"بالطو إنجليزي "

20.04.2022 04:44 PM

كتب طارق عسراوي: قضى ليلته يركض بين أزقة المخيم، يقفز من فوق سور دار أبو مريم الخفيض، ليدلف منه إلى حوش أم ياسين ومن هناك إلى الزقاق الذي يقابل ساحة المخيم الرئيسية، ومنها يتسلل بين شاحنات الأونروا الزرقاء، تذكر صوت جمال الوعل وهو يقف على ظهر الشاحنة ويصيح ؛ هاي بقجة جديدة قبل أن يلقيها في الهواء فتلقفها كفيّ أكثر المتجمهرين رشاقة وأحسنهم بنيةً، هذا بالطوا صوف انجليزي ١٠٠٪؜ ما فيه ولا عطب، شكلو المرحوم كاين نظايفي - يُردِف بلكنته الخاصة - ومن ثم يقهقه، وحده جمال الوعل كان يقهقه أما بقية الناس فكانت تُطبَخُ تحت سقف المخيم الزينكو، وتلعن حظها والحرب والأنظمة.. وفيما بعد لعنت قيادتها الوطنية ووكالة غوث اللاجئين.

لم يستطع النوم، فهذا الحلم ذاته يراوده منذ أسبوع دون نهاية واضحة ، وفي كل مرة كان يصحو على قهقهة جمال الوعل، بينما هو يلهث ويتصبب عرقاً، وبعدها بدقائق  يتصاعد أذان الفجر من مئذنة بعيدة، يبقى ممددا في سريره إلى أن ينتشر النهار فيزيح أغطيته، يمد يده ليجلب كرسيّه المتحرك، وبقفزةٍ اعتادها يضع جسده فيها ويدفع عجلاتها بيديه الخشنتين، يدفعها وصولاً إلى ساحة المخيم حيث كانت تقف الشاحنات فيما ما مضى، يتلفّت يمينا ويساراً ، يبحث في وجوه المارة، يطالع نوافذ البنايات التي نبتت بصورة عشوائية في ساحة المخيم.. ولكن لا شيء يستوقفه !

يأتي جمال الوعل في موعده اليومي، دافعا عربة صغيرة يتصاعد منها  بخار الماء، يقف حيث كانت الشاحنات، يفرد أربعة مقاعد قش صغيرة عن ظهر العربة، يُعدّ لهما قهوته الرديئة، تصعد قهقهة جمال الوعل من معدته: ليش بتطلع بوجهي هيك! شو مضيّع بوجهي يا رجل ! إصحك تحكيلي شفت نفس الحلم !

يلعن أبو هالبالطو اللي مش قادر تنساه من ثلاثين سنه، على أبو الانجليز اللي صنعوه، على أبو عرباية هالقهوة اللي بتخليني أشوفك كل يوم!

- أنا ناسي البالطو من زمان يا جمال، بس مش ناسي رجليّ!

وهنا عادت الحكاية إلى رأسه، كأنها حدثت للتو، يومها كان جمال على ظهر الشاحنة، يصيح بصوته الجهور؛ بالطو انجليزي، ومن بين المتجمهرين لمعت عينا ياسر وتعلقت بالبالطو كأنه يستحديه، أشار له جمال بعينيه أن يبتعد عن جمهرة الناس جانباً، وألقى إليه بالبقجة أم البالطو، فلحق بها الناس، عيونهم معلّقة بالبقجة،أسقطوه أرضا، داسوه بأقدامهم، وهو متكوّر وفي حضنه البقجة، لقد ظفر بها قبل أن يسقط على ظهره، وسوف يعود إلى أسرته ظافراً ببقجة سمينة!

في البيت، كانت البقجة خالية من البالطو، وجد بها حذاء أحمر له كعب أسود طويل، حمالة صدر بنية اللون، ربطة عنق سوداء، ملابس مختلفة الأحجام.. ولا أثر للبالطو!

ذرع المخيم في المساء باحثا عن جمال، يسأله عن البالطو، لكن جمال صاحب حظوةٍ يتودد إليه الناس خوفاً على حصتهم من التموين، يلعب القمار في مقهى المخيم، ولا جرأة لأحد بمقاطعته والتحدث إليه. بعد ثلاثة أيام كان البالطو معلّقاً على باب دكان الملابس المستعملة  - بالة أبو رائد - لقد ميزه ياسر جيداً، سمع صوته يناديه، ها أنا ذا تعال! في المساء، تسلق سور الدكان من زاويته، رفع حافة الزينكو بكلتا يديه ودفع بجسده من تحته، وانزلق إلى داخل الدكان فاقدا توازنه.

صباحاً، خرج أبو رائد من الدكان مذعورا إلى الشارع يستجدي المساعدة، كان ياسر قد سقط من السقف على محراث تراكتور ومزقت شفراته الحادة مثل مخالب وحش ساقي الفتى!

بهذه السذاجة فقد ياسر كلتا ساقيه !

- ولكن بالله عليك يا جمال، شو جاب البالطو عند أبو رائد، سأله وهو ينظر إليه بطرف عينه!

الفهلوة، كنا نظنها فهلوة،  وأسقط بصره أرضاً،  كنت إذا وجدت قطعة ملابس جيدة،  أسقطتها بخفة على سقف الشاحنة قبل أن ألقي بالبقجة، وفي آخر النهار أبيعها لأبو رائد وغيره، مهي البلاد كلها مبيوعة وقفت علي أنا ما أبيع بالطو يعني !

لم يستطع جمال القهقهة بعد هذه الجملة كعادته حين يقول بسخرية أي من عباراته الجارحة، كانت كفي ياسر تحيطان بعنقه وهو يصيح فوقه؛  أنا بدي حق رجليّ .. يلعن أبو البلاد ..

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير