الاستيطان الاستعماري يؤسس لبناء نظام التمييز العنصري الاسرائيلي

03.07.2022 12:33 PM

 

إعداد : تيسير خالد ***

بداية الاستيطان

بدأت اسرائيل مشروعها الاستعماري الاستيطاني في الضفة الغربية بما فيها القدس مع وقف إطلاق النار في حرب حزيران من العام 1967  وذلك بتدمير القرى الفلسطينية  ( يالو ،  عمواس  ، بيت نوبا ) وتهجير سكانها وتدمير جزء من مدينة قلقيلية وبيت عوا وفرض السيطرة على ما يزيد عن 58 كم2 من الأراضي الحرام ، وإقامة مستوطنة على تلك الأراضي ، بالتزامن مع عملية هدم حي الشرف في مدينة القدس لإقامة الحي اليهودي.

وكان هدف السياسة الإسرائيلية في ذلك الوقت إجراء تعديل على الحدود يمكن اسرائيل من ضم جزء من أراضي الضفة الغربية إلى إسرائيل (القدس ، اللطرون ، ومنطقة غوش عتصيون )، أما منطقة الغور فقد تعاملت اسرائيل معها باعتبارها  منطقة أمنية . وتطورت سياسة الاستيطان مع تطور الوضع السياسي وهكذا مر الاستيطان الاسرائيلي وتحديدا في الضفة الغربية بما فيها القدس بعدد من المراحل ، 

وقد شهدت فترة حكم حزب العمل بين 1967 و 1977 بناء عدد من المستوطنات بلغ نحو 31 مستوطنة في غوش عتصيون في محافظة بيت لحم وفي غور الأردن فضلا عن المستوطنة التي اقامتها على اراضي القرى المدمرة  (يالو، بيت نوبا، اللطرون). أما عدد المستوطنين فقد ارتفع إلى 2876 مستوطنا ، كان التركيز في ذلك الوقت على غوش عتصيون وغور الأردن ومنطقة القدس الكبرى ، أما في بقية انحاء الضفة الغربية فبنت اسرائيل فيها مستوطنة واحدة فقط .

وفي العام 1977 وقع التحول الكبير في سياسة اسرائيل  الاستيطانية بعد صعود اليمين المتطرف بقيادة مناحيم بيغن الى السلطة وبعد التوقيع على اتفاق السلام مع مصر ، حيث أقامت اسرائيل 35 مستوطنة جديدة وارتفع عدد المستوطنين إلى 13234 مستوطنا . وشهد النصف الاول من ثمانينات القرن الماضي هجوما استيطانيا واسعا ، حيث  أقامت اسرائيل 43 مستوطنة جديدة ليرتفع عدد المستوطنين إلى 28400 مستوطنا شكلوا ما نسبته 2,2% من مجموع عدد سكان الاراضي الفلسطينية المحتلة بحرب 1967  البالغ آنذاك 1294700 نسمة.

وتصاعدت النشاطات الاستيطانية في الفترة التي رافقت مفاوضات مدريد وواشنطن بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي يعد حرب الخليج الاولى عام 1991 فأقامت حكومة اسحق شامير سبع مستوطنات جديدة وارتفع عدد المستوطنين إلى 107 آلاف مستوطن ، لترتفع  نسبتهم الى 5,3% من المجموع العام لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة .

وعلى الرغم من التوقيع على اتفاقيات اوسلو بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في ايلول عام 1993 فقد تواصلت النشاطات الاستيطانية حيث جرى التوسع في  الاستيطان وفي فتح الشوارع الالتفافية وإصدار الأوامر العسكرية القاضية بوضع اليد على الأراضي الفلسطينية ، وكأن اسرائيل في سباق مع الزمن لفرض المزيد من الحقائق الجديدة على الارض ، فارتفع عدد المستوطنين إلى 145 ألف مستوطن في نهاية حكومة العمل برئاسة بيريس 1996 . ومع صعود الليكود من جديد الى الحكم 1996 تواصلت النشاطات الاستيطانية وهكذا ما أن انتهت حكومة الليكود عام 1998 حتى ارتفع عدد المستوطنين إلى 165 ألفا.

ورغم أن الاتفاقيات تقرر أنه لا يجوز لأي جانب القيام بإجراءات أحادية الجانب تؤثر في نتائج مفاوضات الوضع الدائم . إلا أن الاستيطان أخذ يتوسع ، ومع التوسع الاستيطاني بدأ الاحتلال يتعمق وكذلك نظام فصل عنصري في الاراضي الفلسطينية المحتلة .
وبالرجوع إلى اتفاقية المرحلة الانتقالية المؤقتة الموقعة في أيلول من العام 1995 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ، فقد تم تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى ثلاث مناطق : مناطق A: وهي المناطق التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة (أمنيًا وإداريًا) وتبلغ مساحتها 1,005 أي ما نسبته 18% من مساحة الضفة الغربية الإجمالية. ومناطق B: وهي المناطق التي تقع فيها المسؤولية عن النظام العام على عاتق السلطة الفلسطينية ، وتبقى لإسرائيل السلطة الكاملة على الأمور الأمنية ، وتبلغ مساحتها 1,035 ، أي ما نسبته 18.3 % من مساحة الضفة الغربية الإجمالية. ومناطق C: وهي المناطق التي تقع تحت السيطرة الكاملة للحكومة الإسرائيلية ، وتشكل 61 % من المساحة الكلية للضفة الغربية.

وقد استخدمت حكومات اسرائيل الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها مع الجانب الفلسطيني ، مثلما استخدمت المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية غطاء سياسيا لنشاطاتها الاستيطانية حتى وصلنا الى الوضع القائم حاليا ببناء 158 مستوطنة في اراضي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية يسكنها نحو 700 – 750 ألف مستوطن ، هذا الى جانب 15- 20 ألف مستوطن يسكنون في أكثر من 200 بؤرة استيطانية أخذت تتحول مع مرور الوقت الى حاضنة للمنظمات الارهابية اليهودية ، كمنظمات شبيبة التلال ودفع الثمن ومنظمات أخرى تطلق على نفسها اسم " تمرد " . ومع هذا التوسع والتمدد الاستيطاني لم يعد يجري الحديث عن مستوطنات سياسية ( يمكن تفكيكها ) وأخرى أمنية حسب تعبير اسحق رابين بل عن بنية استعمارية تحتل مساحة جيدة وفقا لمخططاتها الهيكلية ومساحات أوسع لا تقل عن 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية كمجال حيوي للاستيطان والمستوطنين والقواعد العسكرية . وهكذا أخذ الاحتلال والاستيطان يتعمق ويبني نظاما من الفصل العنصري بكل ما لذلك من معنى .

ذلك يعني أنه منذ العام 1993 ضاعفت اسرائيل من تطبيق استراتيجية استعمارية تقوم على تفتيت وعزل المناطق الفلسطينيه المأهولة بالسكان عن بعضها ، مقابل تعزيز وترسيخ المستوطنات الإسرائيلية ، وتحويلها الى كيان متصل ومتكامل يتكون من أكثر من 158 مستوطنة وأكثر من 200  بؤرة استيطانية ، حيث يعيش المستوطنون في مجتمعات محصنة تتواصل في ما بينها ومع اسرائيل بشبكة من الطرق الالتفافية ،  يقابلها مجتمعات فلسطينية مقطعة الأوصال ، ما يخلق واقعا شديد الشبه بنظام البانتوستونات و" الجراند أبرتهايد " الذي شهدته جنوب افريقيا في عهد التمييز العنصري ،  مع فارق أن الأخير قد أحيل للتاريخ كجريمة بحق الإنسانية ، بينما الأول لا يزال يشهد فصولا من الجرائم التي لا تجد لها رادعا .

لسنا الوحيدين ، الذين نرى وجه شبه بين اسرائيل وجنوب افريقيا في عهد التمييز العنصري البائد . نذكر هنا بكتاب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بعنوان : "فلسطين : السلام لا الأبارتهايد "، وبجون دوغارد مبعوث الأمم المتحدة الخاص السابق في الأراضي الفلسطينية ، الذي أكد في اكثر من مناسبة أن إسرائيل ترتكب ثلاثة انتهاكات تتعارض مع قيم وقوانين المجتمع الدولي ، وهي الاحتلال والاستعمار والأبارتهايد ، ومثله فعل كذلك الرئيس السابق للجمعية العامة للأمم المتحدة الأب ميغيل ديسكوتو عندما دعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والوفاء بواجباته ، والاعتراف بحقيقة أن إسرائيل دولة أبارتهايد .وأيضا السيدة "مايريد ماغواير" حاملة جائزة نوبل للسلام ، التي وقفت أمام المحكمة الإسرائيلية العليا تدعو إسرائيل إلى وقف سياسة الأبارتهايد. قائلةً : "لن يكون هناك سلام في هذه المنطقة إلا بعد أن توقف إسرائيل سياسة الأبارتهايد والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني".

وجاء تقرير لجنة الامم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية ( الإسكوا ) ، الذي نشر في 15 آذار 2017 واضحا في اتهامه إسرائيل بتأسيس نظام فصل عنصري ، حيث قدم أدلة ومعطيات تؤكد فرض إسرائيل نظام أبارتهايد للهيمنة على الشعب الفلسطيني وجاءت الوقائع والأدلة تثبت أن إسرائيل بسياساتها وممارساتها مذنبة بارتكاب جريمة الفصل العنصري (أبارتهايد) كما تعرفها مواد القانون الدولي

تقرير ( الاسكوا ) المشار إليه يوضح أنه منذ عام 1967 ، حاصرت سياسة اسرائيل  الشعب الفلسطيني في أربعة مجالات وميادين ، يتشارك فيها الفلسطينيون  في المعاناة في ظل نظام ابارتهايد ، حيث يخضع الفلسطينيون لمنظومات قوانين متعددة ، هي القانون المدني المقيد والمطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل ، وقانون الإقامة الدائمة المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون في مدينة القدس ، والقانون العسكري المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون منذ عام 1967 في ظل الاحتلال العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة .

كما جاء التقرير السنوي الأخير لمنظمة هيومن رايتس ووتش ، الذي صدر في  تموز من العام الماضي 2021 ليؤكد ما ذهب اليه الجميع من أن اسرائيل تبني في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ حزيران 1967 نظاما متكاملا للفصل العنصري ، حيث أكد التقرير من ضمن شواهد أخرى كثيرة أن المنظمة وجدت أن السلطات الإسرائيلية ارتكبت الانتهاكات الجسيمة اللازمة لاستكمال أركان جريمتَي الفصل العنصري والاضطهاد ضد الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة. فعلت ذلك ، في جملة سياسات ، من خلال فرض قيود شاملة على الحركة على قطاع غزة في شكل إغلاق شامل لمدة 14 عاما ونظام التصاريح التمييزي المفروض في الضفة الغربية ، ومصادرة أكثر من ثلث أراضي الضفة الغربية ، وحرمان مئات آلاف الفلسطينيين وأقاربهم من حق الإقامة. فرضت إسرائيل حكما عسكريا قاسيا على ملايين الفلسطينيين ، وعلّقت حقوقهم المدنية الأساسية ، في حين يخضع الإسرائيليون اليهود الذين يعيشون في نفس المنطقة للقانون المدني الإسرائيلي المتساهل ، وفرضت ظروفا قاسية في أجزاء من الضفة الغربية أجبرت آلاف الفلسطينيين على ترك منازلهم .

ويصنف نظام الفصل العنصري وفقا للمادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ضمن الجرائم ضد الإنسانية التي تخضع لولاية المحكمة القانونية ، حيث تصنف المادة السابعة من نظام روما الأساسي جريمة الفصل العنصري بأنها أية أفعال غير إنسانية ترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى ، وترتكب بنية الإبقاء على ذلك النظام . وتعرِّف الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها (أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة 1973 ودخلت حيز التنفيذ 1976) الفصلَ العنصريَّ بأنه ينطبق على الأفعال اللاإنسانية المرتكبة لغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عنصرية ما على أية فئة عنصرية أخرى واضطهادها إياها بصورة منهجية:

كثيرة هي القوانين العنصرية التمييزية ضد الفلسطينيين في اسرائيل كقانون العودة الذي صدر عام 1950  والذي ينص في الفقرة الأولى على أن كل يهودي له الحق في العودة على البلاد كيهودي عائد وقانون الجنسية لعام 1951 وقوانين عدة لمصادرة الأراضي العربية كقانون أملاك الغائبين لعام 1950. وقانون التصرف لعام 1953 وقانون استملاك الأراضي لعام 1953.وقانون تقادم الزمن لعام 1957  ، وقانون أملاك الغائبين العنصري لعام 1950 . ويبقى الهدف الأساسي من هذه وغيرها من القوانين هو السيطرة على الفلسطينيين  والاستيلاء على أراضيهم وتهويدها وإقامة المستعمرات اليهودية عليها. ومع التوسع في استخدام هذه القوانين تعمق الاحتلال ونظام التمييز العنصري وبات يشكل القاعدة التي تحكم تصرفات الحكومة الاسرائيلية والمستوطنين اليهود كما تعبر عن نفسها في مجالات المياه والبناء والحركة على الطرق وحتى في النظام القضائي .

مؤخرا ، أي في مطلع العام 2017 ومن أجل اضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية ، التي يقيمها المستوطنون خلافا للقانون ، بما في ذلك قانون المحتل وأوامره وتدابيره العسكرية قامت الحكومة الإسرائيلية مطلع شباط 2017  بتمرير " قانون التسويات " الذي يتيح مصادرة اراض فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة بأثر رجعي . وقد جاء صدور هذا القانون بعد أسابيع قليلة من قرار تاريخي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2334 مطلع العام الجاري الذي طالب بوضع حد للاستيطان الإسرائيلي .ويتعامل هذا القانون بأثر رجعي مع وضع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقد أضفى شرعية وبأثر رجعي على 3921 مسكنا بنيت بشكل غير قانوني على أراض فلسطينية في 16 مستوطنة ، كما كرس مصادرة 8183 دونما (نحو 800 هكتار) من أراض فلسطينية خاصة ، وفق تقديرات المكتب الوطني للدفاع عن الارض ومقاومة الاستيطان . ويؤسس القانون لقيام دولة ابارتهايد فقد اعتبر الصحافي جدعون ليفي القانون بمثابة إعلان رسمي عن قيام دولة الأبرتهايد الثانية ، وهي دولة إسرائيل ، بينما ذهب المؤرخ الإسرائيلي ، دانييل بالطمان ، أبعد من ليفي خطوة عندما شبه القانون المذكور بأحد القوانين النازية ، الذي سنته ألمانيا النازية عام 1935 وسمي في حينه 'قانون إنهاء ضائقة الشعب والرايخ الألماني '

إن نظام الفصل العنصري الاسرائيلي يفوق في بعض سماته البنيوية ذلك النظام الذي كان قائما في جنوب إفريقيا . هناك الكثير من الامثلة على ذلك ، ولكننا نوجزها  بالأمثلة التالية للتوضيح فقط  :

** تمييز في حقوق واستهلاك المياه

تتجلى سياسة الابارتهايد الاسرائيلية في مجال المياه ، حيث تسيطر اسرائيل على نحو 88% من مصادر المياه الفلسطينية  في الضفة الغربية، وتسمح للمستوطنين غير الشرعيين باستعمال ما يصل الى 2400 متر مكعب سنويا للفرد الواحد في حين لا يسمح للمواطن الفلسطينيي باستهلاك  يزيد عن 50 متراً مكعباً سنوياً، أي ان المستوطن الاسرائيلي يستهلك 48 ضعف ما يمكن ان يستهلكه الفلسطيني.
ويظهر نظام التمييز العنصري على صعيد حصص المياه ، حيث يحصل المواطن الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة على معدل أقل من 60 لتراً من المياه للاستخدام المنزلي في اليوم الواحد مقابل 280 لتراً للفرد الإسرائيلي داخل حدود دولة اسرائيل وليس في المستوطنات . أي أن  المواطن الفلسطيني يحصل على أقل بكثير من 100 لتراً من المياه في اليوم وهو الحد الأدنى من كمية المياه التي يتوجب توافرها للفرد بحسب توصية منظمة الصحة العالمية. بينما تستهلك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية كميات كبيرة من المياه الفلسطينية ،

وقد أظهرت دراسات دولية وإسرائيلية أن المستوطن الإسرائيلي في الضفة الغربية يستهلك 48 ضعف المواطن الفلسطيني من المياه. تقارير مؤسسة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الانسان تؤكد وجود تمييز عنصري في المياه ، فضلاً عن تقارير للبنك الدولي التي تحمل إسرائيل المسؤولية عن النقص الحاد في كميات المياه المتوافرة للفلسطينيين . إن المتاح للفلسطينيين من المياه في الضفة الغربية 'يبلغ 105 ملايين متر مكعب ، وهو أقل مما كان متاحا عام 1995 في اتفاقيه أوسلو البالغ 118 مليون متر مكعب ، أما كمية الاحتياج وفقا للمعايير الدولية ، فتبلغ 400 مليون متر مكعب ، أي أن الفلسطينيين يحصلون على ربع ما يحتاجونه

** تمييز في المخططات الهيكلية للمراكز الحضرية

هنا يتجلى نظام التمييز العنصري بشكل واضح . ففي مجال الحق في مخططات هيكلية مناسبة وخاصة في المناطق المصنفة ( c ) يتجلى نظام التمييز العنصري . فمن بين 180 قرية فلسطينية تقع داخل المنطقة C، صدّقت الإدارة المدنية مخططات هيكلية في 16 قرية منها فقط ، ولم تسمح لسنوات طويلة بربط أيّ قرية بالبنى التحتية الخاصة بالمياه باستثناء هذه القرى. نتيجة لذلك ، فإنّ عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يسكنون المنطقة ( c)  لم يكونوا مرتبطين بأيّ شبكة للمياه ، وهم متعلقون بمياه الأمطار التي يجمعونها في الآبار ، وبشراء المياه من مقاولين خصوصيين ونقلها بالصهاريج. ومن مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 2013 ، يتبيّن أنّ هناك 180 قرية تقع كلّها أو جزء منها في المنطقة C غير مرتبطة بشبكة المياه . قد يكون الوضع شهد تحسنا مع مرور الوقت ، غير ان ذلك التحسن يبقى ضعيفا ومحدودا ويؤكد ما ذهبنا إليه .

ويعاني المواطنون الفلسطينيون القاطنون في القرى الواقعة في مناطق (C) من عدم توسيع المخططات الهيكلية لتلك القرى لتلبية احتياجاتهم العمرانية.  ونشير هنا أنه قبل الإعلان عن اتفاقية أوسلو الاولى في العام 1993 م ، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن طرح مخططات هيكلية لجميع المدن والبلدات والقرى  الفلسطينية في الضفة الغربية ، والتي من خلالها تم وضع (وبشكل أحادي الجانب) حدود المناطق العمرانية لتلك التجمعات على أساس يخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي والخطط الاستعمارية الرامية إلى تفريغ الأرض من سكانها الفلسطينيين عبر خنق حريتهم ، والضغط عليهم بشتى السبل وحرمانهم حتى من حقوقهم الأساسية ، ومن كافة حقوقهم.

ويستنتج من التقارير التي يصدرها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية أن سياسة التخطيط وتقسيم المناطق التي تتّبعها السلطات الإسرائيلية في المنطقة (C) في الضفة الغربية تمنع الفلسطينيين فعلياً من البناء في 99 % من أراضي المنطقة "ج" الخاضعة امنياً ومدنياً لسلطات الاحتلال الإسرائيلي بموجب اتفاقات أوسلو ، هذا الى جانب منع البناء في نحو 70 % من أراضي المناطق المصنفة (C)  في حين تطبق إسرائيل في النسبة المتبقية والتي هي 30% سلسلة قيود تلغي عملياً إمكانية الحصول على تراخيص للبناء. وتؤكد تقارير بتسيلم أن دولة إسرائيل تمنع ، بواسطة دمجها للأدوات القضائية والعسكرية والإدارية البناء والتطوير الفلسطينيين في قرابة 40% من أراضي الضفة- أي قرابة 70% من منطقة C التابعة لسيطرتها الكاملة

** هدم وتدمير المنازل والممتلكات في الضفة الغربية

ومن مظاهر نظام التمييز العنصري هدم وتدمير ممتلكات الفلسطينيين بحجج وذرائع مختلفة . فقد انتهج الاحتلال الإسرائيلي جملة من السياسات والذرائع والحجج الواهية لتدمير وهدم الممتلكات الفلسطينية في المناطق الخاضعة لسيطرته ، كمصادرة الأراضي الفلسطينية لبناء جدار العزل العنصري او لهدف توسيع المستوطنات الإسرائيلية القائمة وبناء أخرى جديدة وإقامة البؤر الاستيطانية ؛ لتهجير الفلسطيني من أراضيه ، ومصادرة الاراضي بغرض بناء شبكة من الطرق الالتفافية الإسرائيلية لتسهيل حركة مرور المستوطنين الإسرائيليين وقوات الاحتلال الإسرائيلي القائمة بأعمال الحماية للمستوطنات الإسرائيلية. وعليه ، فان المنازل الفلسطينية الواقعة بالقرب من أو بمحاذاة أي شارع التفافي إسرائيلي ، تكون معرضة للهدم . هذا الى جانب تهجير الفلسطينيين من المناطق المتاخمة للمستوطنات الإسرائيلية. والسيطرة على الأراضي  للاستحواذ عليها عند أي اتفاق نهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين

جدير بالذكر هنا ان مجلس الأمن الدولي دعا في العام 2004 إسرائيل لوقف هدم المنازل الفلسطينية وفقاً لقرار رقم 1544 ، حيث نص القرار على :' أن مجلس الأمن يدعو إسرائيل إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي والإنساني ولا سيما الالتزام بعدم القيام بهدم المنازل خلافاً لهذا القانون '. كما جاء في المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة أن :'تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية .' تعتبر مخالفات جسيمة للاتفاقية '.والمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1948 تحرم تدمير الممتلكات ، حيث تنص هذه المادة على ما يلي : 'يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات ، أو بالدولة أو السلطات العامة ، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية ، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير.

وتقوم قوات الاحتلال بهدم منازل المواطنين الفلسطينيين في حال اشتبهت أن أحد أفراد العائلة شارك في أعمال مقاومة للاحتلال ، وهي تعلم أن المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على أنه : 'لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً.
وبحسب معطيات متطابقة لمصادر اسرائيلية وفلسطينية وأممية فقد هدم الاحتلال 6114 منزلا فلسطينيا في الضفة الغربية والقدس خلال السنوات العشر الأخيرة فقط من العام 2009 – العام 2019 . منها 1841 منزلا في مدينة القدس وحدها بحجة "البناء دون ترخيص" في معظم الأحيان ونحو 1141 منشأة في منطقة الأغوار التي يعتبرها الفلسطينيون امتدادا حيويا لمشروع الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967.

أما الغطاء القانوني الذي تستند إليه سلطات الاحتلال في هدم منازل المواطنين الفلسطينيين فهو قانون الطوارئ الذي وضعه واستخدمه الاستعمار البريطاني لفلسطين عام 1945، وظل ساريا حتى بعد إقامة دولة إسرائيل التي ما زالت تستخدمه ضد الفلسطينيين في البلاد بذرائع أمنية شتى. حيث يستند الاحتلال إلى المادة 119 من القانون والتي تنص على أن هدم المنازل هو إجراء إداري يطبق دون محاكمة ودون الحاجة إلى إظهار أدلة فيما المادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة تدعو سلطة الاحتلال الى إلغاء المادة 119 لأن أحكامها لا تتوافق مع الضمانات الأساسية للعدالة ، وتحظر العقوبات الجماعية ، وتدعو لحماية الممتلكات المدنية .

** هدم وتدمير المنازل والممتلكات في القدس الشرقية

في القدس المحتلة توسعت دولة اسرائيل ببناء عشرات الاف الوحدات السكنية في مستوطناتها لاستيعاب أكثر من 300  الف مستوطن ، وقامت في الوقت نفسه بهدم آلاف المساكن والمنشآت الفلسطينية منذ العام 1967 ، ولكنها شرعت منذ اللحظات الأولى لاحتلالها القدس عام 1967 ، باتباع سياسة عدوانية عنصرية ممنهجة تجاه الفلسطينيين المقدسيين ؛ بهدف إحكام السيطرة على مدينة القدس وتهويدها وذلك من خلال سلسلة من القرارات والإجراءات التعسفية والتي طالت جميع جوانب حياة المقدسيين اليومية، ومن بين هذه الإجراءات هدم سلطات الاحتلال الإسرائيلي المنازل والمنشآت الفلسطينية بعد وضعها العديد من العراقيل والمعوقات أمام إصدار تراخيص بناء لمصلحة المقدسيين ؛ بهدف تحجيم وتقليص الوجود السكاني الفلسطيني في المدينة ؛ حيث وضعت نظاماً قهرياً يقيد منح تراخيص المباني ، وأخضعتها لسلم بيروقراطي وظيفي مشدد ؛ بحيث تمضي سنوات قبل أن تصل إلى مراحلها النهائية. وفي شكل اجمالي فقد بلغ عدد المنازل والمنشآت ، التي هدمتها سلطات الاحتلال في القدس الشرقية في الفترة بين 1967 و 2020 نحو 2267 ترتب عليها الحاق الضرر بنحو 9581 مقدسيا .

وفي القدس كذلك ، ففي الوقت الذي يشكل الفلسطينيون 30% من السكان في المدينة ويدفعون وفقا للمعطيات الرسمية 40% من قيمة الضرائب التي تجبيها بلدية الاحتلال فإن البلدية لا تنفق على الخدمات التي تقدمها لهم سوى 8 %من إجمالي الخدمات التي تقدمها البلدية للجمهور

** تهويد وتطهير عرقي صامت في القدس
ويصارع المقدسيون  شبح التهويد والتطهير العرقي الصامت . فمنذ حرب حزيران 1967 تسير حكومات الاحتلال المتعاقبة وفق مخطط منهجي وشامل لتهويد مدينة القدس المحتلة ، ويرتكز هذا المخطط على الاستيطان بكافة أشكاله من بناء مستوطنات وبؤر وتجمعات استيطانية ، ومصادرة الاراضي والمنازل العربية ومنحها للمستوطنين ، وزيادة اعداد المستوطنين والمتطرفين في المدينة المقدسة ، وذلك كله على حساب الارض  الفلسطينية وسكانها المقدسيين ، ومن أجل تحقيق هدفها الأبرز في السيطرة الكاملة على مدينة القدس المحتلة ، عملت على توسيع ما يسمى بحدود القدس شرقاً وشمالاً. حيث بلغت أعداد المستوطنين في القدس الشرقية المحتلة حوالي 300.000 مستوطن حسب أحدث احصائيات مكتب الاحصاء المركزي الاسرائيلي  ، وبلغ عدد المستوطنات . 29 مستوطنة . وتنتشر هذه المستوطنات في محافظة القدس على شكل تجمعات استيطانية مكثفة تتخذ الشكل الدائري حول المدينة وضواحيها ممثلة بمراكز استيطانية كبيرة المساحة. في الوقت نفسه تضيق سلطات الاحتلال على المواطنين الفلسطينيين في القدس وتمارس بحقهم سياسة تطهير عرقي صامت , ففي السنوات الأخيرة فقد ما يقارب 20 ألف مقدسي حق الإقامة في المدينة بسبب اشتراط الحكومة الإسرائيلية اقامتهم داخل الحدود المصطنعة لها ، وأنه خلال عام واحد فقط تم إلغاء حق الإقامة لأكثر من 4577 مقدسياً.

أما في الضفة الغربية فقد بلغ عدد المستوطنين 450 ألف حسب الاحصاءات إضافة لسياسة مصادرة الأراضي التي تتبعها حكومات الاحتلال ، فإنها تتبع  سياسية الغاء اقامة الفلسطينيين السكان الأصليين للأرض وهدف هذه السياسة الأساسي هو الإحلال الديموغرافي للمستوطنين اليهود مكان السكان الفلسطينيين ، وعلى الرغم من تعارض هذه مع القانون  الدولي و الذي يعد انتهاكا صارخا لحقوق الأشخاص المحميين بالعيش في وطنهم . فقد تم الغاء اقامة 140,000 فلسطيني من سنة 1967 الى سنة 1994 في الضفة الغربية بسبب مغادرتهم الضفة الغربية لاكثر من 3 سنوات ، وفي قطاع غزة تم الغاء إقامة 108,878 من سنة 1967 الى سنة  1994، و 14,087 في القدس الشرقية من سنة 1967 الى نهاية 2011، اي ما يقارب الربع مليون فلسطيني.

وفي سياق سياسة التطهير العرقي تخطط الإدارة المدنية لنقل مجموعات سكنية بدوية في الضفة إلى "مواقع دائمة" ستقيمها لهذا الغرض. وتدّعي الإدارة المدنية أنّ الغاية من وراء المخطط تكمن في تحسين مستوى حياة هذه الجماعات وتوفير ظروف سكنية لائقة بها . وقد أُعدّ المخطط من دون أيّ تشاور مع السكان ، برغم أنه يُملي تغييرًا متطرفًا على نهج حياتهم وإمكانيات تكسّبهم لأرزاقهم. وتناقض مخططات الطرد لدى الجيش والإدارة المدنية أوامر وأحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ، التي تحظر نقل السكان المحميين قسرًا

** تمييز وقيود على حرية الحركة والتنقل

يمنع الفلسطينيون من استعمال العديد من الطرق في الضفة الغربية، ويجبرون على استعمال طرق طويلة وصعبة كبديل عن الطرق المختصرة والممتازة المخصصة للمستوطنين  الاسرائيليين  .ويتم تطبيق القيود التي تفرضها إسرائيل على حركة تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية بواسطة شبكة من الحواجز الثابتة والمتنقلة ، التي تتيح لإسرائيل السيطرة على حركة الفلسطينيين في أنحاء الضفة وتقييدها ، طبقا لاعتباراتها ومصالحها . الأمثلة على ذلك كثيرة للغاية ، وتمتد على مدى سنوات طويلة . ولتوضيح الصورة فقط فقد أحصي مكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانية عدد الحواجز العسكرية الاسرائيلية عام 2018 بنحو 705 فيما كان في نيسان 2015 حوالي 361 حاجزا متنقلا مقابل قرابة 456 حاجزًا في شهر كانون اول 2014 و256 حاجزا في شهر كانون اول 2013 و65 حاجزًا بين شهر أيلول 2008 وشهر آذار 2009 . وهناك مكون إضافي في منظومة القيود وهو الشوارع التي يحظر فيها سفر الفلسطينيين .

والى جانب هذا كله هناك البوابات على جانبي جدار الضم والتوسع ، الذي أقامته اسرائيل في الضفة الغربية ، وقد قد أحصى مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة 81 بوابة زراعية تتيح للفلسطينيين الذين يعيشون على جانبي الجدار المرور إلى أراضيهم التي بقيت في الطرف الآخر. إلا انه على ارض الواقع، فإن  بوابات فقط مفتوحة يوميا لمرور المزارعين و63 بوابة يتم فتحها خلال موسم قطف الزيتون.

ومن خلال القيود التي تفرضها إسرائيل على الحركة فقد قطّعت الضفة الغربية إلى ست وحدات جغرافية أساسية: شمال الضفة الغربية ، وسط الضفة الغربية ، جنوب الضفة الغربية ، منطقة غور الأردن وشمالي البحر الميت ، جيوب الجدار الفاصل ومنطقة شرقي القدس. إن قدرة الإنسان على التنقل من منطقة لأخرى صارت نتيجة لهذه القيود بمثابة استثناء يخضع لشروط مختلفة وتستلزم تبريرا من قبل الفرد المنتقل. تقريبا كل سفرية اليوم في الضفة الغربية مرهونة بعدم الاطمئنان، الاحتكاك مع الجنود والانتظار المتواصل وفي أحيان قريبة بتكاليف باهظة.

** التمييز العنصري ضد الفلسطينيين  في القضاء

يخضع الفلسطينيون والإسرائيليون الذين يرتكبون مخالفات  في الضفة الغربية المحتلة  لنظام قانوني مزدوج. ففي حين يخضع الفلسطينيون لمحاكمات وقوانين عسكرية، تطبق على المستوطنين الإسرائيليين قوانين ومحاكمات مدنية. إن وجود نظامين قضائيين يشكل الأساس القانوني للتمييز العرقي الذي تمارسه إسرائيل باعتبارها دولة لليهود فقط. وتولي إسرائيل اهتماماً كبيراً للاعتداءات ذات الخلفية العنصرية ، إذا كان الضحايا يهوداً ، أما إذا كانوا عرباً فلسطينيين ، فالمسألة ليست ذات قيمة . وتطبق اسرائيل نظامين قضائيين في الضفة الغربية المحتلة ، حيث يخضع المواطن الفلسطيني لنظام المحاكم العسكرية بينما يخضع المستوطن الاسرائيلي لنظام المحاكم المدنية في اسرائيل ، مخالفة بذلك التزاماتها وفقا للقانون الدولي والتزاماتها وفقا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية . فمن خلال مصادقتها على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، فإن إسرائيل تعهدت باحترام وكفالة جميع الحقوق للأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها ، دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين . ذلك لا يعني المطالبة بمساواة المواطن الفلسطيني بالمستوطن الاسرائيلي على مستوى المعاملات القضائية بقدر ما يعني ضرورة التزام اسرائيل بتعهداتها والتزاماتها كقوة قائمة بالاحتلال بالقانون الدولي والعهد الدولي بالحقوق المدنية والسياسية .

** تمييز على مستوى الحق في البناء والسكن

وعلى مستوى الحق في  البناء والسكن تبدو سياسة التمييز العنصري الاسرائيلية واضحة . ففي الوقت الذي قامت فيه اسرائيل بالتوسع في بناء المستوطنات في المناطق المسماة ( ج ) الضفة الغربية وسمحت بالتوسع في إقامة مئات البؤر الاستيطانية ، فإنها لم تسمح ببناء قرية فلسطينية واحدة . وقد أعلنت سلطات الاحتلال مؤخرا عن المصادقة على أقامة ما يزيد على 36 ألف وحدة سكنية تركزت في ما تسميه بالكتل الاستيطانية . وخصصت  37% من الاراضي الأميرية في الضفة الغربية لصالح بناء المستوطنات، في حين لم  يخصص الاحتلال  سوى 0,7% من هذه الاراضي لصالح الفلسطينيين  . نظام التمييز العنصري يبدو واضحا تماما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن اسرائيل بنت في هذه المناطق عشرات آلاف الوحدات السكنية في 158 مستوطنة وسمحت للمستوطنين ببناء أكثر من 200 بؤرة اسرائيلية على امتداد سنوات الاحتلال وهدمت في الوقت نفسه أكثر من 30 ألف بيتا ومؤسسة ومنشأة فلسطينية .

** تمييز في الموقف من انتهاكات جيش الاحتلال والمستوطنين

يتضح من التوثيق ، الذي تقوم به منظمات مجتمع مدني اسرائيلية ، أن قوات الأمن الاسرائيلية تكون في العادة حاضرة في الأحداث التي يقوم خلالها المستوطنون الإسرائيليون بالاعتداء على الفلسطينيين  كالمس بالممتلكات أو قلع الاشجار المثمرة او حرق المحاصيل الزراعية ، لكنها لا تفعل شيئا لوقف هذه الاعتداءات ، بل إنها في بعض الأحيان تشارك فيها . شواهد " بتسليم " الموثقة على ذلك كثيرة  وهو ما يشجع منظمات المستوطنين الارهابية على مواصلة اعتداءاتها على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم .  ففي تقاريرها تفيد " بتسيليم " أنها راقبت سلوك الجيش على امتداد سنوات وأرسلت مئات الشكاوى إلى النيابة العسكرية بخصوص الاشتباه بعدم قيام قوات الأمن بالتدخل لوقف عنف منظمات المستوطنين الارهابية ، وتفيد في الوقت نفسه أنه تم فتح التحقيق فقط في خمس حالات ، ومن بينها حالتين تم فيها إغلاق الملفات دون اتخاذ أية خطوات ضد المستوطنين أو الجنود الضالعين في تلك الاعتداءات .

منظمة " يش دين " " يوجد قانون " الاسرائيلية تؤكد بدورها أنها حصلت على معطيات من الجيش الإسرائيلي ، تفيد بأن العام 2010 سجّل تقديم 197 شكوى ضد جنود الجيش ، لكنه تم تقديم أربع لوائح اتهام فقط ، وفي 2011 وصل عدد الشكاوى إلى 252 ، وتم تقديم لائحة اتهام واحدة ، تتعلق بممارسة العنف ، كما أن عام 2012 شهد تقديم عدد كبير من الشكاوى وصل إلى 240 شكوى. ولكنه تم فتح تحقيق في 103 شكاوى منها فقط ، ولم يتم تقديم أي لائحة اتهام، وفي  2013، تم تقديم 239 شكوى ، تم التحقيق في 124 منها ، بالإضافة إلى 75 شكوى من ضمن شكاوى العام  2012، وتم تقديم سبع لوائح اتهام فقط ، عن العامين . ولم يتغير هذا الوضع على امتداد السنوات حتى هذا العام .

وبشكل عام تم رفع 3,150 شكوى ودعوى قضائية ضد ممارسات الجيش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين خلال العشر سنوات الاخيرة، حيث فتح الجيش الاسرائيلي تحقيقا في 1,949 شكوى، في حين لم ينظر نهائيا في 38% من هذه الشكاوي . وقالت المنظمة الحقوقية إلإسرائيلية ، إن 92 % من شكاوى المواطنين الفلسطينيين ضد اعتداءات المستوطنين اليهود يتم إغلاقها من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي دون التحقيق فيها ودون تقديم أي اتهامات لمنفذيها.

هذا الوضع لم يتغير على امتداد السنين ، فحسب يش دين كذلك تكشف معطيات 2019-2020 أن هنالك احتمالا ضئيلا جداً بأن يرى فلسطيني شكوى قام بتقديمها ضد جندي سبب له الأذى تصل لمحاكمة الجندي : فقط 2% من جميع الشكاوى التي قدمها فلسطينيون بعد ان سبب لهم جنود الجيش الاسرائيلي الأذى في الأعوام 2019-2020 وصلت لمحاكمة المشتبه بهم. على خلفية ما يظهر كسياسة مقصودة لتقليل عدد التحقيقات التي يتم فتحها ، ونسبة المحاكمة الضئيلة جداً في هذه التحقيقات القليلة التي يتم فتحها ، يبقى عدد التحقيقات التي انتهت بمحاكمة المشتبه بهم منخفض جداً. فقط خمسة ملفات (7.2%) من جميع ملفات التحقيق التي تم فتحها في الأعوام 2019-2020 بشبهة تسبب الأذى للفلسطينيين وصلت لحد تقديم لائحة اتهام ، ذلك حتى حزيران 2021.

...................
*** ورقة عمل باللغات العربية والانجليزية والألمانية والفرنسية ، قدمت للاجتماع التأسيسي " للمبادرة الاوروبية – الفلسطينية لمناهضة الاستيطان الاستعماري ونظام الفصل العنصري الاسرائيلي " ، الذي عقد في بروكسل في الفترة بين 6 – 8 حزيران بمشاركة نخبة من السياسيين والقانونيين الاوروبيين من بلجيكا، فرنسا، انجلترا، المانيا،سويسرا ، وهولندا والنمسا ومسؤؤلين من الجاليات الفلسطينية العاملة في القارة الاوروبية .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير