فوساكو شيغينوبو: ثورة مفتوحة

28.05.2022 11:23 PM

في الثامن والعشرين من أيار 2022، سيُطلق سراح فوساكو شيغينوبو من السجون اليابانية بعدما أجبرت على قضاء آخر واحدٍ وعشرين عامًا ونصفٍ من عمرها هناك. قبل شهر من إطلاق سراح والدتها، طلبت مجلة «ذا فيونامبيولست» من مي شيغينوبو أن ترسم صورةً سياسيةً لوالدتها تحية لما جسدته من مثال للتضامن الدولي. تصف مي سنوات فاعلية فوساكو المبكرة التي قادتها لتولي مسؤوليات كبيرة في الجيش الأحمر الياباني قبل الانتقال إلى بيروت لتلعب دورًا فاعلاً في نضال التحرر الفلسطيني.

كان صباح الثامن من تشرين الثاني عام 2000 باردًا بالرغم من أنه مُشمس. كنت أتحدث مع أصدقائي في الجامعة في بيروت، استعدادًا لحضور أول محاضرة لي في ذلك اليوم، حينها رنّ هاتفي. جاءني صوتٌ آلفه يقول بطريقةٍ مشفرة: «هل عائلتك بخير؟». أدركت فجأة حينها بأن شيئًا ما قد حدث لأحد أفراد مجتمعي الياباني السري، لعائلتي. لم أعد قادرةً على التركيز في حديث أصدقائي، ولا محاضراتي، مهما حاولت جاهدةً أن أفعل ذلك. استسلمت في نهاية الأمر لقلقي واتجهت إلى البيت لأرى إن كان بإمكاني التقاط أي معلومة عمّا حدث من الأخبار.

كنت ملتصقةً بالتلفاز، أقفز من محطةٍ إخباريةٍ  فضائية إلى أخرى لأكثر من ساعة قبل أن أرى الصورة التي كانت أشد ما أخشاه: أمي، زعيمة الجيش الياباني الأحمر، قد اعتُقلت.

على مدى أقل من شهر، بينما كانت أمي مُحتجزة وتُستجوب من قبل الحكومة اليابانية، كتبت على أرضية زنزانتها تقريرًا من مئتي صفحة تصف فيه حياتنا السرية كأم وابنتها. بفضل هذا، حصلت أخيرًا على الجنسية اليابانية بعد 27 عامًا من العيش كشخصٍ عديم الجنسية بلا وثائق. نُشر التقرير لاحقًا ككتاب، بعنوان «قررت أن ألدكِ تحت شجرة التفاح» عام 2001، وكان ذلك واحدًا من بين عدة كتب نشرتها من السجن.

ولدت فوساكو شيغينوبو في منطقة سيتاغايا في طوكيو في 28 من أيلول عام 1945، في الشهر نفسه الذي وقّعت فيه اليابان رسميًا على الاستسلام للقوات المسلحة الأمريكية مع نهاية الحرب العالمية الثانية. لم يكن هناك ما هو استثنائي في طفولة فوساكو وبداية حياتها في اليابان في فترة ما بعد الحرب. لقد كانت الطفلة الثالثة بين أربعة أطفال ولدوا في اليابان المنكوبة بالفقر لأبوين متعلمين تمتعا سابقًا بامتيازات. عمل والدها كمعلمٍ متطوع في مدارس المعابد البوذية بعد الحرب العالمية الأولى، ومن ثم جُند للانضمام إلى الجيش الإمبراطوري الياباني. هناك، انضم إلى مجموعة من الضباط الوطنيين بغية التمرد على النخبة السياسية، التي تربّحت من الحروب الإمبريالية اليابانية للتوسع في آسيا. فعوقب جراء انضمامه لتلك المجموعة ونُفي إلى منشوريا [في الصين]، التي كانت تقبع تحت الحكم الاستعماري لليابان في ذلك الوقت. ألقى حضور والد فوساكو القومي الناشط ظلاله على معظم فترة حياتها المبكرة، وظلت حينها غير مسيّسة.

بدأت فوساكو العمل بعد تخرجها من المدرسة الثانوية في شركة متعددة الجنسيات تدعى «كيكومان». لقد كان عملاً نخبويًا مكتبيًا من شأنه أن يضعها على طريق ثابت يؤدي بها إلى توظيف مدى الحياة، وبالتالي يضمن لها عضويةً في النخبة الاقتصادية في اليابان. ولكن رغم ذلك، كان دافعها الأساسي للعمل في كيكومان يتمثل في أن تتمكن من مواصلة الدراسة في الجامعة. وبعد سنوات من العمل في المناوبات المسائية، تمكنت من الحصول على شهادة مزدوجة في الاقتصاد السياسي والتاريخ.

انتهى الوضع الطبيعي لحياتها في أول يومٍ لها في جامعة ميجي، حين انضمت إلى اعتصامٍ طلابي احتجاجًا على ارتفاع الرسوم الدراسية في الجامعة، وهي قضية أثرت عليها مباشرةً كطالبة عاملة. ومنذ ذلك اليوم فصاعدًا، أيقظتها «زنغاكورِن» على عالم النشاط الطلابي. وزنغاكورِن هي رابطة للجمعيات الطلابية انصب اهتمامها بداية على القضايا الجامعية وحقوق العمال والفقر، لكنها تطورت لاحقًا لتميل إلى اليسار الجديد الراديكالي المناهض للحرب على فيتنام ومناهضة لاتفاقية التعاون الأمني بين اليابان والولايات المتحدة، ومناهضة الرأسمالية والإمبريالية. انضمت فوساكو، عام 1969، إلى جماعة الجيش الأحمر الراديكالية، وترقت في صفوفه إلى أن أصبحت رئيسة مكتب العلاقات الدولية.

في عام 1970، بينما كان الاهتمام الدولي مُنصبًا على الحرب الأمريكية على فيتنام، تعرفت فوساكو على أحد القوميين العرب في اليابان وبدأت بالتعرف على النضال الفلسطيني ضد الاستعمار والاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي، وكان هذا كفيلاً بتغيير كل شيء. حيث قررت، من ذلك الوقت فصاعدًا، أن تُكرّس حياتها للنضال الفلسطيني. فعقدت روابط تضامن مع الفلسطينيين في لبنان، كما دعت زملاءها النشطاء في اليابان إلى الانضمام لحركة التضامن عبر أي مجالٍ يبرعون فيه. 

يُعرف الجيش الأحمر الياباني في اليابان وغيرها، أساسًا، بكفاحه المسلّح وعملياته العسكرية الموجهة ضد المصالح الرأسمالية والإمبريالية في جميع أنحاء العالم، والتي غالبًا ما تتخذ شكل اختطاف الطائرات واحتجاز الرهائن. وبدرجة أقلّ بكثير، معروف عن الجيش الأحمر الياباني تعهده المتين والفعال بالتضامن مع الشعب الفلسطيني من خلال الجهود الإنسانية والفنية الشعبية.

عملت فوساكو بدايةً في مجلة الهدف، مكتب العلاقات العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى جانب غسان كنفاني رئيس تحريرها. لقد عزز دورها هناك الدعم الياباني للقضية الفلسطينية من خلال إطلاع نشطاء اليسار اليابانيين على ما يحدث على الأرض في لبنان. كما قدمت أيضًا دعمًا لوجستيًا للمتطوعين اليابانيين الذين ذهبوا إلى هناك، وربطتهم بشركاء فلسطينيين ذوي صلة.

ذهب بعض الأطباء اليابانيين إلى لبنان لفتح عيادات في مخيمات اللجوء، أو لتدريب الناس على العلاج بالإبر، كما ساهم الفنانون بتقديم أعمالٍ فنية أو مسرحيات بإنتاجٍ مشترك، بينما قام الكتّاب بالكتابة عن شخصياتٍ فلسطينية بارزة مثل كنفاني أو ترجمة أعمالها. فلعقودٍ من الزمن، كان الجيش الأحمر الياباني يؤدي أعمالاً من النوعية التي تضطلع بها المنظمات غير الحكومية. بيد أن الفارق الوحيد بينهما يتمثل في إطاره الأيديولوجي وحقيقة كونهم متطوعين.

حتى بعد أن أُجبروا على الاختباء، استمر العديد من اليابانيين بدعم عمل الجيش الأحمر الياباني وعمله التضامني الثوري في مجالات الطب والفنون والثقافة والإعلام والأدب، سواء كان ذلك الدعم خفيةً أو علانيةً.

أُجبرت فوساكو أن تعيش حياة تحت الأرض بعد وقتٍ قصير من عملية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1972 في مطار اللد في فلسطين التاريخية، وذلك بسبب اعتقال أحد اليابانيين الثلاثة الذين اشتركوا في ذلك الهجوم. حيث أصبح من المعروف لحكومة الاستيطان الإسرائيلي بأن نشطاء يابانيين يشاركون الآن في العمليات المسلحة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة وديع حداد. وبذلك، أصبحوا أهداف اغتيال محتملة للدولة الإسرائيلية.

أصدر الإنتربول مذكرةً باعتقال فوساكو شيغينوبو، بعد أن حدد أحد الرهائن في السفارة الفرنسية في لاهاي (عملية أخرى من عمليات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بمشاركة متطوعين يابانيين عام 1974) زورًا بدايةً أنها كانت من ضمن محتجِزي الرهائن. سُحبت شهادة الزور هذه لاحقًا غير أن مذكرة الإنتربول بقيت.

إلا أنه، حين أُلقي القبض عليها في اليابان، اتُهمت أولاً بتهمتيْ تزوير جواز سفر. ثم صدّر الادعاء تهمة «تورطها في عملية لاهاي» إلى الواجهة، لضمان عقوبة أطول بالسجن. وطوال جلسات محاكمتها التي امتدت لست سنوات (2001-2006)، لم يتمكن الادعاء من تقديم أي دليلٍ ملموس، بل استند في اتهاماته بدلاً من ذلك إلى أقوالٍ مأخوذة من استجوابات أعضاء سابقين في الجيش الأحمر الياباني (ذكر شاهدان منهم أثناء وقوفهما للشهادة أنهما تعرضا للإكراه أو الابتزاز للتوقيع على أقوالهما).

حُكم على والدتي بالسجن 20 عامًا (لكنها أمضت 21 سنة ونصف فعليًا في السجن) في عملية لم يكن لها يدٌ فيها بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، وذلك حتى وفقًا لشهود الادعاء وآخرين جاءوا للشهادة مثل ليلى خالد (التي عملت مع حداد في ذلك الوقت). لم تمنع حقيقة عدم وجود دليلٍ ملموس على تورطها في العملية القاضيَ من إصدار حكمٍ قضائي بتهمة «محاولة القتل العمد»، مستدلًا على ذلك باحتمالية وأرجحية التآمر مع الكوماندوز الياباني.

وبعد حضور أغلب جلسات المحاكمة على مدار ست سنوات ورؤية حضورٍ صحفيٍ مُكثف في المحكمة، لاحظت تغطيةً متواضعة جدًا لمحتوى المحاكمة في الإعلام. فأدركت حين اتُهمت فوساكو بتهمة «التآمر المُحتمل» أن الأمر يتعلق غالبًا بملاحقةٍ سياسيةٍ مُتنكرة في صورة «عدالةٍ ديمقراطية».

كانت لحظة ظهوري للعيان بعد الاختباء أيضًا بمثابة بداية رحلتي في مقاومة عقودٍ من البروباغندا التي ترعاها الدولة حول والدتي ومنظمتها الثورية اليسارية، الجيش الأحمر الياباني، والتزامهم تجاه تحرير فلسطين.

لقد حُدد عمل حياتي في اللحظة التي كُشفت فيها عن هويتي، بعدما بات مطلوبًا مني أن أُدين أفعال أمي. وعلى الرغم من الملايين حول العالم قد يصدقون البروباغندا التي ترعاها الدولة بوصمها على أنها «إرهابية»، وكذلك ابنتها، إلا أنني أعرف مَن تكون فوساكو شيغينوبو حقًا.

لقد اختبرت عن كثب الحب والتفاني اللذين لم تكن تكنهما لي فحسب، بل لكل الناس خاصةً أولئك المضطهدين. أعرف دوافعها الحقيقية وما ضحت من أجله؛ إنها مُثُل لا يتشبث بها سوى قلة في عالمٍ تقوده السلطة والمال والجشع في كثيرٍ من الأحيان. لم تعلمني أن أكون لطيفةً فقط، أو أن كل تمييزٍ ظلم، بل علمتني أيضًا أنه ينبغي علينا العمل على إنهاء هذا الظلم.

أخبرتني والدتي على الدوام، بصفتها أجنبيةً تحاول التعبير عن تضامنها مع شعوبٍ أخرى، بأن حياتها كثائرة وأم كانت دائمًا مسارًا للتعلم. إذ وجدتْ، في النهاية، بأن الإيديولوجيا ليست كافية، وبأن العائلة والحب والصداقة المتينة والتضامن هي عناصر مهمّة بالقدر نفسه في النضال الثوري.

«الحب أساس مشترك … رفاقنا هم العائلة».
– من قررت أن ألدكِ تحت شجرة التفاح.

لقد أصبحت أمي، بصفتها ناشطة سياسيةً مُتقدة مدعومة بصلابة خلفيتها الإيديولوجية اليسارية المناهضة للإمبريالية والاستعمار، شخصًا يعي بأن الثورة لا تقتصر على إطار إيديولوجي، وبأنه ينبغي عيشها وممارستها مع الآخرين من خلال تجارب الحياة الشاملة.

بقدر ما تغيرت هي، تغير العالم أيضًا في كيفية ممارسة النشاط السياسي. لقد تغيرت التحالفات، ووجدت أدوات جديدة للحراك الشعبي. إلا أن الثابت الوحيد بين الماضي والحاضر هو الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي لفلسطين، والعدوان والتمييز الذي يمارسه ضد الشعب الفلسطيني، والحاجة لمحاربة هذا الظلم بكافة أشكال التضامن.

سيُطلق سراح والدتي في 28 من أيار 2022 وقد بلغت 77 عامًا. أمضت 28 عامًا منها تحت الأرض و21 عامًا ونصف في الأسر. لم تعش في اليابان سوى 26 سنة، قبل نصف قرن. سيكون عليها أن تعتاد الكثير من الأشياء، وتواكب الكثير، وأن تعاود وصل العديد من الأصدقاء والأماكن والذكريات. للأسف، فقد مات العديد من أصدقائها ومعارفها، وأنا قلقة بشأن سلامتها والقسوة التي قد تواجهها في المجتمع الياباني، حيث لا يزال يُنظر إليها على أنها «إرهابية». إلا أنني أتطلع إلى الوقت الذي سيتاح لي قضاءه معها، مهما كانت مدته، لأستكشف معها وطنها الذي تحبه بصدق. أتوقع أننا سنمضي ساعات طويلة نناقش السياسة كما كنا نفعل، وننخرط في الكثير من المشاريع الإنسانية المثرية، لاستكمال عملنا التضامني في محاربة الاضطهاد واللامساواة والظلم في كل مكان في العالم.

 

المصدر: موقع "حبر"

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير