القرارات بقانون... وصياغة التشريعات ... والمشاورات العامة

15.08.2022 10:44 AM

بقلم: طارق طوقان


يتابع المجتمع الفلسطيني منذ فترة تزايد احتجاج المجتمع القانوني ومؤسسات المجتمع المدني بخصوص القرارات بقانون التي صدرت مؤخرا. حيث تصاعدت هذه الاحتجاجات بعد سلسلة من القرارات والفعاليات  التي اتخذتها نقابة المحامين الفلسطينيين، احتجاجا على الرزمة الأخيرة من القرارات بقانون والتي تعلقت بالسلطة القضائية وبخصوص وإعادة تنظيم إجراءات التقاضي أمام المحاكم الفلسطينية، وشروعها في اضراب نقابي وخطوات احتجاجية مهنية ضد ما يعتبره المحامون والحقوقيون مساساً بالحقوق الدستورية والقانونية للمواطن الفلسطيني، وما تعتبره النقابة، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية والمؤسسات الدولية المختصة، خرقاً لقواعد قانونية ودستورية أساسية بخصوص إجراءات التقاضي في القضايا المدنية والجزائية وكذلك قانون التنفيذ ومساساً ببنية واستقلال السلطة القضائية وانتقاصا من ضمانات التقاضي والحقوق الأساسية التي يتمتع بها المواطنون الفلسطينيون بموجب

أحكام القانون الأساسي والمواثيق والمعاهدات  الدولية التي وقعت عليها السلطة الوطنية الفلسطينية..
بداية فإن اشكالية القرارات بقانون ليست بالأمر المستجد على الساحة الفلسطينية. فقد نشأت هذه الإشكالية منذ حدوث الانقسام البغيض بين شقي الوطن وما ترتب على هذا الانقسام من تجميد للمجلس التشريعي الفلسطيني، وتعطل العملية التشريعية برمتها تبعا لذلك وما تبعه من حل للمجلس التشريعي نتيجة لذلك. فقد تم اللجوء من قبل الحكومة ومؤسسة الرئاسة منذ العام 2007 إلى تفعيل المادة (43) من القانون الأساسي الفلسطيني، والتي تتيح لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون بشكل كبير، وقد شهدت الفترة الأولى التي تبعت الانقسام وتعطل العملية التشريعية محاولات عديدة من طرف الحكومة وبطلب ومتابعة من طرف مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني لخلق آليات تضمن ضبط جودة ونسق القرارات بقانون. فظهرت الخطة التشريعية للحكومة والتي كان الهدف منها أساسا ترشيد عملية اصدار القرارات بقانون، وألا يصل إلى مكتب الرئيس إلا ما كان تشريعا ضروريا وينسجم مع مقتضيات المادة (43) من القانون الاساسي المشار إليها أعلاه، وأن يتم العمل على التشريعات وفق منهجية محددة تضمن الحقوق والحريات العامة وتحقيق مصالح المجتمع الذي نعيش به. لكن مع استمرار فترة الانقسام وامتدادها إلى الوقت الحاضر ومع تزايد حاجة المجتمع الفلسطيني سواء في القطاع الخاص أو العام والأجهزة الإدارية الفلسطينية إلى معالجة مواضيع تواجه المجتمع وتواجه الإدارة، أصبح اللجوء إلى إصدار القرارات بقانون وتصديرها إلى النظام القانوني والتشريعي الفلسطيني الحل الأول لدى الحكومة وأجهزتها، بحيث بلغ عدد القرارات بقانون حتى اللحظة ما يقارب أربعمائة قرار بقانون بحسب إحصائيات الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان.

لعل من أهم الإشكاليات التي ظهرت بالتزامن مع هذه القرارات بقوانين، وأصبحت هذه الاشكالية أكثر وضوحا مؤخرا هو غياب المشاورات واستبعاد آليات التشاور عن عملية إعداد التشريعات الفلسطينية وصياغتها. هذا على الرغم مما توفره عملية المشاورات والتشاور من ضمانات هامة وأساسية في عملية صياغة وإعداد التشريعات من حوار واضح وشفاف للتشريع، ولما تضمنه من وجود اتفاق على هذه التشريعات. فالتشريع، أي تشريع، يجب أن يكون متوافقا مع احتياجات المجتمع الذي وجد لأجل تنظيمه وملبيا لأغراضه، وإلا كان محاربا من قبل المجتمع نفسه أو في أفضل الحالات أصبح تشريعا غير ذا صلة بواقع المجتمع. هذا ما نلاحظه من تجارب العديد من الدول الأخرى التي تعتمد المشاورات كجزء أساسي من عملية إعداد التشريعات وكركن من ضوابط إصدار تشريعات مقبولة مجتمعيا، حيث تولي العديد هذه الدول، حتى التي تنتظم بها العملية الديموقراطية بوجود مجالس تشريعية وبرلمانية منتخبة، تولي أهمية كبيرة لعملية المشاورات العامة في جميع مراحل العملية التشريعية من لحظة التفكير بوضع التشريع من قبل صانع القرار أو طالب التشريع أو معد السياسة التشريعية، ومن خلال إعداد عناصر السياسات التشريعية الخاصة به مرورا بعملية قياس الأثر التشريعي وعرضه بشكل علني وللجهات المعنية به على وجه الخصوص لحين الوصول لمرحلة  إصدار نص التشريع، وذلك بهدف التحقق من مساهمة المجتمع والجهات ذات العلاقة في عملية تحضير التشريع ومناقشة السياسات التشريعية الخاصة به، ومن ثم نصوصه القانونية بما ينسجم مع السياسات العامة للدولة ومصالح المجتمع والجهات ذات العلاقة.

تعتبر المشاورات العامة بشكل أساسي عملية رسمية تساهم في جمع الآراء من المواطنين والمؤسسات والجهات ذات العلاقة حول سياسة أو قانون أو قرار قائم أو مقترح، وتضمن تواصلاً تشاركياً وتفاعلياً بين السلطات العامة والمواطنين. وفيها إظهار للنية الجدية من جانب صانع القرار للتواصل مع جميع الجهات التي يحتمل تأثرها بموضوع التشريع أو السياسة أو القرار، والأهم من ذلك كله التعامل معها. فمن الضرورة بمكان أن يخضع كل قانون مهم لمشاورات حقيقية وشاملة مع كافة الأطراف ذات العلاقة، قبل اعتماده وإصداره، وهذا يقتضي الشروع في المشاورات العامة عند دراسة الخيارات التشريعية. فالمشاورات العامة تتم على أساس سماع رأي الأشخاص من فئات وجهات مختلفة بهدف مراجعة المسائل الجوهرية التي تتعلق بحياة هؤلاء الأشخاص والتباحث فيها. كما تكفل المشاورات العامة تحقيق الشفافية في الإجراءات والآليات المتبعة في إعداد التشريعات ورسم السياسات في الدولة، وتؤمن للمواطنين الحق في الوصول الى المعلومات، مما يؤمّن الدعم والمساندة لهذه التشريعات، ويعزز تقبل المجتمع لها والالتزام بها، كما يمكن للمشاركة العامة أن تساهم في تعزيز الامتثال لهذه التشريعات والتقيد بها، ما يؤدي بالنتيجة الى خفض تكاليف إنفاذها وتطبيقها.

كما تهدف المشاورات العامة الى تقديم معلومات واضحة ومفصلة قدر الإمكان حول المقترح التشريعي أو التشريع الجديد للفئات المستهدفة والمعنية، والوقوف على وجهات نظر الجهات المعنية والمواطنين في شأن التشريع المقترح والسياسة التشريعية له، وكذلك تحديد مواطن الخلاف أو الرفض التي قد تنشأ حول المقترح التشريعي، ومحاولة حلها ومعالجتها في المراحل الأولى لسن التشريع وإعداده وقبل وصوله إلى مرحلة الإقرار والإصدار. وأخيراً وليس أخراً فإن عملية التشاور والمشاورات العامة تضمن التحقق من مدى انسجام وتناغم التشريع المقترح مع التشريعات الأخرى الموجودة أصلاً في النظام القانوني للبلد، وكذلك إشراك ذوي الخبرة من أهل القانون في إعداد هذه التشريعات ومراجعتها.

حاليا والحال الفلسطيني على ما هو عليه من انسداد الأفق السياسي الداخلي، وفي ظل عدم وجود انتخابات عامة تؤدي إلى مجلس تشريعي منتخب، ومع أننا كمواطنين وكحقوقيين نفضل وندعو إلى أن تعود العملية التشريعية بيد المجلس التشريعي صاحب الولاية العامة والحق الأساسي في التشريع، لكن ولأن طبيعة الأمر في المجتمعات البشرية هي الحركة وعدم التوقف، فإن مأسسة عملية التشاور والمشاورات العامة يعتبر الطريقة الأفضل لإشراك كافة مكونات الشعب في عملية إعداد وإصدار التشريعات، حتى وإن كانت من نوع القرار بقانون. فتكريس هذا النهج ومأسسته (ونقصد هنا المشاورات العامة) تؤدي بالتأكيد إلى تعزيز مشاركة المجتمع بقطاعاته المختلفة في عمليات صنع القرار بمختلف مستوياتها التنظيمية. فيجب ألا تقتصر العملية التشريعية وإعداد التشريعات على دوائر مغلقة أو أشخاص محددين يتم استشارتهم دون غيرهم، مما قد يديم و/أو يبقي و/أو يؤجج حالة الاضطراب التشريعي والاعتراضات المجتمعية. فيبقى اللجوء إلى المشاورات العامة باعتباره الحل الأفضل والأمثل للخروج من هذه الحال. هذا النهج وتبني المشاورات العامة كآلية أساسية في إعداد التشريعات يحتاج إلى قرار سياسي بداية، ومن ثم يحتاج إلى مأسسة للعملية التشاورية مبنية على جهد حقيقي من قبل الجهات الرسمية (الحكومية تحديداً) والجهات ذات العلاقة (من مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات).

أما اليوم وبعد أن اصدر السيد الرئيس الأسبوع الماضي قراراً بإلغاء العمل بالقرارات بقانون الأخيرة، وتحديدا التي تعلقت بالشأن القضائي، والتي سببت احتقانا وردات فعل سلبية على مستوى الشارع الحقوقي الفلسطيني، وهذا في رأينا هو القرار السليم والصائب، نرى بأن الطريقة الأفضل للخروج بشكل كامل من الأزمة، ومن أي أزمات لاحقة تلوح في الأفق، يكون بأن يتم ترشيد عملية إصدار القرارات بقانون، وأن تصبح عملية المشاورات العامة والتشاور ملزمة في إعداد جميع التشريعات من خلال إصدار قانون يلزم الجهات الرسمية بالمشاركة المجتمعية وينظم عملية المشاورات بشكل واضح وعملي، يتم فيها نشر مراحل المشاورات ونتائجها من خلال منصة الكترونية، يدير هذه العملية الرسمية ويشرف على حسن سيرها لجنة مؤلفة من قضاة ومحامين واختصاصيين في مجال التشريع ذا العلاقة وممثلين عن الحكومة التي تدعو الى وتطلب إجراء المشاورات العامة، وعلى أن يتوفر لهذه اللجنة جهاز إداري يعاونها ويساند أعمالها من خلال ديوان الفتوى والتشريع، والذي للأسف أيضاً تم إلغاؤه مؤخرا وإلغاء دوره في عملية إعداد التشريعات، وندعو أن يتم إعادته وإعادة دوره المناط به.

بعد إصدار القانون المتعلق بإلزامية المشاورات العامة وتشكيل هذه اللجنة ورفدها بالخبرات المناسبة، يتوجب على أي جهة رسمية ترغب بسن تشريع أن تطلب من اللجنة إجراء المشاورات حول الفكرة التشريعية التي تطرحها وأن تحدد الغرض الذي ترمي اليه من خلال إطلاق المشاورات حول الأداة التشريعية المقترحة. من خلال منصة التشاور الالكترونية التي يتم انشائها لتعمل بالتوازي مع المشاورات الشفاهية والخطية، بحيث يتم نشر هذا الطلب والمذكرات الإيضاحية التي تم تزويد اللجنة به من خلال منصة التشاور الالكترونية، لضمان وصول المعلومات المتعلقة بالتشريع المقترح إلى أكبر عدد من الفئات المستهدفة، كما ويتم تلقي الملاحظات والمذكرات المكتوبة من الفئات المستهدفة من خلال المنصة الالكترونية. ويتم في نهاية عملية المشاورات نشر تقرير من قبل اللجنة بخصوص كافة المشاورات التي تمت والآراء التي تم دراستها ونقاشها، وبالتالي ما تم إعتماده أو ما تم رفضه والأسباب التي دعت لرفضه.

أخيراً وليس أخراً، لعل البعض يرون الجانب الإيجابي في ضرورة سن العديد من هذه القرارات بقانون وأهميتها لتحسين وتطوير تنظيم العلاقات في المجتمع في ظل غياب المجلس التشريعي والحاجة إلى تطوير التشريعات القائمة ومعالجة شؤون المجتمع، ولعل الكثيرون في نفس الوقت يرون أن الحل الأفضل والأمثل يكون في إعادة إحياء المؤسسة التشريعية من خلال مجلس تشريعي منتخب، وعدم الوقوع في فخ المخالفات الدستورية والقانونية، لكن في ظل الجمود الذي نعيشه وفي ظل استمرار حالة الاحتقان فلا بد من أخذ خطوة حقيقية لفك هذا الجمود ولتخفيف هذا الاحتقان، ولن يكون ذلك إلا من خلال مأسسة عملية التشاور والمشاورات العامة، لعل هذه المقالة وهذا الرأي يقع في أذن من يهمه الأمر، فهي كلمات حق وأمانة لا خير فينا ان لم نقلها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير