التفكير أقصر طريق إلى الإصلاح الصحي!!

13.04.2022 01:00 PM

 كتب محمد بني عودة* : لو قسمنا فيلاً كبيراً إلى النصف فلن نحصل على فيلين صغيرين. وهكذا النظام الكبير لا يمكن تجزئته أو إصلاح أحد مكوناته دون فهم الترابط مع المكونات والأجزاء الأخرى. وعليه سأقدم لكم في هذه المقالة تعريفا مبسطا لهذا المفهوم الذي ظهر منذ أكثر من خمسين سنة وله العديد من التطبيقات والأدوات الناجعة التي تستخدم في كافة التخصصات وإن كانت نشأته في الأصل تتبع لعلم الأحياء.

التفكير النُظُمي(Systems Thinking) هو طريقة للرؤية التفصيلية المتكاملة التي تركز على فهم العلاقات الجزئية الصغيرة المتشابكة وعلاقاتها مع بعضها البعض مع التركيز على النتائج النهائية، وهو تفكير مؤسسي أكثر منه فردي.  يعتمد هذا النمط من التفكير على التغذية الراجعة كما يعتمد على تتبع أسباب المشكلة وأن المشكلة أو الخلل لا يمكن إختزاله بسبب واحد بل بسلسلة مترابطة من الأسباب التي أدت الى حدوث المشكلة. ولذلك لا يكون إلقاء اللوم على شخص واحد مخطىء بل على عدة أشخاص وذلك بسبب اعتماده على التحليل المعقد الجزئي الذي يعزو كل سبب لمصدره الفرعي، مما يعزز المساءلة والشفافية.  إن هذا التفكير يستخدم الآن في عالم إدارة الأعمال والصناعات الدفاعية والزراعة والتعليم والصحة وكافة مناشط الحياة التنموية والتطويرية.

وهنا سأستخدم المقارنات لأنها تسهل على القارىء فهم الفروقات، وبالفروقات تتضح المشكلات. التفكير النُظُمي تفكير ديناميكي متغير مرن بينما التفكير التقليدي جامد ثابت لا يراعي المتغيرات، يركز على الأسباب والمسببات لا على التأثير والأعراض، يرى الغابة كاملة ولا يرى الأشجار كوحدات منفصلة عن الغابة وهو أيضا تفكير لَولَبي يتماشى مع المتغيرات ويسري بين ثناياها باحثا عن أسبابها بكافة تشعباتها على عكس التفكير التقليدي الخطي والأحادي الذي يرى من زاوية واحدة. يعتبر الاصلاح والتطوير المستمر من مقومات النهضة والانبعاث للدول ولكن المشكلة التي تعاني منها الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط هي الإصلاحات العمودية العشوائية غير المتجانسة.
إن هذه المشكلة يمكن النظر لها من وجهة نظر خبراء التخطيط على أنها جهود ضعيفة ولا تخدم المرامي الصحية وبمعنى أوضح: إن أي عملية اصلاح في أحد مكونات النظام الصحي لن تؤدي بالضرورة إلى تحسين واقع الصحة، طالما ان التفكير غير نُظُمي.

ومن هنا لابد من من ترابط كافة العناصر والمكونات والجهود المبذولة بما يخدم النظام كله وهذا ما نسميه بالتفكير النُظُمي. يتكون النظام الصحي حسب تعريف منظمة الصحة العالمية من ست لبنات أساسية وهي: الموارد البشرية، التمويل، نظم المعلومات، الخدمات الصحية، الحوكمة والقيادة والأدوية العلاجية والوقائية والتي تعمل بمجموعها لتغطية كافة أفراد المجتمع وبجودة عالية وعدالة في الوصول والحصول على الخدمات ويراعي الاحتياجات والإمكانيات الفردية. فمن وجهة نظر التفكير النُظُمي يجب أن تكون الإصلاحات أفقية وليست عمودية بحيث تدرس المشاكل من خلال تركيبة النظام الصحي البنيوية وليس المكونات منفردة. 

فلو كانت غايتنا مثلا هي الحد من انتشار مرض معين أو ظاهرة معينة مثل (قلة ممارسة النشاط البدني) من خلال التركيز على التوعية فقط وبدون النظر إلى قدرات وإمكانات النظام الصحي فلن ننجح في هذه الغاية. ومن أجل تحقيق هذه الغاية مثلا فلا بد من: وفرة الكوادر البشرية المدربة والمختصة، وأنظمة المعلومات التي تنشر الإرشادات عبر المنصات المتنوعة والتمويل اللازم لتقديم التدخلات اللازمة لتوفير البيئة المناسبة للمشي والحركة والخدمات الاستشارية المختصة (عيادات التثقيف والاستشارات) وفهم الترابط القائم بين كل ما ذكر. إن التفكير النظمي يضمن لراسمي السياسات الحصول على رؤية بعين تفصيلية تعتمد على فهم العلاقات المتشابكة بين المكونات لا على عناصر النظام الرئيسية بعينها.

يمكنني طرح مثال عملي نعاني منه في فلسطين وبواقع البيانات المنشورة حول الأمراض غير المعدية مثل أمراض القلب وتصلب الشرايين والسكري والضغط والسرطان والتي ارتفعت بنسة 40% في العقدين الماضين ولازالت بتصاعد مستمر. ولنأخذ مرض السرطان مثالا حيث تتنوع أسباب الإصابة وعوامل الخطورة مثل أنماط الحياة (الاكل والشرب والرياضة) والعوامل البيئية والجينية والاجتماعي الاقتصادية.

هذا التفكير لوحده يسمى تفكيرا تقليلديا ولكن أذا ما درسنا العوامل السابقة وفق تركيبة النظام نفسه ومكوناته فإننا لن نفكر ببناء المستشفيات فقط والعلاج الاشعاعي والكيماوي فلا بد وأن نبدأ من دراسة كافة العلاقات الترابطية بين أجزاء النظام الصحي من خلال النظر إلى كيفية إدارة الحالات المصابة من الإكتشاف الى التشخيص الى العلاج وذلك يمر فهم التحديات والمعوقات بين نظام التمويل والميزانيات المرصودة لهذا المرض والقيادة الحوكمة لخدمات الأورام ووفرة الكوادر المختص ونظم المعلومات والمراصد والأدوية والجهود التثقيفية التوعوية و فهم ترابط هذه العناصر كلها مع بعضها. لا التركيز فقط على الخدمات واهمال العناصر التنظيمية الاخرى التي تساهم في الحد من انتشار المرض واكتشافه مبكرا.

وأخيراً، لا بد لنا أن ندرك بأن التفكير يسبق التخطيط وهو أيضاً المقود الذي يحدد لنا الطريق الى التنمية وفق أسس علمية رصينة. لذا، لا بد أن يكون التفكير جامعاً وتفصيلياً في الوقت ذاته. 

* طالب دكتوراه في الصحة العامة، جامعة القدس

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير