أيام أسفرت عن استشهاد 34 فلسطينياً وفلسطينية، بينهم أربع سيدات ورضيعتان وجنينان وطفل، وجرح أكثر من 154 آخرين. كانت حلا تمر بمرحلةٍ نضج تفصلها بين الطفولة المتأخرة والمراهقة، مرحلةٍ يختبئ فيها جانبان عكس بعضهما البعض؛ الأول يمثل الطفولة والبراءة، وبالجانب الآخر المراهقة والشعور بالذات. وما بين تلك المرحلة وذات، العديد من التقلبات، فلا هي عاشت الطفولة المتأخرة، ولا خاضت تجربة أول المراهقة بمتطلباتها وانفعالاتها وتغيراتها.

كانت هذه الجولة أول حرب لا تشارك فيها «حماس» وتنجح إسرائيل في إبقائها بعيدة، وقد دمر الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب 130 وحدة سكنية بشكل كامل، فيما تعرّضت 700 وحدة سكنية أخرى للضرر الجزئي. بينما اقتصرت الخسائر الإسرائيلية على بعض الأضرار الماديّة التي لحقت بعددٍ قليلٍ من المنازل جرّاء سقوط صواريخ المقاومة عليها معَ جرحِ حوالي 51 شخصًا معظمهم تعرضوا لإصابات طفيفة بسببِ «الهلع» أو عندَ التدافع من أجل دخول الملاجئ.

شمل اتفاق التهدئة في هذه الجولة شروطاً تتضمن وقف متبادل ومتزامن لإطلاق النار، وأن يقوم الاحتلال بتنفيذ تفاهمات كسر الحصار عن قطاع غزة، التي لم تُنفذ كل مرة، كإعادة مساحة الصيد من 6 إلى 15 ميلا، واستكمال تحسين الكهرباء والوقود واستيراد وتصدير البضائع.

كان موعد الجولة الخامسة في أيار 2021، والتي استمرت لعشر أيامٍ مُرعبة، دمّر فيها الاحتلال 32 برج سكني، و1800 منزلاً بشكل كامل، ونحو 17 ألفا بشكل جزئي. استشهد فيها 250 فلسطينياً، بينهم 65 طفلا و39 سيدة و17 مسنا، إضافة إلى 28 شهيداً بالضفة وقرابة 7 آلاف جريح بالضفة المحتلة وغزة. في المقابل، سقط 13 قتيلاً في الجانب الإسرائيلي ونحو 300 جريح.

قادت قوى إقليمية مثل مصر وقطر مفاوضات التهدئة، وكذلك الولايات المتحدة والأمم المتحدة، وتم التوصل الى وقف إطلاق النار من قبل الطرفين وبدون أية شروط.

في آب 2022، كان موعد الجولة السادسة من الحرب على غزة، عندما اغتال الاحتلال الاسرائيلي قائد المنطقة الشمالية لـ«سرايا القدس» في غزة، تيسير الجعبري بعد استنفار أعلنته حركة الجهاد الاسلامي رداً على اعتقال مسؤول كبير في الحركة في جنين في الضفة الغربية، وهو بسام السعدي.

أسفرت هذه الجولة التي استمرت لمدة ثلاث أيام عن ارتقاء عدد من الشهداء بلغ 44، بينهم 6 أطفال، في حين أصيب 300 بجروح مختلفة. كما تضررت 761 وحدة سكنية، وهُجر نحو 450 فلسطينيًا وفلسطينية. بالمقابل أُصيب نحو 47 إسرائيليًا أصيبوا بجروح.

نصّ اتفاق التهدئة الذي تم التوافق عليه في حينه، على وقف إطلاق النار بشكل شامل ومتبادل، مع ضرورة عمل القاهرة على التوسّط للإفراج عن الأسير عواودة ونقله للعلاج، وكذا الإفراج عن الأسير بسام السعدي في أقرب وقتٍ ممكن. وقد أصدرت محكمة عوفر العسكرية الإسرائيلية في فبراير من هذا العام 2023، حكماً بسجن القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، بسام السعدي، لمدة 22 شهراً بشكل فعلي.

حلا، الطالبة التي تستعد لخوض غمار اختبار الثانوية العامة لهذا العام بشيء من الخوف والأرق، مثلها مثل كل من يستعد لهذه المرحلة المفصلية في الحياة، بدأت هذا العام دون أي ضغوط او منغصات، فهي طالبة متفوقة طوال الأعوام السابقة، وتعيش في جو أُسري ملائم ومُراعي لمتطلبات هذه المرحلة. ومع اقتراب هذه المرحلة من نهايتها، بدأت مشاعر الخوف والقلق عندها، وهو ما يُعتبر إيجابيًا في بعض الأحيان. ولكن، بوجود عوامل سلبية أخرى، فقد يكون الوضع مختلف تماماً. فمع ارتفاع درجات الحرارة وعدم وجود أجهزة تبريد بسبب انقطاع الكهرباء المستمر والذي زاد وطأته مع العدوان الأخير على القطاع، ومع صوت الانفجارات والطائرات المُزعجة، وتقلب الوضع النفسي داخل الأسرة بسبب الأحداث الجارية وارتقاء الشهداء، يتحول الخوف الطبيعي والأرق الى تشتت وإحباط واكتئاب، ربما يقود الى لا مبالة.

في هذه الجولة الأخيرة من العدوان، والتي استمرت لمدة ثلاث أيام، واستشهد فيها 34 فلسطينياً وفلسطينية، بينهم 7 أطفال و4 نساء، وأصيب نحو 147 فلسطينياً وفلسطينية، وقُتل إسرائيلي واحد، توصل الطرفات فيما بعد لاتفاق تهدئة ينص على وقف استهداف المدنيين وهدم المنازل وأيضا استهداف الأفراد. وهذه تعتبر الجولة الثالثة من الحروب التي تنجح إسرائيل فيها في تحييد حماس ميدانياً.

السؤال المطروح هنا، ماذا حققت الفصائل الفلسطينية خلال جميع هذه الجولات من العدوان من إنجازات حقيقية على صعيد القضية الفلسطينية؟! أو ماذا حققت من تقدم في حياة الشعب الفلسطيني في غزة انسانياً وحقوقياً وخدماتياً؟!

السؤال مطروح لك، عزيزي وعزيزتي القارئ/ـة..ماذا حققنا من إنجازات حقيقية وملموسة؟!

سواء كان هناك اتفاق أو اختلاف على الإنجازات الواقعية للسبع جولات من العدوان، من المؤكد أنه لابد من وقفة حقيقية لمراجعة اخفاقاتنا ونجاحتنا منذ بدء أول عدوان على غزة، وبشكل واقعي أكثر، هناك ضرورة حقيقية للوقوف على ما آلت له قضيتنا الفلسطينية منذ بدء الصراع الداخلي الفلسطيني على السلطة الزائفة. فمنذ العدوان الأول على قطاع غزة وحتى الجولة السابعة الأخيرة، ارتقى نحو 4,328 شهيداً وشهيدة، وإصابة نحو 25,401 جريح وجريحة، أغلبيتهم أُصيب بإعاقة دائمة سوف تلازمه/ـا ما تبقى من حياته/ـا. كما تم تدمير نحو 61,791 وحدة سكنية بين تدمير كلي وجزئي.  في المقابل، لم تنفذ إسرائيل أي شرط من شروط التهدئة المتفق عليها على مدار السبع جولات، سوى زيادة بضعة أميال من مساحة الصيد كانت دائماً ما تتقلص مع مرور الوقت. ناهيك عن تردي الأوضاع الإنسانية والخدمات الأساسية التي تكاد تكون شبه معدومة، فمجموع عدد ساعات انقطاع التيار الكهربائي في اليوم الواحد يصل الى 12- 20 ساعة يومياً، ست عائلات من أصل عشرة تعاني من انعدام الأمن الغذائي، كما أن نسبة البطالة وصلت لـ 49% مع نهاية عام 2021, مقارنة بـ 23% في 2005. وبالنظر للخدمات الصحية، فهناك تراجع ملموس في خدمات الرعاية الصحية وصلت لـ 66%، فهناك 1.4 سرير لكل 1000 شخص في المستشفيات، ونسبة نسبة العجز في الأرصدة الدوائية تصل لـ 47%، كما يحتاج المريض لـ23 يوم للنظر في طلبات الحصول على تصريح لتلقي العلاج خارج غزة عبر معبر إيرز، فقد وصل عدد من سمح لهم بالسفر شهريًا عبر معبر إيرز خلال 2020 لـ 4600 مريض ومريضة، مقارنة بـ 30،000 في عام 2005، كما أن عدد حالات الوصول والمغادرة شهريًا عبر معبر رفح وصل لـ 4245 في عام 2020، مقارنة بـ 40،000 عام 2005. 80% من الشعب الفلسطيني في غزة يعتمد على المساعدات والمنح، كما أن 35% من الأراضي الصالحة للزراعة محظور العمل فيها، و95% من الصيادين في القطاع يعيشون تحت خط الفقر.

وعليه، من الضروري إطلاق حوار وطني شامل حول سبل إنهاء الانقسام، وصولًا إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، على أسس من الشراكة الوطنية والديمقراطية، والتوافق على برنامج وطني يناضل من أجله الكل الفلسطيني. هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في دور السلطة الوظيفي، كسلطة تحت احتلال، وتأكيد واجبها الوطني في إسناد ودعم مسيرة التحرر الوطني الفلسطيني، وبما في ذلك فك الارتباط مع التزامات اتفاقية أوسلو.

على الكل الوطني، إبطال سياسة إسرائيل القائمة على "فرق تسد"، والقائمة على تحييد السلطة الفلسطينية، أو أي فصيل فلسطيني، عن أي صراع سياسي أو ميداني، أو أي تفاهمات أو اتفاقات، من شأنها تكريس مبدأ تجزئة القضية الفلسطينية، على حساب الأهداف الوطنية والقواسم المشتركة للفلسطينيين جميعًا.

وأخيراً، قد يطول عمر الاحتلال طالما بقي المشهد الفلسطيني والعربي والدولي على ما هو عليه، ولكن سيقصر حتما وتنكسر شوكة الاحتلال يوم تتغير الأحوال ويغيب شبح الانقسام الذي به يستمد الاحتلال قوته وجبروته.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير