رسالة وفاء لمن يستحقون الوفاء

المحامي الفلسطيني في طليعة العمل الوطني.... محامون حملة إعتقالات أحداث المسجد الأقصى الأخيرة نموذجا

21.04.2022 06:33 PM

كتب المحامي فادي عباس* : تداولت الوسائل الإعلامية ومواقع التواصل الإجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية الجهد المضني والمستمر حتى تاريخ كتابة هذا المقال الذي قام به طاقم المحامين الفلسطينيين في مدينة القدس في متابعة إعتقال الإحتلال للمئات من أبناء شعبنا من داخل باحات المسجد الأقصى في الجمعة الثانية من شهر رمضان المبارك. لوحظ وبشكل لافت سرعة استجابة المحامين المقدسيين للحالة القائمة والمتابعة السريعة لقضية الإعتقال والتي تمت بشكل طوعي وتطوعي، وعجت صفحات التواصل الإجتماعي بصور لعدد من المحامين الفرسان الذين اضطروا للمبيت خارج منازلهم وأمام المحاكم وفي أروقتها لإستكمال متابعة المعتقلين. هذه المشاهد والصور والعمل الدؤوب الذي سطره هؤلاء الفرسان بعفويته وتطوعه تأتي في سياق الدور الطليعي الذي يؤديه المحامي الفلسطيني في مسيرة النضال الوطني، إذ أكد هؤلاء الفرسان على التزامهم ووفائهم لقضايا شعبهم والذود عنها ما استطاعوا وبالتالي استحقوا من كل واحد منا الوفاء والتقدير.

هذا الموقف المشرف لهؤلاء الفرسان من أبناء شعبنا ليس وليد اللحظة وإنما امتداد لحالة تاريخية أثبت المحامي الفلسطيني فيها وفي كل مراحل الإحتلال أنه شريك في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني، ولست أنسى ما حدثني به والدي أطال الله في عمره وعافيته والذي التحق في مهنة المحاماة منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ أذكر أنه وقبل أكثر من خمسة عشر عاماً وفي جلسة عائلية هادئة خلال مرحلة انتقالي من الحياة الجامعية إلى التدريب على أعمال المحاماة تناولنا الحديث وفي سياق نقاش عام حول مهنة المحاماة في فلسطين عن نماذج في حياة المحامي الفلسطيني تختلف كلياً عن نظيراتها في العالم، نماذج وطنية مشرفة فرضت ذاتها لتكون جزء لا يتجزأ من ذاكرة الحركة الوطنية الفلسطينية ونضاله المستمر، وكيف أضحى المحامي الفلسطيني جزء لا يتجزأ من هذه الحالة الوطنية بإعتباره حلقة الإتصال الأولى والوحيدة في حينه ما بين الحركة الأسيرة والقيادة الوطنية الموحدة خارج السجون. وقد شدته الذاكرة في حينه كيف كان المحامون الفلسطينييون بشكل شبه يومي يتجمعون في ساعات الفجر في القدس لتنقلهم إحدى الحافلات بشكل جماعي إلى سجن أنصار الصحراوي (النقب) لزيارة وتمثيل الأسرى من أبناء شعبنا وكيف تعرضت حافلة المحامين في منتصف الليل أثناء العودة من سجن النقب الصحراوي على طريق بئر السبع – الظاهرية إلى اعتداء من قبل قطعان المستوطنين أصيب خلالها من أصيب من المحامين، وحدثني كيف أضطر صديقه المرحوم المحامي حسن العوري أحد فرسان تلك المرحلة في أوج الإنتفاضة الأولى وفي إحدى الزيارات للأسرى في سجن النقب الصحراوي إلى تقبيل أحد الأسرى من فمه ليقوم بإيصال رسالة من القيادة الوطنية الموحدة خارج السجون إلى قيادة الحركة الأسيرة داخل المعتقل. هذا النشاط  للمحامين الفلسطينيين في تلك الفترة عرض العديد منهم للإعتقال وإجراءات القمع والتنكيل.

هذه الذاكرة للمواقف الوطنية المشرفة للمحامي الفلسطيني تعيدنا أيضاً لتاريخ ناصع لمهنة المحاماة في فلسطين سطره خيرة المحامين الفلسطينيين، فهل ينسى تاريخ شعبنا وذاكرته المحامي حنا نقارة رحمه الله إبن بلدة الرامة قضاء عكا والذي لبى نداء الدفاع عن شعبنا وأرضه من اللحظة الأولى للنكبة وله سجل حافل ومشرف من النضال الحقوقي الواسع حتى أطلق عليه لقب "محامي الأرض والشعب".

لم أكتب هنا لأؤكد إنحيازي الدائم والمطلق للمحامين ولهذه المهنة العريقة، وإنما لقناعتي التامة أن الجهد المحاماتي الفلسطيني وما يقدمه المحامون الفلسطينييون يظهر أهمية العمل الحقوقي في السياق الفلسطيني في مواجهة الإحتلال القائم، ويشكل أحد الأدوات الفاعلة لكشف زيف قوة الإحتلال العسكري كنظام إستعماري توسعي إحلالي يمارس التمييز العنصري والتطهير العرقي في أبشع مظاهره. وفي سياق هذا الجهد وإدراكاً للأهمية التي أشرنا إليها فإنه لا بد فلسطينياً -ودون الإجحاف بأية جهود قائمة- الإقلاع من حالة العمل الفردي النمطي في الملف الحقوقي وتوحيدها نحو بناء إستراتيجية عمل حقوقي جماعي على المستوى الرسمي والمدني شامل وأعم تجتاح العالم أفقياً على مستوى الشارع والجماهير وعمودياً على مستوى الأنظمة والمؤسسات الدولية وتعيد إنتاج مناصرة القضية الفلسطينية على الساحة الدولية وفي قلب المجتمعات بالحجم والثقل الذي تستحقه القضية الأنبل في العالم. قوام هذه الإستراتيجية تدويل كل ما يجري في فلسطين من ظلم تاريخي ترتكبه قوة الإحتلال العسكري في مواجهة الشعب الفلسطيني الأعزل وأرضه ومقدساته، وأن أصل المشكلة هو استمرار وجود الإحتلال ذاته؛ الإحتلال الأطول والأكثر فتكاً في الشعب المحتل وأرضه.

* أمين سر نقابة المحامين

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير