عن شموخ مي آل خليفة: خذوا المناصب واتركوا لي الوطن

07.08.2022 10:20 AM

كتبت نهى نعيم الطوباسي: انتشر هاشتاج " شكرا مي"، قبل أيام على كافة مواقع التواصل الإجتماعي في البحرين، وعلى امتداد الوطن العربي، دعما وفخرا وتكريما لرئيسة الهيئة البحرينية للثقافة والآثار، الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، عقب إقالتها من منصبها تزامنا مع رفضها مصافحة السفير الإسرائيلي لدى البحرين، في مناسبة نظمها السفير الأمريكي في المنامة.

مي آل خليفة، هي ابنة الأسرة الحاكمة، وكاتبة ومثقفة بحرينية، تم تصنيفها ضمن النساء الخمسين الأكثر تأثيراً في العالم العربي من قبل مجلة فوربس عام 2005، وحائزة على عديد الأوسمة الفخرية والجوائز العالمية والعربية.

موقف الشيخة مي العروبي الشجاع والأصيل، وقبله مواقف عديدة كانسحاب مشاركين عرب من فعاليات ثقافية أو فنية أو رياضية لمشاركة اسرائيليين فيها، مثل انسحاب اللاعب الجزائري فتحي نورين، من أولمبياد طوكيو بعد رفضه مواجهة لاعب إسرائيلي، واعتباره أن فلسطين قضية مقدسة. وانسحاب السوداني محمد عبد الرسول في تموز 2021، من منافسات الجودو الأولمبية ورفضه ملاقاة  الإسرائيلي طاهار.

في كل ذلك ما يدعو إلى التفاؤل، وأن هناك تعارضا بين مواقف القيادات الرسمية من التطبيع ومواقف شعوبها، ويؤكد أن الأمة العربية ما زالت بخير، خصوصا بعد خيبات الأمل التي شعر فيها الشعب الفلسطيني، بعد سلسلة اتفاقيات التطبيع مع اسرائيل (اتفاقيات ابراهام) ، ومرورها بهدوء  من دون ردود فعل عليها شعبية أو رسمية تناسب حجم التهديد الذي يحيق بالأمة العربية والقضية الفلسطينية جراء التطبيع مع إسرائيل. مثلما حصل أثناء توقيع اتفاقية كامب في مصر ومعظم  الدول العربية، حيث اندلعت موجة غضب واسعة على المستويين الشعبي والرسمي، واتخذت جامعة الدول العربية موقفا تاريخيا فنقلت مقرها من القاهرة إلى تونس احتجاجا على الاتفاقية. وعقدت القمة العربية في بغداد عام 1978، فأكدت رفض الاتفاقية، وعلقت عضوية مصر في الجامعة العربية واتخذت جملة من القرارات لمقاطعتها.

يؤكد موقف الشيخة ميّ على نتائج استطلاع الرأي العام الذي أجراه "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، ويفيد أن هناك تراجعا ملحوظا، في نسبة مؤيدي إتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، في كل من السعودية والبحرين والإمارات لتصبح "أقلية". ويؤكد على نتائج المسح الذي أجراه المعهد الأميركي التابع للجنة العلاقات الأميركية الإسرائيلية "آيباك"، في آذار الماضي، بأن أكثر من ثلثي مواطني البحرين والسعودية والإمارات لديهم نظرة سلبية "لاتفاقيات أبراهام. كما أن موقف الشيخة البحرينية الشجاعة يسلط الضوء على الدور المحوري للمثقف العربي، والقوى الشعبية والمؤسسات العربية في مواجهة التطبيع،  وأن جبهة الرفض للإحتلال الإسرائيلي، وكل أشكال التطبيع مازالت قائمة وحيوية ومؤثرة.

المطلوب هو البناء على تلك المواقف المشرفة، وتوحيد القوى الشعبية الرافضة للتطبيع من اتحادات ونقابات ومنظمات شعبية ومهنية، وأحزاب وطنية وقومية، ومثقفين ومفكرين ونشطاء شبابيين ومبدعين. والتي لطالما كان لها دور في دعم القضية الفلسطينية قبل تراجع هذه الأحزاب والقوى العربية.

آن الأوان لتطوير المعركة التي تقودها الحركات النقابية والشبابية والنسوية والمثقفون والمبدعون، والتصدي للمخطط الاستعماري بكافة أشكاله، ولكل محاولات طمس الهوية الوطنية والموروث الثقافي الوطني والقومي، والتصدي لمحاولات تمرير الرواية الإسرائيلية، بأساليب ناعمة تغزو الفكر والوعي العربي الجمعي. ومحاولة اختراق عقل المواطن العربي وغسل دماغه، وترويضه لقبول اسرائيل والتعايش معها، على شكل فعاليات وأنشطة ثقافية ومهرجانات وفعاليات، وتعاون على المستوى العالمي والأكاديمي والأعلامي والدبلوماسي، في محاولة لتزييف التاريخ والموروث الحضاري العربي، وتمرير الرواية الإسرائيلية الزائفة للوقائع المتعلقة بالاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سبق للكاتب اللبناني الراحل سماح ادريس القول بأن المعركة مع "إسرائيل" هي معركة ثقافيّة وأكاديميّة وإعلاميّة وفنّيّة، لا عسكريّة واقتصاديّة فقط. و"إسرائيل" هي أكثر من يدرك ذلك؛ ولهذا تجهد في طمس وجهها الدموي من خلال إبراز وجوهها العلمية والفنية والأكاديمية و"الإنسانية" وبخاصة تلك الداعمة لحقوق المهمَّشين والأقليّات، ومن هنا فإنّ الدعوة إلى مقاطعة أية فعالية ثقافيّة في "إسرائيل" هي دعوة من أجل صون الفنّ والثقافة من الاستغلال الإسرائيلي".

تتطلب مواجهة هذا الخطر الذي يتهدد القضية الفلسطينية نتيجة التطبيع، الاستنفار وتعزيز جبهة مناهضة للتطبيع وجعل هذا الموضوع على رأس اهتمامات الاتحادات الشعبية والنقابات العمالية والمهنية الفلسطينية، وتعزيز التعاون والتنسيق مع المنظمات والاتحادات العربية، ومع روابط وهيئات المثقفين والكتاب ومع الجاليات ومؤسساتهم، وكذلك مع البرلمانات العربية، في سبيل التصدي للتطبيع، وسن قوانين وعقوبات صارمة لمواجهته، والضغط على الحكومات العربية لوقف هرولتها نحو هذا المستنقع، وعدم اللحاق بقطار التطبيع السريع، كما وصفته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وخصوصا في ظل تراجع دور جامعة الدول العربية، والتي كانت بمثابة الجهة العربية الرسمية، الناظمة للمقاطعة ومناهضة التطبيع. وفي ظل ضبابية المرحلة التي تمر بها الأمة العربية  بعد توقيع اتفاقيات أبراهام، واشتداد موجة الغزو الفكري والثقافي للأمة العربية من اسرائيل وحلفائها بالعالم.

المسؤولية ملقاة على الجميع لمقاومة التطبيع ومناهضته، والمطلوب أن يكون كل مواطن فلسطيني وعربي، أينما كان تواجده، حارسا للقضية وحاميا للرواية الفلسطينية، وسدا منيعا في وجه محاولات اختراق العقل العربي،  واختراق عقل ووجدان الأجيال التي نشأت على أن فلسطين قضية مقدسة ومركزية.

لكل هؤلاء الذين يغيظون اسرائيل بمواقفهم المشرفة، الذين لا يعتبرون التطبيع وجهة نظر شخصية، وأن رفضه يعبر عن موقف أمة ترفض الإحتلال.  أولئك الذين يرفضون الجلوس مع الإسرائيلي أو ملاقاته في ملعب أو بطوله، أو مصافحة اليد التي قتلت فلسطينيا، الذين لا يسلخون ذاتهم الشخصية عن فلسطين، ويتخلون عن أحلامهم بالميدليات والمناصب، من أجل الحلم الأكبر وهو تحرير فلسطين. لهؤلاء نقول: شكرا لأنكم تعيدون البوصلة كلما انحرفت إلى فلسطين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير