الواقــــع الحقيقــــي للوقـــف الذُرّي فـــي القـــدس الشريـــف.. قــــراءة وتفنيـــد

02.07.2022 10:20 AM


كتب الباحث: فـــوّاز إبراهيـــم نــزار عطيــة السافوطي من أولاد دبوس

تُعد الأوقاف الذُرية في القدس الشريف، إحدى المحاور الهامة التي عززت من دور الحضارة العربية والاسلامية في تاريخ الامبراطورية العثمانية، بالنظر إلى المقام والمكان وهو مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله، كون القدس قد ميزها الله تعالى وشرفها بأن فيها ثالث الحرمين "المسجد الأقصى"، وكانت أولى القبلتين للمسلمين.

فأتى إليها المسلمون من عرب وعجم أفواجا أفواجا، إما لتكون القدس محطة مقر أو ممر، فعشقوا ترابها واتخذوا منه سبيلا من أجل إنشاء عقارات تكون أساس الإرتباط المادي والمعنوي بمسرى رسول الله، انطلاقا من الحديث النبوي الشريف عـن :" ميمونة -رضي الله عنها- قالت: قلت يا رسول الله: أفتنا في بيت المقدس. قال: أرض المنشر والمحشر ائتوه فصلّوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة. قالت: أرأيت إنْ لم نطقْ نتحمل إليه ونأتيه، قال: فليهد إليه زيتاً يسرج في قناديله فإنّه من يهدي إليه كان كمن صلّى فيه،  فضلا عن ذلك ما رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم، إلا ما أصابهم من لأواء (أي أذى) حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، قالوا: وأين هم يا رسول الله؟ قال: "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس".

فسواء أكانت القدس بالنسبة للسلف الصالح دار مقر أو سبيل وممر، لا شك بأن كلا الوصفين جعل من غالبية من مكث أو مرّ بجوار مسرى رسول الله، بأن أفضل اعمال البِّر حبس المال وتأبيده وتوزيع ريعه إلى يوم يبعثون، على أعمال الخير أو على النسل، فتنافس السلف الصالح في إنشاء الوقف الذُري والخيري على حد سواء، من أجل استمرارية الثواب والدعاء، مما ازدادت أعمال بناء العقارات في العِرص والأراضي الفارغة والحواكير في القدس الشريف، بعمارة مزجت بين الفن المملوكي والفن العثماني، فكانت النتيجة آية في الجمال، الأمر الذي زاد من الحركة العمرانية في القدس ومحيطها على ممدار 6 قرون ، وما تزال آثارها شاهدة على تلك الأعمال.

ومن الملاحظ أن مختلف الأبنية في القدس الشريف، التي خُصص بعضها من أجل الوعظ والإرشاد والتعلم والتعليم ورعاية الأيتام وإغاثة الفقراء وعلاج المرضى وغير ذلك من أعمال البّر، فضلا عن الأسبلة في مختلف الحارات"ماء سبيل"، ناهيك عن البيوت التي امتازت بعمارة الفنون الجميلة التي طغت على القالب، جميعها كانت تعكس فكر وغاية أصاحبها، بالنظر إلى طبيعة عمل صاحب كل وقف، فعلى سبيل المثال وجد علماء الشرع والدين الحنيف، أن بناء المدارس ووقفها اساس استمرارية اعمالهم الخيرية، بينما وجد بعض أصحاب المال ممن يسر الله عليه، أن بناء البيوت ووقفهها على ذريته، اساس العمل الصالح وديمومة الذكرى والدعاء له من ابنائه واحفاده وذريته وهكذا....

فجميع ذلك، أثبت بصورة منقطعة النظير، أن الأوقاف في القدس الشريف فاقت كل توقع  بالنظر إلى مكانة القدس في وجدان الأمة العربية والإسلامية، الأمر الذي كانت تلك الأوقاف أساس الاستقرار للحفاظ على التراث والأموال مـن التبـذير والتفتـت والضياع.

ومن هذا المنطلق، شجعت الدولة العثمانية الناس من أهل القدس وغيرهم ممن قطن فيها أو دخلها عابر سبيل في أن يوقف عقاراتها، لأنها لم تُلغ الأوقاف الأيوبية أو المملوكية، وانما سار حكام بني عثمان على نهج سلفهم من حكام وسلاطين بني أيوب والمماليك، فأوقفوا عقارات ضخمة في القدس الشريف، أسوة بهم إن لم يكن بمنافسة شريفة معهم، حتى أن التنافس الشريف في أعمال البّر انتقل إلى بعض زوجات السلاطين، كما هو بالنسبة إلى زوجة السلطان سليمان القانوني التي أوقفت عدد من العقارات في القدس الشريف، طمعا في الثواب من العلي القدير، عُرف ذلك الوقف وحتى يومنا هذا بوقف خاصكي سلطان ومازال عامرا.

ولذلك الوقف الخيري والذُري في عهد الدولة العثمانية كان في ازدياد بصورة ملحوظة، وكنتيجة للإزدياد في عدد وحجم نوعي الوقف المذكورين، أقرت الدولة العثمانية قوانين خاصة تنظم الوقف الذُري والخيري على حد سواء، بمقتضى قوانين مرعية مازالت محل تطبيق حتى يومنا هذا.

وعليه، نجد أن تلك المؤسسات التي تم وقفها من أصحابها، كانت ومازالت محل سير العملية التعليمية في القدس، وكذلك محلا للقاءات الاجتماعية، وكانت ومازالت اساس محل دوران العجلة الاقتصادية لذُرية الواقف، نتيجة ارتفاع بدلات الخلو لحق المنفعة، وكانت ومازالت محل أداء الرسالة الإنسانية بتقديم التطبيب لأهل القدس وسكانها وزوارها، بما يؤكد على أن الأوقاف الذُرية والخيرية تقوم فـي أداء دورها المحدد في حجة كل وقف.

ومن أجل ذلك، وفي سبيل تطوير تنظيمها والحفاظ عليها بأداء رسالتها على أكمل وجه، تم تشكيل نظارة الأوقاف في الدولة العثمانية للإشراف على شؤون الأوقاف الخيرية والذرية الإسلامية وغير الإسـلامية، بمقتضى تشريع سُن عام (1242 هــ / 1826 م، واستمر العمل بذلك التشريع حتى صدور قانون الأراضي العثماني عام (1275 هـ / 1858 ميلادي ثم نظام الطابو عام 1276 هــ/  1859م،  ثم الترسيم الميداني مع نفاذ نظام الطابو عام 1286 هـ / 1869 م.

وإزاء ذلك الواقع، نجد أن الأوقاف الذُرية في القدس الشريف، تعتبر نموذجا وشاهدا على حجم الأوقاف على واقعها، بالمقارنة مع باقي أوقاف الخيرية والذُرية في فلسطين، من حيث عددها ومساحتها وما تدره من عائدات، وما يترتب عليها من نفقات، وما شابها من تعديات، وما اعترض سبيلها من عقبات، ولا أدل على تلك المقارنة وبالأرقام التي ستكون محل رصد ومتابعة في هذه الورقة، إلا من خلال ما تنبئ عنه سجلات المحكمة الشرعية في القدس الشريف اليوم، بحجم القضايا المعروضة عليها يوميا، لنؤكد بصورة جلية لا تشوبها شائبة، أن السلف الصالح أوقف عقاراته في القدس الشريف من منطلق ايماني عقائدي.

كيف لا، وحجة كل وقف ناطقة بما فيها من علامات وإمارات تؤكد على طلب صاحبها الثواب الجزيل من رب العالمين، بحيث سنعرض بعض مصطلحات وردت فيها بما تضمنته من التفخيم والتبجيل لحُسن الثواب والمزايا التي وعد الله به عباده الصالحين، حيث ورد في حجج الوقفيات عبارات تدرس وتقدم فيها أطروحات لنيل أعلى مراتب التعليم.

ومن هذا المنطلق، لا بد من التوضيح بما يؤكد ويضحد ويفند ويكذب رواية يسوقها بعض أصحاب النفوس الضعيفة -وللأسف من بني جلدتنا ممن يدعي أنه من أهل القدس رغم أنه عابر سبيل-، إذ أخذ على عاتقه ترويج رواية بصورة تسيئ للسلف الصالح من أهل القدس، وبصورة تخالف واقع حجج الوقفيات لهدف في نفسه، وإذعانا لحب المال من أجل تشوية الصورة الحقيقة لكل سلف جعل القدس نصب عينيه إما دار مقر أو طريق ممر، إذ قال بعضهم وفي قوله افتراء وتضليل:" بأن أهل القدس اتخذوا من عادة وقف عقاراتهم على ذريتهم سبيلا، لتجنب دفع الضرائب أوالتهرب من دفعها إلى الحكومة العثمانية...".

للأسف تم تسويق ذلك القول من خلال منشورات تحت مسمى دراسات ضمن سلسلة ما يعرف بتقديم دراسة مقابل المال،  فأي سفه وصل إليه أولئك، وقد نظمت الحكومة العثمانية القوانين والتشريعات الخاصة بالأوقاف الذُرية والخيرية لتنميتها وازدهارها، بل جاء آخرون ليشوهوا الحقيقة الراسخة والثابتة بالأدلة بصورة تشي على التشكيك في حجم الأوقاف الذرية وعددها، وأصدروا دراسات –وللأسف-  نُشرت دون مرجعية رسمية، فسوّقوا بأن حجم وعدد الأوقاف الذرية في القدس الشريف التي شملها المسح، ضمن ما يعرف بتقسيم الحارات للأحياء الثلاثة :الاسلامي والمسيحي والأرمني دون ما يسمى بالحي اليهودي الموسع  –لا سيما في البلدة القديمة، بواقع لا يتجاوز 567 عقارا، على اساس أن عدد العقارات الموقوفة من مختلف الفئات بلغت 1781 عقارا.

وبناء على ما سيق أعلاه، وجدت من الأهمية بمكان وبصفتي عضوا في الهيئة الادارية لجمعية المحافظة على الوقف والتراث المقدسي"وقفنا"، أن أقدم هذه الورقة شاهدة على عصر الأوقاف في القدس الشريف، للرد اسفاف وسفه البعض، بما يقدمه من معلومات غير دقيقة مضللة تخالف واقع الوقف في القدس الشريف بشكل عام والبلدة القديمة بشكل خاص.

ومن هذا المنطلق، المقام يتسع لبيان محور هذه الورقة ردا على ما يصدره البعض من أوراق ودراسات مبعثرة لا تتصل بالحق والحقيقة، بأن السلف الصالح كان يجود بما كان هو جار في ملكه أو ما كان من ضمن أملاكه بدافع الثواب والتقرب لله تعالى، وهو المحور الأول، فيما المحور الثاني لهذه الورقة يتعلق بدحض الدراسة المُعدة من بعض المؤسسات المحلية، عن واقع عدد وحجم الأوقاف الذرية في القدس الشريف بالمقارنة مع عدد الوقفيات في نابلس والخليل كنموذج.

المحور الأول:
أ‌- السبب والدافع الحقيقي في إنشاء الوقف في القدس الشريف.
ردا على افتراءات بعض من نصّب نفسه - دون مرجعية قانونية أو مرجعية اجتماعية يتوافق عليها أهل القدس - وصيا على مقدرات الوقف الإسلامي، بكتابات مشوهة ضمن مظلة دراسات مقابل دُريهمات.

لابد لنا في جمعية "وقفنا"، أن نُطلع القارئ الكريم على أن مصدر معلوماتنا جاءت بما يتفق وأسلوب البحث العلمي الموضوعي، إذ أهم مصدر من مصادر هذه الورقة: سجلات محكمة القدس الشرعية أولا، وقوانين وأنظمة الأراضي المنشورة المتعلقة بالوقف بشكل خاص وأحكام الأراضي بشكل عام، وكتب التـاريخ الموثوقة، ودراسات علمية ساهم أهل التخصص في تحديد دور الأوقاف الذرية في القدس الشريف –ولله الحمد هم كُثر-، بالإضافة إلى المعلومات المتوفرة في مكتبة احياء التراث والبحوث الاسلامية التابعة لوزارة الأوقاف الفلسطينية، وبعض المكتبات المحلية في القدس الشريف كمكتبة الخالدي الواقعة في حارة باب السلسلة في البلدة القديمة، ناهيك على اطلاعنا على بعض المنشورات المشوهة ومنشورات غير دقيقة المعلومات لدحضهما وتفنيدهما، بما يخدم الحق والحقيقة، إذ لا أثر شخصي لنا في جمعية وقفنا اتجاه أي شخص أو مؤسسة، وانما نسعى لخدمة القدس وأهلها، ضمن الأهداف المشروعة التي حُددت في النظام الداخلي، الذي تم التصديق عليه من الجهات الرسمية.

وبناء على ما تقدم، يستدعي الإشارة في هذا المقام، إلى أن واقع سجلات المحكمة الشرعية يشكل رحلة حياة دامت 400 عام في القدس ومازالت سجلاتها عامرة وزاخرة بما يفيد نهج الحياة التي اتسمت في القدس، إذ أنبأت وأفصحت سجلات المحكمة الشرعية عن الطابع المحلي الاجتماعي لأهل القدس بمختلف الطوائف والمذاهب والملل، لا سيما وأن تلك السجلات غطت بصورة مثالية، الطابع التاريخي للقدس الشريف، وبصورة متكاملة الجوانب لمدة 4 قرون ويزيد، سواء ما تعلق بالأحوال السياسية و/أوالإجتماعية و/أو الإقتصادية و/أو الأمنية، بتوثيق كل كبيرة وصغيرة، فكانت السجلات تحاكي المشهد الواقعي لحياة الناس في القدس، وكل من زارها أو أقام فيها أو اتخذها ممرا لإتمام المسير....

وذلك الواقع كذلك ينبئ عن حجم التوثيق لكافة المعاملات لمختلف الناس، فلم تفـرق المحكمة بين المسلمين والطوائف الأخرى، إذ كان التعامل معهم على حد سواء بالتساوي دون مزية لأحد بسبب الدين أو العرق أو اللون أو القومية.

ومن هذا المنطلق، نجد سجلات المحكمة الشرعية في القدس زاخرة بقضايا متعددة ومتنوعة منها على سبيل المثال لا الحصر: الزواج والطلاق، الميراث، الوصايا، النفقة، البيع، الشراء، الخلافـات، الجنايـات، الفرمانات، التعيينات، لوائح تحديد وإشهارالأسعارلمختلف المنتجات الزراعية والحيوانية، بالإضافة إلى قضايا الوقف المتعددة وما يتصل فيها من تعيين المتولين والنُظار وعزلهم ومحاسبتهم، وغير ذلك من أمور تفيد واقع القدس...

وبالتالي المتتبع لواقع تلك السجلات، سيخرج بدارسة موضوعية تفيد واقع تحليلي وبياني، تثبت بالوجه القطعي عدم وجـود محاباة أو تحيّز عند إصدار الأحكام بين مختلف أهل المدينة وسكانها وزوارها على مرّ قرون التي كانت فيها الدولة العثمانية تحكم القدس وسائر البلاد العربية.

وبعطف النظر إلى موضوع هذه الورقة، فقد كانت السجلات تعطي صورة واضحة عن حجم الوقف الخيري بشكل عام والوقف الذري بشكل خاص، وسبب ازدياد الأخير بصورة ملفتة للإنتباه، بالنظر إلى القيمة الدينية والنظرة الاجتماعية له، والمردود المادي للمستحقين.

ولما كان كان الوقف سواء الخيري أو الذُري يُراد منه حبس العين على ملك االله تعالى والتصدق بالمنفعة، تقربا إليه وفق نصوص قرآنية صريحة الدلالة،  باعتبار ذلك عمل من أعمال البر والتقوى، تصديقا لقوله تعالى في بعض الآيات القرآنية :" وافعلوا الخير لعلكم تفلحون"، وقوله تعالى: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "، و قوله تعالى :"يا أيها الذين آمنوا اتقوا االله وابتغـوا إليـه الوسيلة، وقوله تعالى -: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره".

فضلا عن الآيات القرآنية، فقد ورد في الأحاديث النبوية الشريفة، ما تفيد التي بمشروعية الوقف، منها قوله صلى االله عليه وسلم:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جاريـة أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"، فإن جميع حجج الوقفيات في القدس الشريف، أكدت على ذلك الطابع، بأن هدف إنشاء الوقف التصدق والتقرب إلى الله تعالى بالعمل الصالح الذي لا ينقطع.

وفي هذا المقام وتأكيدا لذلك، سيتخذ الباحث وقف المرحوم الشيخ ابراهيم بن محمد السافوطي من أولاد دبوس  نموذجا حيّا على اعتبار الوقف الذُري وسيلة للتقرب إلى الله العلي القدير.

حجية الوقف ستكشف عن وقائع تؤكد بالدليل العلمي والقانوني، نفي رواية بعض الدراسات المشبوهة، التي كانت تردد الرواية الإسرائيلية، بأن توجه أهل القدس لوقف عقاراتهم وقفا خيريا أو ذُريا، هدفه التهرب من دفع الضرائب للحكومة العثمانية، علما أن الأوقاف الخيرية والذُرية ساهمت بشكل منقطع النظير بمنع تهويد المدينة المقدسة، والدراسة التي أعدها الباحث في سبيل نيل الدرجة العلمية الثانية، أكدت على ذلك الواقع، بينما الدراسات المشبوهة – وللأسف - لم تُشر إلى ذلك الواقع، مما يعتبر الوقف المذكور كنموذجا شأنه شأن جميع الأوقاف الذُرية والخيرية، وبما يعزز من القيمة العلمية والاجتماعية لهذه الورقة، على أن  تلك الدراسات المشبوهة، لم تكن وليدة حرص على مقدرات أهل القدس، وانما كانت معول هدم.

وبالتالي، نص حجة الوقف الخاصة بالواقف المرحوم الشيخ ابراهيم السافوطي التي وردت في السجل رقم 72 حجة رقم 34 ص 2 ، تنفي نفيا قاطعا أية رواية مشبوهة، إذ ورد في نصها ما يؤكد على الدافع الديني كباقي حجج الوقفيات، الذي كان وراء إنشاء الوقف الذُري دافعا إيمانيا دينيا بحتا، وكانت سمة إنشاء الوقف الذري في القدس ما بين القرون 16 حتى القرن التاسع عشر، سمة تتصف بالتنافس المشروع بين العائلات المقدسية وكل من سكن القدس، في أعمال الخير والبر، لا سيما أهل المغرب الذين خصص لهم حارة نُسبت إليهم تقديرا وعرفانا، فكانوا مثلهم مثل باقي العائلات المقدسية يتنافسون على إنشاء الوقف الخيري والذُري، انطلقا من قوله تعالى:" وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

استهل في هذا المقام، نص حجية وقف الحاج ابراهيم بن محمد الصافوطي بن دبوس 998 هجري المنشأ الموافق ل 1589 ميلادي:" الحمد لله الذي أعد للواقفين ببابه الأجر العظيم، وأجزل لهم الثواب والفضل العميم، والصلاة والسلام على النبي الكريم الرؤوف الرحيم، وعلى آله وصحبه ذوي الدين القديم، والطريق المستقيم، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الجزاء والتسليم وبعد: فهذا الكتاب وقف صحيح شرعي وعَقدُ حبس صريح مؤبد مرعي صدر بالديار القدسية شرفها الله تعالى لدى مولانا قدوة النواب وزبدة العلماء ذوي الألباب الحاكم الشرعي الحنفي الذي سيضع خطه الكريم أعلاه وأدام علاه، هو أن الصدر الأجل الكبير المحترم الحاج ابراهيم بن محمد الصافوطي، أشهد عليه أنه وقف وحبس وسبّل وأبّد وتصدق ابتغاء لوجه الله تعالى الكريم ورغبة في ثوابه العميم يوم يجز الله المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين، ما هو جار في ملكه وطلق تصرفه وحيازته الشرعية ويده واضعة على ذلك، إلى حين صدور هذا الوقف، وذلك جميع دور المتلاصقة القايم بناها بالقدس الشريف بمحلة بني حارث تجاه القلعة المنصورة، وجميع الفرن المعد للخبز الملاصق لها وتشمل الدور المزبورة على علو وسفل وبيوت ومساكن وساحات سماوية وصهاريج معدة لجمع الاشتية ومنافع ورافق وبإحدى الدور حاكورة بها زراعة ومغارة وحقوق شرعية....، بجميع حقوق ذلك كله وطرقه وجدره وما يعرف به وينسب إليه متصل به ومنفصل عنه وبكل حق هو لذلك شرعا المعلوم جميع ذلك عند الواقف المزبور العلم الشرعي النافي للجهالة، وقفا صحيحا شرعيا وحبسا صريحا مرعيا لا ينمحي اسمه ولا يندرس رسمه ولا يضيع عند الله ثوابه وأجره، بل كلما مرّ عليه زمان أمده يجري الحال في ذلك وكذلك أبد اآبدين ودهر الداهرين إلى أن يرث الله الأرض وما عليها وهو خير الوارثين، أنشأ الواقف المذكور أجزل الله له الأجور، وقفه على نفسه مدة حياته ثم من بعده على أولاده الموجودين يومئذ وهم من الذكور محمد وعلي الرجلان الكاملان ومن الإناث فاطمة وعائشة وحليمة العاقلات البالغات وصفية القاصرة عن درجة البلوغ بينهم على السوية الذكر والانثى في ذلك سواء لا مزية لأحدهم على الآخر ثم بعد أولاده المذكورين على أولادهم ثم أولادهم ثم على أولاد أولادهم ثم على نسلهم وعقبهم على إن مات منهم انتقل نصيبه لولده أو لولد ولده أو سفل من ذلك....فإذا انقرضوا بأسرهم وأبادهم الدهر عن آخرهم ولم يبق للواقف نسل ولا عقب كان ذلك وقفا على الحجرة الشريفة النبوية المحمدية، فإذا تعذر الصرف إليها والعياذ بالله تعالى، فعلى وقفا على فقراء المسلمين من أمة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، وشرط الواقف أجزل الله له الاجور في وقفه شروطا نص عليها، فوجب العمل بها....."

من ذلك النص يتضح جليا الحقائق التالية :
1- الجانب الديني يطغى على صيغة حجة الوقف، التي تكرر فيها الوازع الروحي والتقرب إلى الله من أجل نيل مرضاته وجزيل احسانه بالتصدق في جزء من أمواله، في ثلاثة مواضع.
2-  أوقف الشيخ ابراهيم السافوطي وفق ما أنبأت عنه حجية الوقف:" ما هو جارٍ في ملكه"، أي أوقف الواقف وتصدق بجزء مما يملك من عقارات، فلو كان الواقف يرغب التهرب من دفع الضرائب لأوقف جميع عقاراته، هذا من جانب.
3- من جانب آخر، الواقف كان يتمتع بمركز اجتماعي عالي المقام إبان إنشائه للوقف، فقد أشارت حجية الوقف بذلك بكل وضوح من صفات التبجيل والتعظيم والتفخيم لشخص الواقف " ...هو أن الصدر الأجل الكبير المحترم..."، بحيث لا تستخدم هذه المصطلحات إلا لمن يتمتع بنفوذ وسطوة في الدولة العثمانية، بالمقارنة مع باقي حجج الوقفيات، التي خلت معظمها من عبارات التبجيل والتفخيم والتعظيم لأصحابها.
4- فلو كان هدف إنشاء الوقف الذُري التهرب من دفع الضرائب، فلماذا أوقف السلاطين والولاة عمال الولايات العثمانية من قضاة وموظفين كبار في الدولة العثمانية بمختلف الأمصار، عقارات في القدس الشريف وباقي مدن فلسطين؟
5- ولو كان الهدف من إنشاء الوقف التهرب من دفع الضرائب، لماذا تشجع الدولة أهل القدس وكل من اتخذها وطنا له، على إنشاء الوقف وتنميته وزيادته وتنمية الأوقاف التي تمت في العهدين الأيوبي والمملوكي، بموجب قوانين ولوائح وفرامانات؟
6- تكرارا للبند الأول، لو كان الهدف من إنشاء الوقف التهرب من دفع الضرائب، لماذا يتم استخدام مصطلحات تفيد نيل رضا الله وثوابه الجزيل في أكثر من موضع في حجية الوقف، بصورة مكررة في ثلاثة مواضع؟
7- وإذا كان الهدف من إنشاء الوقف التهرب من دفع الضرائب، لماذا تنافس أهل القدس ومن دخلها واتخذها موطنا له في سبيل نيل مرضاة الله تعالى، أوقف أجزاء مما يملكه من قراريط في عقار، إذ سجلات المحكمة الشرعية تفيد وبعدد كبير على أن بعض أصحاب العقارات الذين يتقاسمون بعض العقارات على الملكية المشتركة، إما نتيجة ما آل إليه من حصص بالإرث في عقار عن مورثه أو نتيجة شراء حصص مشاعية، أوقف ذلك الجزء، فهل الأفضل له بيع الجزء والتصرف فيه تهربا من دفع الضريبة أم  وقفه وحبسه كصدقة إلى يوم يبعثون ابتغاء نيل رضى الله تطبيقا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية سالفة الذكر؟
8-  لو كان الهدف من التهرب من دفع الضريبة، لتمكن الواقف من استغلال وضعه ومكانته الاجتماعية في الدولة العثمانية، من أن تمس أمواله وعقاراته.
9- في الختام، لو أن الدولة العثمانية كانت ترغب في تحصيل الضرائب لمنعت إنشاء الوقف، من خلال وسيليتين. الأولى: لتوقف السلاطين والحاكم والولاة والقضاة والمسؤولين عن إنشاء الوقف في عقاراتهم أو بجزء منها، والثانية: ما كان عليها أن تصدر القوانين التي تشجع على إنشاء الوقف وتنميته.

ب‌- دافع تنافسي مشروع زاد من عدد الوقفيات عام بعد عام، خلال مدة 4 قرون من الحكم العثماني للقدس، وفق ما أنبأت عنه سجلات المحكمة الشرعية.

الأمر الذي لم يكن وليد صدفة، في أن يتوصل الباحث إلى تحديد معيار جديد في تنصيف لقب المقدسي، بخلاف ما توصل إليه الكُتاب والباحثين السابقين، إذ يعتبر الباحث أن لقب مقدسي معايره الأساسي والأول، يستحقه كل من أوقف عقارا في القدس الشريف، ولو بأجزاء من القراريط التي امتلكها وقتئذ، باعتبار القدس في وجدان الأمة انطلاقا من وازع ديني، وهذا السبب الرئيس الذي أدى إلى التنافس بين مختلف العائلات في القدس الشريف، وكل من وطأت قدماه ترابها على العمل الصالح، وكل من اتخذها دار مقر واستقر فيها أو اعتبرها سبيل ممر.

إذ أن حجم الوقفيات وعددها، ممن أوقف تلك العقارات سواء من أهل القدس، أو ممن حضر إليها من بلاد المغرب العربي، ومن الشام بجميع اقطاره، ومن بلاد الحجاز وشبه جزيرة العرب، ومن العجم الذين دخلوا في الاسلام سواء من أهل الروم أو من الفرنج، بحيث أثبتت الدراسات الحقيقة، أن العدد الهائل للوقفيات الذُرية والخيرية في القدس الشريف التي تخص المسلمين وحدهم، والتي تزخر بها سجلات المحكمة الشرعية، تناهز 2400 وقفية عبر تاريخ القدس الممتد منذ العصر الأيوبي حتى اليوم  ، بخلاف بعض الدراسات التي أشارت إلى أن عدد الوقفيات في القدس الشريف على مرّ العصور بلغت بواقع 1781 لمختلف الفئات .

وعليه أعتقد جازما، أن المنطق العقلاني والقانوني يستدعي الأخذ بدقة المعلومة من المصدر الحقيقي، باعتباره المصدر الوحيد الذي يؤكد أو ينفي واقع جميع الدراسات والأبحاث، لا سيما وأنه يحمل الصفة الوظيفية القانونية لمصدر المعلومة بصفته صاحب الاحتصاص.

وبالتالي، ما نشره القائم بأعمال قاضي القضاة في القدس عام 2018، المطلع على سجلات المحكمة الشرعية بصفته الوظيفية، والذي يعمل لديه مساعدين من مختلف الدرجات الوظيفية في المحكمة الشرعية، حكما أي تصريح أو دراسة تصدر عنه تعد الأصوب والأدق من أي دراسة أخرى.


المحور الثاني
دحض وتفنيد الدراسة أو الدراسات المُعدة من بعض المؤسسات المحلية حول الدافع في إنشاء الوقف الذُري، من خلال واقع عدد وحجم الأوقاف الذرية في القدس الشريف مقارنة مع عدد الوقفيات في نابلس والخليل كنموذج.

تحاشيا للتكرار حول الدافع الديني في إنشاء الوقف، وجدت أنه من الأهمية بمكان وبزمان أن أبين في هذه الورقة من خلال المحور الثاني مايلي :

أولا: سبب إنشاء وزارة الأوقاف في عهد الدولة العثمانية

عند منتصف القرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية قد قطعت شوطا كبيرا في السيطرة على ممتلكات الأوقاف، وتلك السيطرة على مساحات واسعة من ممتلكات الأوقاف الخيرية، من أجل تحسين مدخولات الوقف لتحسين الأوضاع الاجتماعية والإقتصادية للسكان، حيث عمدت إلى تحويل نفقات الوقف الذي سيطرت عليه مـن الإنفاق على المساجد والزوايا ودور العبادة والإنفاق على النظام التعليمي، ليتعدى ذلك إلى توفير خدمات للسكان بشكل أوسع ورفاهية اجتماعية أفضل.

ولما كانت شؤون الأوقاف الاسلامية على الصعيد الإداري في مختلف مدن فلسطين، قد ارتبطت في اللواء مباشرة في مدينة القدس ومديرية الأوقاف، التي كان يتزعمها شيخ الاسلام، باعتباره يمثل أعلى هيئة دينيـة وإدارية في الدولة الكائن مقره في إسطنبول، فإن كافة القضايا والتصريحات التي كانت تصدر إلـى لواء نابلس والخليل وغيرها من المدن الفلسطينية، وفق ما أنبأت عنه السجلات الشرعية كانت تصدر من خلال قاضي القدس .

وبالتالي سجلات محكمـة  الخليل ونابلس  المتوفرة، تنبئ عن واقع مراسيم تعيين المتولي ، وكذلك الفصل في القضايا الوقفية، وكل ما يتعلق في شؤون الأوقاف، ومـن الأمثلة على ذلك تعيين النظار والمتولين على الوقف، وسماع الدعاوى التي تتعلق في شؤون الوقف من بيع واستبدال واحكار ومحاسبات شرعية بين المتولين والمستحقين، واعتداءات على الوقف وغير ذلك من الأمور المرتبطة بالوقف......

إذ كان ينظر جميع تلك القضايا ويبت فيها النائب الشرعي"القاضي"، الذي كانت الدولة العثمانية تعينه إما من سكان المدينة أو من خارجها، بما عُهد إليه من مهمة الفصل في الخصومات والحكم بين العامة في كافة القضايا ومن ضمنها القضايا الوقفية.

ومن هنا جاءت تنظيمات الأوقاف، ابتداء في إطار قانون الأراضي العثماني الصادر فـي عـام (1275هــ ـ 1858، بحيث عالجت مواد القانون كافة أنواع الأراضي، وانفردت المادة الرابعة منه بأراضـي الأوقاف وبيان كيفية التعامل معها ضمن تقسيمات التالية حددت في القانون : إذ قُسمت الأراضي الموقوفة إلى قسمين:

1-  الوقف الصحيح وهي الأراضي التي كانت في الأصل مملوكة ملكا صحيحا أو وقفها أصحابها فهي موقفة حسب الشرع ، لذا فإن حقوق التصرف فيها بجانب الوقف لا تجري عليها بعض المعاملات القانونية كبيع والرهن.
2-  الأوقاف غير الصحيحة، وهي الأراضي المفروزة من الأراضـي التي وأوقفها السلاطين والأمراء والوزراء بناءعلى إذن السلطان، و هذا النوع مـن الأراضي تكون الرقبة للدولة أو للسلطان المؤمن عليها، وله الحق في التصرف بها، ويكون حق الاستغلال لجهة الوقف، ولهذا صنفت على أنها ليست أوقاف صحيحية، وأن حق التصرف في أعشـارها ورسوماتها خصصت إلى جهة ما.
3- وبموجب ذلك فإن قانون الأراضي حدد طبيعة الأراضي التي يمكن أن يتصـرف بهـا أصحابها، التي يقفونها أو يهبونها إلى جهة من جهات الخير،  شريطة موافقة السـلطان مباشـرة على أي وقف لأرض أميرية وكان هدف هذا الإجراء هو عدم المساس بخزينة الدولة التي تعـد الأرض الأميرية وإيراداتها دخلا لايمكن تجاهله في الدولة العثمانية.
وبالتالي لم يقف الحد عند إصدار قانون الأراضي، ولكن الدولة العثمانية قامت بإصـدار مجموعـة مـن القوانين التي كان أهمها: قانون الطابو عام 1276هــ -1859من أجل  تفعيل قانون الأراضي.

ثانيا: الوقفيات في مدينة الخليل

لم تُشر الدراسات إلى إحصائيات دقيقة لعدد الأوقاف الخيرية والذُرية في لواء الخليل، لكن من خلال قراءة بعض التوثيقات الواردة في الكتب والأبحاث، نجد أن مدينة لواء الخليل لها خاصية معينة، بالنظر إلى ما اقتطعه النبي محمد صلى الله عليه وسلم من بعض أراضي مدينة الخليل والأراضي المحيطة بها، إلى الصحابي الجليل تميم بن أوس الداري وعلى ذريته :" حبرون وبيت ابراهيم والمرطوم وبيت عينون..."، وبعد التحرير الأيوبي لمدينة القدس وسائر المدن حولها، قام بني أيوب باقتطاع عدد كبير من الاراضي في مدينة الخليل للجند وأفراد الجيش، بحيث أصبح هذا الاقتطاع نوع من التمليك، مما أتاح للشخص الذي اقتطعها بأن يوقفها على نفسه وعلى ذريته.

وبما أن الخليل كما يطلق عليها بعض الباحثين، بأنها وقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بادر الحكام والسلاطين إبان الفترتين الأيوبية والمملوكية، يإيقاف قرى على حرم الخليل وسماطه، بحيث اشتمل ريعها للصرف على المساجد والزوايا والأسبلة والأربطة وعلى الحوانيت والمصابن والحمامات والطواحين والمصابغ وغيرها....

ومن هذا المنطلق، أنبأت سجلات المحكمة الشرعية في القدس، كما أنبأ واقع دفاتر التيمارية العثمانية، أن أوقاف حرم الخليل وسماطه، أوقفت على عدة قرى محيطة بالخليل زمن حكام وسلاطين الفترتين سابقتي الذكر،إذ أُوقفت بعض القرى بشكل كامل وبعضها بشكل جزئي، منها على سبيل المثال: حلحول، خرسا، بني نعيم، إذنا، دورة، شوكية بني قيس، بيت أولا، عناب الكبرى، سوبا، يطا، بيت أمر، بني سليم، ترقوميا...

كما أوقفت قرى كثيرة على حرم الخليل وسماطه، في نواحي القدس وصفد والرملة ونابلس وغزة، وكذلك في الأردن ومصر والشام.

لذلك، وقف التخصيصات في مدينة الخليل كانت أكثر من الأوقاف الذرية بشكل لافت، بالنظر إلى طبيعة رقبة الأراضي، ورغم ذلك لم يمنع من تملك الارض نتيجة ما اقتطعه له الحكام والسلاطين من وقفها وقفا ذُريا، لكن كانت بعدد قليل بالمقارنة مع الوقف الذري في لواء نابلس.


ثالثا الوقفيات في لواء مدينة نابلس 

تشير الدراسات الحديثة، بأن عدد الوقفيات التي تم رصدها في مدينة نابلس 269 حجة وقفية ، مقسمة إلى 74 حجة وقـف ذُري، و152 وقفية استبدال، و34 احكار، وهذا ما أفصحت عنه سجلات المحكمة الشرعية في مدينة نابلس وفق الدراسة المذكورة، نتيجة عدد من القضايا المتعلقة بالوقف في المحكمة الشرعية، إذ واقع سجلات محكمة نابلس الشرعية أنبأت عن وجود خلافات بين الجهات المستفيدة من الوقف سواء كان وقفا ذريا أو خيريا.

النتيجة الحتمية التي لا تقبل التأويل أو التفسير.

إزاء واقع الدراسات والمصادر الرسمية، لعدد الوقفيات في القدس الشريف، فقد أثبتت هذه الورقة بلا منازع الحقائق والوقائع القانونية التالية:

1- أن الدافع لإنشاء الوقف في القدس الشريف هو دافع ديني بحت، فإذا كان الهدف من إنشاء الوقف الذري وفق زعم بعض الروايات المشكوك في مصداقيتها للتهرب من الضرائب التي فرضتها الحكومة العثمانية أثناء إدارتها لفلسطين، لكان المنطق يقتضي أن نقول أن تكون وقفيات مدينة نابلس والخليل بالمئات بنسبة وتناسب مع عدد الوقفيات الاسلامية بالقدس البالغة 2400 وقفية، وبالتالي لقام أهل نابلس في سبيل الحفاظ على ملكيتهم العقارية، وللتهرب من دفع الضرائب أسوة بأهل القدس بإنشاء الوقف الخيري والذُري على حد سواء، بنسبة منطقية مع عدد السكان وحجم المدينة، ضمن نطاق الامتداد العمراني سواء داخل البلدة القديمة لمدينة نابلس أو خارجها، على أن تكون تلك النسبة بواقع ما بين الوقف الخيري والذُري مع حجم الوقف في القدس، على أقل تقديرما بين ( 2:1) أو (4:3) أي بنسبة لا تقل عن  1200 -1600 حجة وقف.

2- كنتيجة لعدم توفر رابط معنوي ديني في مدينة نابلس، كما في القدس مسرى الرسول الأعظم، وكما في الخليل الذي أُسس وقف التخصيصات لهذه المدينة في عهد الإنطاء النبوي محمد عليه الصلاة والسلام، ولمكانة الخليل المعنوية لسيدنا ابراهيم عليه السلام، باعتباره صاحب الصحف الأولى، فإننا نجد بالجزم واليقين أن الدافع في إنشاء الوقف في العهد العثماني وازدياده بصورة متسارعة في القدس، هو حافز ديني بحت، تم ذلك بلطف وتدبير رباني عالم الغيب والشهادة، ساهم بشكل لم يكن يتصوره أحد في منع تهويد المدينة المقدسة، وهو ما لم تشر إليه تلك الدراسات المشبوهة، الأمر الذي يجعل من دراستهم محل تشكيك وظن، كونها نابعة عن ترداد لرواية خارج التعمق في بحار سجلات المحكمة الشرعية.

3- أخفقت بعض الدراسات الصادرة عن إحدى المؤسسات في القدس، بتحديد وتصنيف عدد العقارات كملك خاص بواقع 1657 عقار، أي بنسبة 40.41% من مجموع الكلي لعدد عقارات البلدة القديمة البالغة 4100 عقار، إذ أن جمعية "وقفنا" ستثبت بالدليل القطعي أن تلك النسبة لا تمت للواقع القانوني بصلة، من خلال دراسة تم إعدادها ضمن مظلة الوقف الذُري العامر و المندثر الأصحاب، وكي لا أخرج عن موضوع هذه الورقة، كان لا بد لي أن أختم بهذه المفاجأة، للتأكيد دون تحيز أو تعصب، بأن جمعية " وقفنا" تاتي في المرتبة الثانية من حيث دقة وصحة المعلومات بعد المحكمة الشرعية في القدس الشريف، التي تفتقر كثير من المؤسسات والدراسات للمزية التي تتحلى بها الجمعية، باعتبارها مصدر رسمي وقانوني في نشر المعلومات التي تخص الوقف في القدس الشريف، لسببين. الأول: أن لديها طاقم متخصص في علم الأوقاف والشريعة والمخطوطات، والثاني: أن المادة العلمية متوفرة لديها بغزارة ولله الحمد.

والله ولي التوفيق،،،،،
1443 هجري- 2022 ميلادي

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير