عصام غالب عواد يكتب.. في سيكولوجية التطرف والعدوان داخل المجتمعات

29.09.2022 03:23 PM

 

على الرغم من أن البعض منهم قد يعجب به بشكل غير مبرر، إلا أن الناس عادة يخشون العنف ويكرهونه. وهذا المزيج من المشاعر إن دل على شيء فإنه يدل على أن هذه الظاهرة نشأت من أعماق الروح البشرية. وأننا غالبا ما نكون في مثل هذه الحالة العاطفية عند تفسيرها والتي من المهم تبريرها.

إن العنف غالبا ما يتم تحديده بأشكاله الجسدية والسياسية والدينية الفجّة. ومع ذلك، فإن هناك العديد من أشكال السلوك والوعي الأخرى التي تُنسب إلى العنف، ولكن المعظم لا يستطيع التعرف عليه كقاعدة. كما أن هناك أحداث يومية كالتحيز الجنسي، والتفرقة العمرية، والعرقية، والتمييز الأخلاقي وما إلى ذلك. وقد نقول الشيء نفسه عن العدوان والتطرف. ولذلك يمكن فهم هذه الظواهر على أنها كل سلوك وأفكار غير طبيعية لأشخاص يجدون معنى الحياة ومتعتها في إنكار القيم والأعراف المقبولة مجتمعيا عموما. وهنا يمكن القول إن العدوان والتطرف هما جانب جوهري للبشر لأنه يمكن العثور عليهما في كل مكان في حياة الإنسان، سواء في العلاقات التي تقوم على الخصائص البيولوجية، أو في النشاط الاجتماعي أو حتى في الوجود الروحي للبشر.

إن السمة المحددة للشرط الحديث للفلسفة هي التطلع إلى حل المشكلات التي تظهر إلى الوجود بين الخطوط الفاصلة للعلوم. ويكتشف التوليف الفلسفي الهياكل المتشابهة في المجالات البشرية المختلفة ويستخلص بعض الاستنتاجات المثيرة للاهتمام من هذا التطابق. ففي الوقت الحاضر، لا يوجد تفكير فلسفي عام للعنف والعدوان والتطرف كجانب جوهري من البشر مما يدفعنا لمناقشة أسئلة محددة مثل: ما المعنى العام للعدوان والتطرف في الحياة؟ ما هي الاختلافات في الجوهر بين العدوان البيولوجي والعدوان والبشري؟ ما العوامل التي يوفرها استيطان العنف في الحياة البشرية؟ وما هي محددات التطرف الرئيسية؟ وأخيرا، ما الوظائف التي يؤديها التطرف؟
لقد أصبح من المعروف أن العدوان والتطرف ظاهرتان شائعتان في الطبيعة. ويمكن القول إنهما جانبان نشطان في الحياة تكمن أهميتهما في حقيقة ميتافيزيقية مهمة مفادها أن كل مخلوق يجب أن يحتفظ بمكانته في الوجود ويحافظ عليها، وهذا يعني أن الحفاظ على الذات يتضمن نشاطا معينا يأخذ شكلا من أشكال القوة الدافعة للند بعيدا، وهذه القوة "من وجهة نظر المتصارعين" لا تحمي فقط من الآخرين، ولكنها أيضا توفر ذخرا عقليا يتم تجديده باستمرار على مر الأجيال القادمة. وهناك جانب آخر غير نشط هو المصالحة والإيثار، حيث إن هناك اتجاهان في تحقيق الذات للطاقة الحيوية نستنتج من خلاله مجازاً أن العدوان هو دفاع استراتيجي عن الحياة باعتباره تحقيق للذات للأنواع في مواجهة الآخر. ولعل من المهم الاستطراد بأن العدوانية تعمل على تحسين تخصيص الموارد على حساب الآخرين باعتبارها أحد أنواع الانتقاء أو الفوقية أو التمييز وهو ما يتجسد بمفهوم "إلحاق الضرر بالآخر".

ويمكن فهم ظاهرة العدوان على أنها "فعل إلحاق الأذى بالغير أو الآخر عن قصد" تكون فيه السمة الأساسية هي النية أو النفعية التي يؤدي فيها تطور الوعي إلى تغيير جذري في بعض خصائصها. وعموما فإن الجنس البشري يحتفظ بعدة أشكال من العدوانية البيولوجية والتي يغيرها الوعي ويتحكم في حدتها زيادة أو نقصانا، وعليه يجب فهم العدوانية البشرية على أنها حالة جديدة مقارنة بالعدوانية البيولوجية في حالة رمزية فريدة من الوجود متولدة من صفات رئيسية جديدة مثل الهوية الذاتية البشرية والذاكرة. وفي المقابل، فقد يتحول العدوان والتطرف إلى سلسلة طويلة من الأحداث كتراكم لسلسلة أو خطوط سلوكية شخصية مقصودة يكمن السبب الرئيسي فيها في فشل فهم بعضنا البعض. ولفهم ديناميكية العدوان والتطرف تجاه الآخر يمكننا القول إنه ونتيجة إنشاء كل جزء من الحياة اليومية لبعض المجموعات المستقرة التي تولد قيمها الخاصة ونظم الرأي الخاص بها، نشأ نوع من عدم/سوء الفهم للعديد من الحدود بين هذه الأنظمة مما شكل سببا جذريا للعدوان البشري انتقل في مرحلة لاحقة ليصبح عدوانا بنية واعية كاملة تتضمن نمذجة للأفعال القادمة المبررة والتي تم إضفاء صفة الشرعية عليها باستخدام مصطلحات استحدثت خصيصا لتبرير الأفعال كما هو الحال في تعريف الإرهاب، التخريب، والجريمة. وقد تختلف الإجراءات كثيرا من التلميحات إلى التأثير المادي المباشر بحيث يصبح بالإمكان رؤية الهيمنة للرموز غير المباشرة. علاوة على ذلك، فإن العدوان البشري هو عدوان يمكن أن نسميه عقلاني ووقائي ومتكافئ، فمن السهل أن نقول إنه يوجه القواعد الثقافية لمجتمع معين، إلا أن السمات البيولوجية القديمة للعدوانية تظل في السلوك الفردي للناس. كما أن هناك ردود فعل عاطفية ظرفية في الحياة الروتينية وأشكال عدوانية مرضية فطرية. إذن، فما معنى العدوان في عالم البشر؟ تكمن الإجابة هنا في ضرورة الاعتراف بأن هناك إعادة توزيع نشطة دائمة في طيف واسع من التفاعل الاجتماعي. كما أن هناك إعادة توزيع للموارد في حالة نقصها. صحيح أن هناك فترات من الهدوء والتسامح في عمليات التوزيع الاجتماعي للموارد، لكنها بالأحرى توقف مؤقت في النضال الاجتماعي الدائم والمستمر. إن مراحل القتال الاجتماعي الواضح هي ببساطة أكثر عابرة من مراحل السلام ولذا يتم تفسيرها عادة على أنها شيء نادر.

إن التطرف يشكل سمة من سمات وعي المجموعة المحددة. ويعتقد أن التطرف والعدوان كظاهرة بيولوجية مختلفان تماما، ولا يمكن القول إن التطرف ينبع مباشرة من العدوان. حيث يمكن تفسير العلاقات بين التطرف والعدوان على نحو مشابه للصلات بين الشكل والمحتوى يعطي فيها التطرف كشكل اجتماعي واعٍ نشط بعض الأشكال المميزة للنشاط العدواني البدائي. والتطرف هو عدوان يتم تصوره في بعض الوعي الجماعي.  بل هو أقرب ما يكون إلى مشروع حياة تم تشكيله لا شعوريا من قبل نظم سياسية ترغب في تغذية مجتمعاتها بأفكار موجهة ومحددة لا تحيد عنها وبالتالي تبرير وجعل تصرفاتها أكثر أخلاقية في نظر هذه المجتمعات، وتتجلى هذه في دول استعمارية حديثة استخدمت هذا النوع من الخطاب من أجل ضمان استمرار إعطاء مبررات أخلاقية لجرائم ضد الآخر، وهذا الأمر يُظهر سببا وجيها لتطلعات طموحة لبعض الجماعات التي تحتاج إلى القوة أو الشهرة على مستوى أصغر. من ناحية أخرى، فإن التطرف يعبر عن هوية محددة لبعض الجماعات التي هي في حالات خلاف مفتوح مع معايير وقيم الثقافة المهيمنة وتتجلى هذه الهوية في نواحٍ كثيرة، فهناك على سبيل المثال أسلوب حياة متحدي، وملابس معينة.

إذن، ما العوامل التي يوفرها استيطان التطرف في الحياة البشرية؟ إن أشكال الوعي الشديد تتولد عن طريق بعض العوامل الدائمة، أولها هو عامل أنثروبولوجي يقوم على ثلاثة أشكال من الفروق الطبيعية. أحدها هو الفروق بين الرجل والمرأة، فكلا الجنسين لهما طريقتهما في السلوك وأسلوب التقدير والتفكير، لكن الحقيقة أن كلا الجنسين متكافئين في المعنى الوجودي لكن مواصفاتهما الطبيعية حددت مسبقا تاريخياً أداءً ناجحا في قطاعات مختلفة محددة من الوجود البشري. ويحدد هذا الوضع الأنثروبولوجي تطور هيمنة الرجال واحتجاج النساء، وهكذا فإن الصراع يتجذر في حالة أنثروبولوجية بدائية لاختلافاتهم الطبيعية. ويتمثل الصراع في الشوفينية الذكورية والنسوية الراديكالية، إلا أنه ومن الضروري ملاحظة أن الأهداف النهائية للسياسة الجنسية أو الصراع على السلطة في الحب والأسرة هي الحقيقة الكاملة لهذا الصراع.  والشكل آخر من أشكال عامل التطرف الأنثروبولوجي هو الفروق العرقية الطبيعية، فتجد هناك قومية راديكالية وصراعات عرقية، فغالبا ما تكون القومية الراديكالية شكلاً فعالاً من أشكال التعبئة العرقية على طريقة التحول المتسارع لمجتمع عرقي غير مؤكد إلى أمة كما هو الحال في تجربة الصهيونية. وعموما فإن هناك نوعان من القومية الراديكالية، "قومية الدم" و "قومية الفكرة" ومن حيث الجوهر، فهناك نوعان تاريخيان لتطور القومية الراديكالية. فـ"قومية الدم" أو القومية الراديكالية القديمة تقوم على شعور أكثر قتامة بتفردها العرقي الفطري ثم على مفهوم أو أيديولوجية معينة. وقد ظهرت "القومية أو الفكرة" أو القومية الراديكالية الحديثة منذ حوالي 2-3 قرون عندما "شيد" المفكرون القوميون والطبقة الوسطى لغتهم الوطنية وأدبهم وهويتهم الوطنية في سلسلة من الحركات القومية والثورات والحروب في أوروبا الغربية، إلا أن كلاهما يمكن أن يولد الإبادة الجماعية في بعض الظروف التاريخية المعينة كما نشأت أشكال القومية العنصرية من مثل هذه المواقف.

والشكل الثالث للعامل الأنثروبولوجي الذي يولد التطرف هو الفروق بين الأجيال، فلكل جيل سمات مميزة جادة للتنظيم الذاتي النفسي، فالمراهقون أو الشباب الذين هم في حالة تحول نفسي فسيولوجي خطير للغاية إلى بالغين لديهم وعي مختلف نوعيا عن الأعمار الأخرى وتجد هناك وعياً رومانسياً مثالياً بفارغ الصبر وهوية متقلبة كما هو الحال لدى الشباب في المجتمعات العربية. عموما، فإنه من المسلم به ومنذ فترة طويلة أن الصراع المستمر بين الأجيال استمر طوال تاريخ البشرية وقد تم تنظيمه سابقا من خلال التقاليد التي تم تدميرها لاحقا في عصر العقل مما سبب فجوة بين الأجيال لم يستطع الشاب فيها فهم الأجيال السابقة واصطدم معها.

ويمكن اعتبار السبب الأساسي الثاني للتطرف العامل اجتماعي، حيث إن كل مجتمع منظم في التسلسل الهرمي. لذلك فإن القيد والعنف واستغلال الإنسان من قبل الإنسان هي أشكال طبيعية للتطور الاجتماعي وهي تعديلات وتطويرات على العدوانية البشرية. وبالتالي يمكننا القول عن بعض الفئات الاجتماعية التي عادة ما يكون لديها وعي شديد ما يلي: أولا، إن هناك مجموعات مؤثرة جديدة ليس لديها سلطة دولة وتسعى جاهدة لامتلاكها، وهناك أيضا طبقات مضطهدة تناضل ضد الجماعات المهيمنة بطرق مختلفة حتى الثورة. ثانيا، هناك جماعات هامشية متنوعة تكره الثقافة المهيمنة وتسعى جاهدة لتأسيس ثقافتها العدائية.  وهناك أيضا، على سبيل المثال، ثقافات فرعية إجرامية وحركات دينية جديدة. أيَاً يكن من أمر فإن كلا النوعين من المجموعات غير الممتثلة يظهر درجة عالية من العزلة الذاتية والعداء. ثالثا، غالبا ما يكون هناك مثقفون ينتقدون الإيثار يشعرون بسخطهم من الظلم الاجتماعي ويخلقون أفكارا غير ملتزمة بالمزاج والنظام العام.

وبالانتقال للسبب الثالث للتطرف وهو العامل العقلي. فوعي بعض الناس يميل نحو تنمية الذات، كما إن التطور الروحي لمثل هذا الوعي يخلق عوالم بديلة رمزية جديدة تتميز بشحذ المثالية والاغتراب عن العالم الحقيقي، ونتيجة لهذه العمليات ظهر نوع معين من المثقفين الذين لديهم دافع غير عادي للحياة يتجلى بتجاوز للكيان الذاتي أو رغبة قوية في تجاوز حدود الواقع الطبيعي. وغالبا ما يكون هذا الموقف الراديكالي المتطرف غير المألوف نموذجيا لبعض الفلاسفة والفنانين والمفكرين الدينيين والنخب المثقفة. وخلافًا للاعتقاد الشائع، فقد دعا الفلاسفة الراديكاليون للتساؤل حول أفكار الواقع الموضوعي والشرطية الاجتماعية للناس والمعنى العام للعالم ونتج عن ذلك ما بدا غريبا جدا بالنسبة لمفاهيم عامة الناس مثل الانغماس والفوضوية وبيان عبثية العالم. وغالبا ما يضع الفنانون الراديكاليون تحديا للمعايير الشعبية للجمال والفضيلة والقيم الجمالية الثقافية السائدة. ولأنه من المعروف أن الطليعية تقدم الفن في العديد من الأسباب التاريخية، فقد قام المفكرون الدينيون بفحص حدود المعرفة والمشاعر الإنسانية من أجل محاولة التعبير عن صورة ومفهوم الخير اللامحدود.

إن العوامل المذكورة أعلاه تحدد بشكل كامل الثبات التاريخي لوجهات النظر المتطرفة بحث أصبح بالإمكان تعريف التطرف على أنه مجموعة الأفعال والأفكار التي تكسر بشكل واضح وحازم معايير الحياة المشتركة أو باعتبارها خطا سلوكيا راسخا يتعارض بشكل واضح مع الممارسات المعتادة للناس. وإذا قمنا باعتبار التطرف ظاهرة جماعية فيمكننا أن نضيف أن التطرف هو أيضا نمط محدد لبعض الجماعات التي تخلق ثقافتها المميزة و "أكوانها الرمزية"، وتكون معاني هذه "الأكوان" الرمزية قوية على عكس آراء الثقافة المهيمنة. وإذا نظرنا إلى التطرف ككل أو كوحدة واحدة، فإننا يمكننا فهمه على أنه بنى تكوينية محددة للوعي تتشكل فيه بعض المواقف المتعمدة التي يتم تشكيلها وإعادة إنتاجها في بعض التنمية الاجتماعية والتي قد تتضمن أربعة أنماط، أولها التصنيف الثنائي لمعاني العالم والذي تنقسم فيه معاني العالم جذريًا إلى جانبين: "الخير - الشر"، "الحقيقة - الكذب"، "النظام - الفوضى" "الجمال - القبح" وما إلى ذلك. والناس الذين يميلون إلى مثل هذا التصنيف يعزون أنفسهم بالطبع كتعبير عن الجوانب الإيجابية، ويقتنع هذا الوعي أن الصراع والنضال هما حالة طبيعية جوهرية في العالم، ونتيجة لذلك، يشعر الأشخاص ذوو الميول المتطرفة بشعور غير منسجم في العالم، كما أن لديهم أيضا الكثير من الخبرة في الكراهية والخوف. والنمط الثاني هو التحيز الذاتي الذي يفخر من خلاله أفراد هذه المجموعات بصفاتهم الخيالية المثالية ويتخيلون أنهم الأفضل بين الناس "كما نرى في سردية شعب الله المختار أو العرق الآري". وبناء على ذلك، فإن لهم أخلاقهم الخاصة التي تعمل فقط لصالحهم ولهذا السبب يقتنعون أنه يمكنهم خداع الآخرين لإخراج بضائعهم واستخدامهم كخدم. والنمط الثالث هو عزو لفشلهم في العداء الدائم للمحيط الاجتماعي، وفي هذا النمط يؤدي الوعي الشديد إلى تجريد الآخرين من إنسانيتهم لأن الأشخاص المنتمين إلى مجموعاتهم هم وحدهم الذين يتم تحديدهم على أنهم "رجال حقيقيون". أما النمط الرابع فهو سيناريو المواجهة والدمار والتغلب. وعموما فإنه قد يمكن اجتماع هذه الأنماط جميعها في نفس الوحدة.

ولتصنيف التطرف يمكن الانطلاق من الافتراض القائل بأن الفروق بين أنواع التطرف المختلفة تتلاشى أكثر من أي شيء آخر في مجال خصوصياتهم العقلية. ويتم تحديد الأشكال البدائية للوعي المتطرف من خلال بعض الخصائص النفسية والظروف الاجتماعية. وفيما يتعلق بعلم النفس، فهناك على سبيل المثال، الوسطية العرقية، والأنانية، وقسوة القلب، والوحشية، والتعصب، وينتج عن ذلك عدم القدرة على فهم الآخرين. أما فيما يتعلق بالظروف الاجتماعية فهناك صراعات عرقية وتمييز على أساس السن والجنس والظلم في الحياة. وفي كل الأحوال فإن الناس في مثل هذه الحالة الذهنية يرتبطون تلقائيا ببعضهم البعض ويتحدون في مجموعاتهم حيث يحبون أنفسهم ويكرهون الآخرين، وبهذه الطريقة يجدون معنى الحياة لأنهم غير قادرين بشكل مستقل على صياغة هدفهم في الحياة. وما يميز هذه المجموعات أنها تتشكل بداية بشكل عفوي وبعد ذلك تبدأ بتشكيل أيديولوجيتها وقادتها بشكل متضارب. فتجد هناك مجموعات قومية راديكالية متحيزة جنسيا، أو تجد جماعات شبابية إجرامية.

وعلى النقيض من ذلك، يتم إنشاء الأشكال الروحية للوعي المتطرف من خلال الأفكار. فتجد النخبة المفكرة والمثقفة لديهم هم قادة سياسيون ودينيون ذوو كاريزما وفنانون وفلاسفة راديكاليون، ويتحد العديد من الأشخاص هنا في محاولة لتنفيذ أفكارهم المميزة. ويمكن القول إن العوامل الرئيسية لتشكيل هذه المجموعات هي المُثُل. فغالبا ما تحتوي هذه المثل العليا على سمات إثباتية للأنماط المتطرفة. على سبيل المثال، هناك أديان متسامية، وأيديولوجيات طوباوية، بعض المذاهب الفلسفية. فنرى أن معاني كلمات البحث المتطرفة هذه مجردة ورمزية للغاية. وهي منظمة مع أضداد وجودية ثنائية: "الروح والمادة"، "الله والشيطان"، "القدر والحرية" وما إلى ذلك. وهنا تحاول الروح البشرية تجاوز حدود المصير البشري. وما يثير الدهشة أن غالبية أشكال الوعي هذه لها أنماط متشابهة من التنظيم الذاتي التي يلتقي فيها المتطرفون وينفون العالم المعقول الذي نعيش فيه. في الوقت نفسه، نجد بعض الاختلافات الجدية بين هذه الأشكال، فتجد اختلافات في مستويات النمو العقلي.

تجدر الإشارة إلى أن الموقف العام السائد تجاه التطرف متطرف بحد ذاته إلى حد ما. فقد تم التأكيد بشكل متكرر على أن المتطرفين هم أشرار أو حتى وحوش غير إنسانية، وهنا ينقطع اليقين من صحة هذه الفرضية. فأن نبدأ بالتفكير والتصرف بمنطقهم المتطرف هو انتصار لهم وهو فوزهم، ببساطة لأنهم يفرضون علينا آرائهم وقواعدهم. ومن ناحية أخرى فإن تمكننا من القضاء على جميع المتطرفين، فإن متطرفين جدد سيظهرون بعد فترة. ومن المفارقات أن هذا العالم ولد وسيولد التطرف. وبالتالي، فالرغبة بالقضاء على تهديد التطرف تلزمنا بتغيير عالمنا أو أنفسنا انطلاقا من فرضية أن الأسباب الرئيسية لتحول الأفراد أو المجموعات إلى التطرف هي عدم الرغبة القوية في فهم الحالات والثقافات العقلية للآخر، ونقص النقد الذاتي ورفض التنازل عن الامتيازات. وعليه فإن الفهم الجديد والتغيير المترابط لا يمكن إلا أن يحول التطرف إلى أشكال مقبولة.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير