دمعة مالحة عالقة في الروح

25.05.2022 09:56 AM

 كتب محمد دراغمة: مر أسبوعان على رحيلك، وبخلاف أي رحيل آخر، ما زال حضورك طازجا طاغيا ممتدا على مساحة البلاد كشمس لا تغيب.

الناس تقول إن الحزن يبدأ كبيرا ثم يتضائل، لكن غيابك جاء مثل جرح مفتوح لا يلتئم، دمعة مالحة عالقة في الروح، غياب اسطوري اغريقي أبكى وأحزن الناس والشجر والحجر.

أسبوعان ونحن نبكيك كأنك رحلت الآن، أسبوعان والاعلام العالمي ينقل الروايات عنك كانك حدث اليوم لا الأمس.

أخانا الكبير المشترك، وليد العمري قال لي إنه كان يقيس أداء الصحافيين في البلاد بمسطرة شيرين، والآن كسرت المسطرة، فلا قياس بل يحزنون….

أحاول مواساة نجوان سمري، الصديقة الاقرب الى روحك، فاقول لها: رحيلك كان زلزالا أحدث انهيارا لعالمنا، وعلينا إعادة بناء هذا العالم من جديد، طوبة وراء طوبة، فتقول؛ وما جدوى عالم شيرين ليست فيه..

أقول لها: علينا أن نحيا بعد كل موت، فتقول: سنحيا، ولكن حياتي ستكون بنصف روح..ستكون نصف حياة.

الصحافيون الأجانب العاملون في البلاد الذين عرفوك في ميادين القدس ورام الله وجنين سكبوا كثيرا من الحبر والدموع. وكالة اسوشييتدبرس، بيتي الأول الذي عشت فيه ربع قرن، أرسلت طواقمها إلى جنين، وقلبت كل حجر، وقالت للقاتل في عينه: أنت القاتل.

يسألني صحافي أجنبي:كيف ستعملون في الميدان بعد اليوم، مشيرا الى خطر الموت الكامن في بندقية كل جندي؟

لا جواب، الا اننا سنخرج من بيوتنا الى عملنا كل يوم، صحيح اننا نواجه الموت، لكن حياة الناس في هذه البلاد قامت دائما على مواجهة الموت…

الصحافية منى الشقاقي المقيمة في أمريكا، وهي صديقة مشتركة، إتصلت لمواساتنا. قالت: "المراسلون هنا يذهبون لتغطية الحرب لمدة قصيرة لا تزيد عن بضعة أسابيع، يعودون بعدها للتعافي، يأخذون إجازات طويلة، ويعرضون على أطباء نفسيين لتفريغ هول ما عايشوه من أخطار، أما شيرين فقد عملت مراسلة حربية طيلة أكثر من ربع قرن، دون تذمر.

رحيلك يا شيرين كان زلزالا هز الانسان والافكار والحاضر والماضي والمستقبل، رحيل شبيه برحيل الامراء والنبلاء والابطال في الأساطير الاغريقية القديمة، رحيل من ذلك النوع الذي يحزن الامة ويهز قناعاتها القديمة ويفتح الطريق أمام ميلاد قناعات جديدة.

الشيخ الدكتور أحمد يوسف إتصل بي من غزة، وقال إن بعض المشايخ كانوا يتحفظون على تهنئة وتعزية غير المسلمين، لكن عندما رحلت خرجوا للصلاة على روحك مستحضرين صلاة النبي محمد عليه السلام على ملك الحبشه، النجاشي، المسيحي الذي احتضن المسلمين وحماهم من بطش المشركين. وأضاف: "لقد انتهت تلك الافكار الى غير رجعة"

أمس التقيت، مصادفة، الفنان الجميل خالد حوراني، حضنني وربت على كتفي قائلا: أنا حزين لانني لم أخبر شيرين، في اللقاءات والتقاطعات التي جمعتنا، كم أحبها. من الآن فصاعدا سأخبر كل إنسان أحبه بأنني أحبه. انا أحبك.

ونحن يا شيرين نحبك حتى التعب، كما قال شاعرنا الجميل الراحل محمود درويش.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير