عساف ،ودرويش ، المنصب ،الموهبة، بثينة ،حمدان،

14.07.2013 01:10 PM
كان سفيراً بالفطرة والموهبة، سفير الكلمة نثراً وشعراً ولحناً متجذراً في عمق الثقافة الفلسطينية والتراث، ورحل عنا غائباً حاضراً في كل كتاب.. في المنهاج الفلسطيني وبأكثر من 45 لغة حول العالم، عاش في ذكرياتنا، وخطت أقلامنا اليافعة أسطورة شعره، هومحمود درويش أول من "سجل أنا عربي"، انطلق بعدها في طريقه إلى العالمية وغاب متمرداً ولاعب نردٍ مازالت تشتعل فيه حياتنا. كتب قصيدة موته ووداعه.. وقد حملتُ له في وجنازته قليلاً من رمل حيفا الذي احتفظت به لنفسي وقررت أن أهديه إياه .. وكأنه أغلى ما أملك... نعم كان أغلى ما أملك.

اليوم نحن نعيش ولادة "أسطورة" جديدة يافعة يتصدرها محمد عساف محبوب العرب، سفير اللاجئين وسفير الثقافة والفنون، صاحب الحنجرة الماسية والذهبية والفضية والبرونزية، تلك الحنجرة التي تتلون بكافة اللهجات فتبدع وتضيف للأغنية والكلمة ابداعاً وجمالاً آخر، لا يكفي الحديث عنه هنا أبداً. فما يشغلني هو أن درويش الأسطورة والشاعر العالمي كان سفيراً للثقافة بالفطرة، أما عساف فهو اليوم سفير بتعيين من الرئيس محمود عباس، فهل سيكون جديراً بهذا المنصب؟ وهو منصب "اخترعته" السلطة ليكون سفيراً لها بالمعاني التي تريد وتأمل، فليكن لكن هل يقبل عساف المنصب أم يكون سفيراً حقيقياً للشعب وليس لأهواء السلطة والتي رفضها درويش بذكاء فكان حقيقياً بشعره إلى أبعد حدود الابداع!
نحن كفلسطينيين نحمل دائماً عبء الحصول على تأشيرة السفر هنا وهناك، أنت فلسطيني فهذا يعني أنك مطارد ومحاصر ومضطهد ومعرض للتساؤل في كل مطار، ونحن هنا نريد عساف أن يكون هذه التأشيرة التي تستطيع أن تنقل هذا الحراك الثقافي الفلسطيني والذي يعبر عن تاريخ وتراث وحكاية شعب تحت الاحتلال.

إن سفراء الثقافة والفنون في العالم هم غير موجودين على مستوى الدول، فهو ليس منصب متعارف عليه، ولا يوجد في كل دولة شخصية تعين سفيراً للثقافة والفنون، ومع ذلك فإن هناك أسماء حفظناها وحملت هذه المسؤولية بجهدها لتعبر عن ثقافة وتقاليد شعوبها فكانت سفيرة بالتجربة والخبرة والعطاء إلى العالم كله، كانت سفيرة بلقب من شعوبها.

إن السفير لغة واصطلاحاً هو ممثل رسمي وقد يكون غير رسمي يمثل مؤسسة أو دولة أو مقاطعة ما لفترة معينة وبشروط وعقد محددين، وسفير الثقافة والفنون هو أول منصب رسمي في هذا المجال في فلسطين والعالم والذي يأتي بالتعيين من الدولة، حيث أنني لم أجد في أبجديات الدول هذا المنصب، ومع ذلك فإنه منصب موجود لدى منظمة الأمم المتحدة والتي تعين ولفترة محددة وبعقد واضح سفراء النوايا الحسنة للتربية والثقافة والفنون، فتختار راقصة باليه من كوبا ومناصراً لقضية التنوع الثقافي من أيسلندا وأخرى لحقوق المرأة من لبنان، ورساماً من الهند وفنانة من جورجيا ورجل أو سيدة أعمال من ايطاليا وكلهم يدعمون انشطة اليونسكو ويتبرعون باستخدام موهبتهم وشهرتهم العالمية لرفع مستوى الوعي بمهمات المنظمة في مختلف المجالات.

وضمن هذا السياق هناك أسئلة مطروحة هنا: لقد كان درويش جديراً بأن يكون سفيراً بدون تعيين رغم المناصب السياسية والفخرية التي حظي بها، سفيراً للثقافة بلا منازع وبدعم وحب وتقدير الشعب والقيادة... فهل عساف جديرٌ بأن يكون سفيراً للثقافة والفنون في فلسطين؟ هل هناك رؤيا أو عقد واضح من مؤسسة الرئاسة –طبعاً لا- ولا حتى المؤسسات الثقافية والمثقفين لديهم هذه الرؤيا التي يجب أن تتبلور بسرعة وتنقل إلى عساف.

قد يعتقد البعض أن صوت عساف الذي وعد أنه سيصدح بالكلمة والجرح الفلسطيني وأنه لن ينسى كل هذا الألم والحصار والموت والدمار الذي يحيط بنا .. قد نعتقد أن هذا كافي ليكون سفيراً للنوايا الحسنة لدولة فلسطين وبالتالي للثقافة والفنون لكنه برأيي غير كافي.
نحن كمثقفين وكتاب وفنانين وموسيقيين وحقوقيين.... بحاجة إلى من يمنحنا تأشيرة العبور، فقد قطع عساف نصف المسافة وهي الوصول إلى كل هذه الجماهير التي تحتشد وتجن بانتظار أن يطل عليهم بصوته وابتسامته وكلامه النقي والمتواضع، لكن النصف الثاني من الطريق هو شوط طويل لابد أن يشمل توفير تأشيرة العبور بأن يحصن عساف بكل المعلومات اللازمة عن المشهد الثقافي في فلسطين ليستطيع أن يعبر عنه من خلال أعماله وحفلاته ولقاءاته بكافة رجالات وسيدات السياسة والأعمال في العالم، وهذه هي الخطوة الأولى.

اما الخطوات التالية، وهنا تزدحم في رأسي الأفكار حول كيف يمكن لسفيرنا الشاب أن يدعم المشهد الثقافي والفني في فلسطين: بأعمال مشتركة مع فنانين فلسطينيين سواء مطربين أو رسامين أو فنانين تشكيليين أو شعراء ومبدعين في مجالات كثيرة، كلمة في مقدمة إحدى حفلاته عن قصة هنا وهناك سيكون لها أثر كبير، عمل تشكيلي على إحدى صفحات غلاف ألبوماته سيكون له الأثر، هذا عدا عن استخدام حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي في الحديث عن إصدارات الثقافة الفلسطينية بشكل دوري سيكون له الأثر، إهداءه لشخصيات عربية وعالمية لإصدار ثقافي فلسطيني كتاباً كان أو ديواناً أو لوحة سيكون له الأثر، عدا عن مشاركته للأحداث الثقافية في فلسطين وبأشكال مختلفة.

أفكار كثيرة تماماً بحجم الجماهير التي تلاحقه هنا وهناك تنتظر أعمال "مؤسسة عساف للثقافة والفنون"... وفي العام المقبل سنسأل عساف ماذا فعلت للثقافة والفنون في بلدك؟ أم أنك ستكتفي بجواز السفر الدبلوماسي الذي منحتك إياه السلطة بينما جواز سفرك الحقيقي منحه إياك الشعب! سؤال بحجم الحب لصوتك و"الكاريزما" التي تملأ ملامحك وتصنع لك هذا المجد الذي فاق أي نجم عالمي في بداياته وجعل برنامج محبوب العرب لهذا الموسم الأول عالمياً بمستوى التصويت. بهذا الحجم ننتظر مؤسسة عساف للثقافة والفنون؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير