أثر جائحة كورونا على الالتزامات العقدية والمواعيد الاجرائية في ظل القانون الفلسطيني

26.04.2022 11:57 PM

كتب قصي ابو عرام،:  إنَّ ما يشهده ويمر به العالم في الوقت الحالي من تداعيات فيروس كورونا المستجد على كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية كوباء فرض نفسه كواقعة مادية ذات آثار سلبية واضحة على العلاقات القانونية على وجه العموم وعلى الالتزامات العقدية على وجه الخصوص وبالتحديد عقد العمل والإيجار، حيث أن هذه الروابط والعلاقات والالتزامات القانونية قد يختل توازنها؛ نتيجة الركود والعجز الذي يصيب بعض القطاعات والمؤسسات الاستثمارية؛ وذلك بسبب الاجراءات والتدابير الاحترازية التي تم اتخاذها من قبل الحكومة للحد من تفشي هذا الوباء؛ مما جعل من المستحيل أو على الأقل من الصعب تنفيذ الالتزامات العقدية ما بين المتعاقدين أو تأخير تنفيذها، وكما أن تفشي هذا الوباء وانتشاره بشكل واسع أوجد معضلة وإشكالية قانونية على درجة من الخطورة على الالتزامات والآثار القانونية ومدى امتدادها للعلاقة العقدية، حيث أنه لم تقتصر هذه الآثار على المعاملات  والعلاقات الداخلية، بل طالت وامتدت هذه الآثار إلى الخارج أيضاً بشأن بعض المعاملات والإلتزامات الضريبة والمالية المتعلقة بالشركات والقطاعات المصرفية، الأمر الذي دفع العديد من المؤسسات والشركات والقطاعات الاستثمارية إلى الاعتراف بحالة القوة القاهرة وإقرارها بشأن هذه المعاملات في مختلف القطاعات وعلى كافة الأصعدة؛ وذلك من أجل التهرب والتنصل والتخلف عن تنفيذ التزاماتها العقدية المطلوبة منها اتجاه الزبائن والمتعاقدين معها، وعدم إيقاع مخالفات أو غرامات أو تعويضات عليها نتيجة هذا التخلف أو متمسكة بحجية عدم القدرة على تنفيذ الإلتزامات المطلوبة منها.   

وهذا ما دفع الفكر القانوني والاجتهاد القضائي في مختلف دول العالم إلى اعتماد وتبني وسيلتين أو آليتان تعتبران من ضمن الوسائل الحمائية والوقائية للمدينين (المدعى عليهم) الذين أصبحوا مهددين بالإفلاس، أو على الأقل أصبحت ذمتهم المالية تعاني من عجز وضرر خطير، وأصبحوا غير قادرين على تنفيذ إلتزاماتهم العقدية المطلوبة منهم على أكمل وجه، وهاتان الوسيلتين اللتين تم تبنيهما هما نظريتي القوة القاهرة والظروف الطارئة اللتين تكمن غايتهما في معالجة الحالات التي يصبح فيها الالتزام العقدي مستحيل التنفيذ وهو ما يدعى ويسمى (بنظرية القوة القاهرة)، أو صعوبة تنفيذه أي تجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً للطرف المتعاقد وهو ما يسمى ( بنظرية الظروف الطارئة)، وهاتين النظرتين تعتبران في الأصل تطبيق عملي وقانوني لمبدأ أخلاقي يقوم على قاعدة قانونية مقتضاها  أنه لا تكليف بمستحيل أو لا تكليف بما يتجاوز الطاقة والقدرة العادية للإنسان معتدل الإدراك.

كما أن نظرية القوة القاهرة كان لها تأثيراً كبيراً على مختلف القوانين والتشريعات في معظم دول العالم حيث نلاحظ أن بعض الدول عاجت وتصدت لهذه المعضلة في تشريعاتها الوطنية الداخلية، فمن غير المتصور والمتوقع أن جميع دول العالم قد تتعرض لقوة قاهرة من شأنها أن تؤثر على مختلف مناحي الحياة سواء من اقتصاد أو صحة أو تعليم وغيرها من الأمور الأخرى، وهذا الأمر يتطلب اتخاذ اجراءات وتدابير قانونية لمواجهتها والتصدي لها، حيث أن واحد  من النماذج على القوة القاهرة التي أصابت وألمت بكوكب الأرض هو فايروس كورونا المستجد(كوفيد19)، بحيث أنه وبعد انتشار فايروس كورونا بشكل واسع ووصوله إلى كافة ومختلف دول ومناطق العالم، كان من المتوجب أن يكون هناك  تدخلات قانونية من قبل السلطات التشريعية الفلسطينية؛ ولكنه بسبب الظروف التي سادت العالم أجمع وانحلال المجلس التشريعي وعدم انعقاده منذ  2007 ولغاية يومنا هذا، فإنه قد أصدر الرئيس محمود عباس بموجب الصلاحيات المخولة والممنوحة له بموجب القانون الأساسي الفلسطيني، إعلان حالة الطوارئ الصحية العامة لمواجهة فايروس ووباء كورونا الذي أصاب معظم دول العالم وكان ذلك من خلال المرسوم الرئاسي رقم(1) لسنة 2020 المتعلق بإعلان حالة الطوارئ  في الأراضي الفلسطينية ولمدة شهر من تاريخ 5/3/2020.

نتيجة لاستمرار وتفاقم وباء كورونا وانتشاره الواسع في كافة أرجاء العالم وبعد انقضاء مدة الشهر أصدر الرئيس العديد من المراسيم الرئاسية المتعلقة بتمديد حالة الطوارئ في الأراضي الفلسطينية نتيجة قرار الرئيس بإعلان حالة الطوارئ ترتب على ذلك العديد من القرارات بقانون ومنها القرار بقانون رقم (10) لسنة 2020 بشأن إعلان حالة الطوارئ؛ من أجل تنفيذ القرارات والتدابير الاحترازية التي تم اتخاذها وذات الصلة بحالة الطوارئ، ولقد جاء نص المادة الأولى من القرار بقانون رقم (10) لسنة 2020   على " أنه تعتبر مدة إعلان حالة الطوارئ لمواجهة القوة القاهرة سبباً قانونياً لوقف سريان مدة التقادم والمواعيد والآجال والمدد القانونية كافة". معتبراً في ذلك جائحة كورونا بمثابة القوة القاهرة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير