سقف الكنيست والنقاش المحظور

02.08.2022 10:12 AM

 

بقلم: عوض عبد الفتاح


لم نقصد في المقال السابق أن ساحة فلسطيني الداخل تخلو تماماً من النقاش الاستراتيجي.
ولكن المقصود هو أن النقاش يدور في إطار المواطنة الكولونيالية، وأيضاً في إطار لعبة المشاركة في الكنيست، من قبل الأحزاب أو المثقفين الذين يتحركون ويفكرون تحت هذا السقف السياسي. صحيح أن بعض الاحزاب، تكافح من أجل تطوير هذه المواطنة، وإكسابها بعداً مساواتيا، ولكن غالباً لا تجرؤ على تجاوز حدود المواطنة الممنوحه لجزء من شعب فلسطين، داخل حدود الكيان الإسرائيلي المعترف به دوليا . كان هناك التجمع الوطني الديمقراطي، الذي فجر نقاشاً سياسياً وايدلوجياً، غير مسبوق، ومن داخل الكنيست، حول جوهر الكيان الاسرائيلي، اليهودي الصهيوني، الأمر الذي رأت فيه المنظومة السياسية والأمنية، محاولة لتقويض الدولة اليهودية من الداخل، و الذي من شأنه أن يؤدي تدريجيا في نهاية المطاف إلى الإنفتاح على المشروع الوطني الفلسطيني وقيمه التحررية الوطنية والديمقراطية . إن إبراز يهودية الدولة بشكل خاص، والإحتفاظ بالخطاب الكولونيالي لمرحلة قادمة، كمصدر للتمييز والظلم، في برنامج التجمع لائم تلك المرحلة التي انطلق منها، إذْ اعترفت القيادة الفلسطينية باسرائيل، وساد نوع من الامل، الوهم، في الساحة الفلسطينية، بأن الدولة المستقلة قادمة بعد سنوات قليلة. ولكن بعد سنوات قليلة، وعام ٢٠٠٠ تحديداً، سقط هذا الوهم سقوطاً مدوياً، والذي، أي الوهم، لا نزال نعيش آثاره المدمرة. لقد نجح التجمع بالصمود والتمدّد في الساحة الشعبية والأكاديمية، رغم كل الحملات الاسرائيلية الشديدة ضده، لأكثر من عشرين عاما من الكفاح والعمل والبناء والمواجهة والتحدي.

بعد إقامة القائمة البرلمانيةالمشتركة، عام ٢٠١٥ وما نتج عنها من تعزيز لمكانة فلسطينيي ال ٤٨، ازدادت التوجسات والمخاوف الصهيونية من مواصلة تعاظم قوتهم، فأقدمت على خطوات قمعية إضافية، قانونية وإدارية، وحملات تحريضية منهجية، استمراراً لاستراتيجيتها القمعية، والتقسيمية، التي عادت بقوة بعد هبة القدس والاقصى مباشرة . فراحت تصنف القوائم والاحزاب العربية بين معتدل ومتطرف. ودغدغت هذه التقسيمات رغبات بعض مركبات القائمة المشتركة، لتظهر نفسها امام منظومة الحكم الاسرائيلية واعلامها، أكثر "عقلانية واعتدالاً" من غيرها، وليدبُّ الانقسام في القائمة، وداخل الاحزاب نفسها، بين أجنحة ناقدة وأخرى اندماجية ، والتي انتهى بأحد مركباتها الى التحالف مع الصهيونية. هكذا ساد الصوت المهزوم الذي مثله أعضاء كنيست، يفتقرون لعمود فقري عقائدي، تكيفوا مع يهودية الدولة، وقانون القومية العنصري الاستعماري، ومع أسس الضبط الجديدة التي أوجدتها حكومات الابرتهايد، في مواجهة تعاظم قوة العرب السياسية، و وزنهم الديمغرافي. وقد جرّ اعضاء الكنيست هؤلاء احزابهم، الى هذا المنزلق، والذين لم تستطع المعارضة في احزابهم لجمهم، فباتوا يظهرون كأنهم الصوت الوحيد الذي يمثل العرب سياسياً، في حين أن هناك حركات سياسية لا تتمثل في الكنيست، فضلا عن شرائح شعبية، ومن الأجيال الشابة التي لا تعترف بشرعية هذا الصوت ، وتبحث عن بدائل سياسية ووطنية.

لقد كشفت مجموعة من التطورات عقم ومحدودية العمل تحت سقف الكنيست، خاصةً في ضوء تركيبتها المتحولة دوما نحو الكولونيالية الاستيطانية، الإحلالية، المفضوحة والمعلنة.

التطور الابرز ، هو قانون القومية، لعام ٢٠١٨، والذي كان يجب أن ترى فيه الاحزاب العربية فرصة للاقدام على خطوة كبيرة تهز المشهد السياسي الداخلي، وترسل رسالة هامة الى العالم، مثل الانسحاب من الكنيست. لكن الرد السياسي والعملي كان هزيلا، وغير متناسب مع حجم الاجراء الصهيوني، والأنكى ان هذا الاجراء تم التكيف معه بسرعة مدهشة، ومشينة.

التطور الثاني، صدور تقارير دولية هامة، وتقرير لجمعية حقوق إنسان إسرائيلية، هي بتسيلم، تشخص إسرائيل كنظام أبرتهايد في كل فلسطين التاريخية. ومع إستمرار تغول وتوحش المشروع الصهيوني التوسعي، و انتهاكه الصارخ للقوانين الدولية، ومع تواصل النضال الفلسطيني البطولي، وجهود حركة المقاطعة وأحرار العالم المتحالفين معنا، سنشهد المزيد من التقارير المشابهة.

التطور الثالث؛ عودة إطار التحليل الكولونيالي، في دوائر البحث الغربية،وتطبيقه على إسرائيل باعتبارها كياناً استعمارياً استيطانياً، يترتب عليه ، فلسطينياً، إعادة تأطير الصراع باعتباره صراعاً بين شعب أصلاني ودولة كولونيالية أجنبية. هذا التطور يتم تجاهله أو جهله، او التقليل من أهميته وفاعليته خاصة في الجبهة الإعلامية والثقافية الفلسطينية، في مواجهة الرواية الصهيونية والغربية عن الخلفية الاستعمارية لاسرائيل، من قبل الجسم السياسي الحزبي .

وأنه لأمر مدهش، أن لا تكتفي هذه الاحزاب بالصمت المشين، أو عدم الترحيب بها، إزاء هذه التقارير، بل انبرى بعض ممثليها في الكنيست، في نفي ما جاءت به هذه التقارير من ذخيرة هامة في يد المقهورين، والتصريح علنا أن إسرائيل ليست نظام ابرتهايد، او نظام استعماري استيطاني.
لماذا لا يجرؤ أعضاء الكنيست، على تبني هذه التقارير . لان تبنيها يتطلب، منطقياً، التصرف حسب استنتاجاتها، ومستحقاتها العملية، وأولها، تبني مقاطعة إسرائيل، أي النداء الذي أطلقته منظمات المجتمع الأ هلي الفلسطينية عام ٢٠٠٥، كاستراتيجية ضغط خارجية على إسرائيل. كما يترتب على ذلك الاستنتاج بضرورة إعادة ربط قضية فلسطيني الداخل بقضية التحرر الفلسطيني ككل، في شكل مواطنة متساوية على انقاض النظام الصهيوني القائم من البحر الى النهر . غير أن الذهنية التي تعايشت داخل الكنيست، تقولبت بطريقة لا تقدر على التجدد، واطلاق المخيال السياسي.

هناك رأي يقول بأنه يُمكن لأحزاب الكنيست أن تتبنى نداء المقاطعة، والتقارير الدولية الاخيرة، بخصوص الابرتهايد الاسرائيلي، لو أرادت، وأن تتحدى المنظومة العنصرية الصهيونية ، مثلما تحدى التجمع في السابق، يهودية الدولة، ونجح في كشف التناقض بين يهودية اسرائيل وديمقراطيتها، أكثر من أى وقت مضى. غير أن الأحزاب الأخرى لا تريد أن تدفع ثمن ما دفعه التجمع، من ملاحقة وحصار ، وإضعاف، الى أن تكيفت قيادته، في السنوات الاخيرة مع نهج بعض الاحزاب الاخرى، ويبدو أنها، أي قيادة التجمع، لم تدرك خطورة ذلك التكيف إلا مؤخراً، حيث تُظهر من خلال حراكها الجديد بعص الصحوة، من خلال السعي الى إستعادة خطاب التجمع الأصلي.

إن التطورات المذكورة، وتحديداً ظهور التقارير الدولية عن الابرتهايد الصهيوني، والعودة إلى الخطاب الديكولونيالي، وأنموذج الشعوب الأصلانية ، هي أساساً ، حصيلة جهود فلسطينية شعبية واكاديمية، رافضة لمدرسة أوسلو، قادها نشطاء ومثقفون وأكاديميون، ومنظمات قانونية، في الساحة الفلسطينية، وعلى الساحة العالمية. ولا يجوز الاستهانة بالدور الذي لعبه فلسطينيو ال٤٨، من خلال نضالهم الشعبي والسياسي، ومنظماتهم المدنية التي تتواصل مع منظمات حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة، ومع أطر مدنية عالمية مناصرة للحق الفلسطيني، منذ ثلاثة عقود، وكذلك انخراط شريحة من أكاديمييهم في الابحاث عن الاستعمار والابرتهايد والتحرر الوطني. وفي هذا الإطار كان دور التجمع في، مرحلة ازدهاره، مهماً، الذي طرح مشروع تحدّي يهودية الدولة وسلّط الضوء على تناقضاتها، من خلال نقل هذا الخطاب من الدوائر الاكاديمية إلى الساحة الشعبية الواسعة والى العالم، عبر تشكيل تنظيم سياسي وطني . لكن معضلة قيادات التجمع الراهنة، لا تزال مسكونة بالخوف من احتمال وجود الحزب خارج الكنيست. وقد يكون ذلك مفهموما في غياب البدائل العملية، او في غياب الاستعداد للعمل على خلق هذه البدائل، في ضوء تعاظم التطرف الصهيوني العام، وتحلل الحالة الحزبية والسياسية داخل الخط الاخضر، وبؤس القيادة الفلسطينية . وبالتالي فإن الانتقال الى هذه المرحلة، مرحلة التجديد والتحدي، مرحلة التعاطي الثوري مع التقارير الدولية، ومع واقع عودة أو تزايد الوعي الشعبي بوحدة فلسطين، الجغرافية والديمغرافية، تبقى محصورة في أفراد أو مبادرات، او حراكات، والتي، على اهميتها وحيويتها، لا تمتلك المبادرة، حتى الآن، وربما المقدرة، أو النضوج الكافي لتأطير الحالة الشعبية الرافضة للواقع الراهن.
طرح ويطرح بعض الغيورين، تصورات نظرية أو عملية، للخروج من هذه الحالة، وهو أمر محمود ومطلوب، غير أن ما نحتاجه بالتوازي، هو تطوير وبلورة وتعميم

البنية الفكرية للمرحلة النضالية الجديدة القادمة، التي تقوم على فهم الواقع الصهيوني المتحول دوما، واستيعاب والتواصل مع الديناميكية الفلسطينية، الشعبية. علينا جميعا، مواصلة بذل كل جهد نظري وعملي لتعميق هذا الفهم المتجدد للصراع، ومقتضيات التحرر، وتعميمه عبر الوسائل المتاحه، الى أن تصبح له قاعدة شعبية وازنه، ينطلق منها الحامل التنظيمي التحرري الجامع والشامل، المستقبلي.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير