في الأول من نيسان.. حياتنا كذب في كذب

01.04.2022 12:18 PM


كتب: راسم عبيدات

في هذا اليوم يقال كذبة نيسان، ولو أن المسألة مقتصرة عند العرب على الكذب في شهر نيسان" لقلنا خير وزين"، ولكن يبدو بأن الكذب عندنا صار منهج حياة، حتى أننا صرنا نضع ونستخدم مقولة ومقولات لتبرير الكذب، الكذب ملح الرجال" و"كذبة بيضاء" وغيرها من قواعد وسلوكيات الكذب، قيادات تكذب على شعوبها وشعوب تمارس الكذب على بعضها البعض ...ورجال دين يمارسون الكذب والخداع والتضليل، ويبررون للحاكم والقائد كل سياساته وقراراته حتى المتعارضة مع مصلحة الوطن والمواطن، فهو القائد الملهم والمفدى الذي لا يخطئ ولا "ينطق عن الهوى"، والبعض من المشايخ ورجال الدين من كثرة التزلف والنفاق للحاكم يضعه في مرتبة " التأليه" و"النبوة".. نحن حياتنا أصبحت كذب في كذب وكأن الصدق عندنا استثناء، ولذلك ربما يكون الأول من نيسان عندنا يوم الصدق العالمي ..74 عاماً وهم يكذبون علينا بأن قضية فلسطين والقدس ،هي قضيتهم. وقبلتهم، وهم من يتأمرون عليها ويتمنون ان يأتي الصباح وقد اختفى شعب فلسطين، كما تمنى قادة الاحتلال ان يصحو وقد ابتلع البحر غزة. غزة التي تصدع رؤوسهم ليل نهار. غزة رغم حصارها باتت حلقة مهمة من حلقات محور المقاومة. غزة رغم حصارها وجوعها وقلة إمكانياتها، تدخلت مقاومة عسكرياً لصالح اهلنا وشعبنا في القدس، في هباته الثلاث المتزامنة باب العامود والأقصى والشيخ جراح في معركة "سيف القدس" في أيار من العام الماضي، تلك المعركة التي نجحت في "تهشيم" دولة الاحتلال عسكرياً وسياسياً ..رأيناهم في النقب متشابكي الأيدي مع وزير خارجية الاحتلال ووزير الخارجية الأمريكي الراعي لهذا المحفل التطبيعي، وهم يعتذرون من مؤسس الحركة الصهيونية ورئيس وزراء دولة الاحتلال الأول بن غوريون صاحب مقولة " اذا لم نصمد في النقب ستسقط تل أبيب".

نعم استجلبوا الى قبره ليضع عليه الأكاليل من الزهور ويقرأوا بالعبرية التلمودية التوارتية مقاطع من التوراة عليه، في النقب التي يتعرض أهلها وشعبها الفلسطيني الى أكبر عملية تهويد وتهجير واستيلاء على الأرض.. حتى ان أحدهم من شدة تأثره وحبه لبن غوريون قال إن بلاده نادمة على أنها لم تطبع مع دولة الاحتلال قبل 43 عاماً.. وآخرين أقاموا مع وزير جيش الاحتلال غانتس أثناء زيارته لبلادهم الصلوات والطقوس التلمودية على أرواح جنود الاحتلال الذين قتلوا بيد المقاومين.

ومن الكذبات الكبرى اننا صدقنا بأن هناك جامعة عربية، تعمل من اجل وحدة العرب وحل الخلافات والمشاكل بينهم، وحماية امنهم القومي وإعادة الاعتبار لكرامتهم المهدورة واستعادة حقوقهم المغتصبة وتحرير أراضيهم وبلدانهم المحتلة ...ولنكتشف بأن ذلك كذبة كبرى، فهذه جامعة تعبرنت وتحلم ان يقف على رأسها بينت او نتنياهو، وتتلقى تعليماتها واوامرها من واشنطن وتل أبيب، وهي من تشعل وتذكي الخلافات بين العرب، وحتى أنها تستحلب دول الاستعمار الغربي وأمريكا من أجل" اغتصاب" واحتلال البلدان العربية، العراق وليبيا نموذجاً، وحال منظمة التعاون الإسلامي، ليس بأفضل من حال الجامعة العربية، فليس فيها شيء يمت للإسلام بصلة سوى الإسم، ولجنة قدس يغتصب رئاستها ملك ليس له هم سوى التطبيع وإقامة الأحلاف وتوقيع معاهدات الدفاع المشترك مع دولة الاحتلال.. وقيادة وقعت على اتفاق كارثي، شكل النصر الثاني لدولة الاحتلال بعد النكبة، اوسلو الذي قسمنا شعباً وأرضناً، ما زال البعض منا يتغنى  به على انه نصر عظيم ،وما زلنا ندفع ثمن "نعمه" على جلودنا تشظية وانقساماً وتقسيماً للأرض والشعب.

مؤسسات دولية من جمعية عامة ومجلس أمن منذ اربعة وسبعين عاماً تمارس الكذب علينا، وقرارتها لم تطبق ولو لمرة واحدة على من يغتصبون أرضنا ويرتكبون كل الجرائم بحق شعبنا، ودول تمارس الكذب علناً وجهراً وتذرف دموع التماسيح على سيادة الدول والقانون الدولي والشرعية الدولية، وتتمسح بقيم ومبادىء العدل والحرية والديمقراطية والإنسانية وحق تقرير المصير، ولكنها في التطبيق تمارس الانتقائية وازدواجية المعايير، وحتى في قضايا اللاجئين، يجري التمييز بينهم على أساس القومية والدين واللون والجنس، والأنكى من كل ذلك بأننا نمارس الكذب على بعضنا البعض ،فكل فصائلنا وقادتنا يتحدثون عن ضرورة الوحدة وإنهاء الانقسام، وفي أرض الواقع نجد بأن الانقسام يتعزز ويتجه نحو التكريس والانفصال، والجميع منا يتغنى بالقدس والمقدسات وبأنها خط احمر والعاصمة الأبدية لشعبنا الفلسطيني، ولكنها للأسف بدون ميزانيات ولا مرجعيات موحدة، مرجعياتها الرسمية تتصارع فيما بينها اكثر من صراعها مع الاحتلال، وأهلها يخوضون صراعهم وحربهم المستمرة مع المحتل دفاعا عن أرضهم جوهر الصراع مع المحتل، وكل أشكال ومظاهر وتجليات وجودهم السياسية والثقافية والدينية والتعليمية والمؤسساتية والتراثية.

حرب يفرضها عليهم المحتل بشكل متواصل بدون توقف أو فواصل، لكي يحسم سيادته على المدينة، حيث الطرد والتهجير والاقتلاع والتطهير العرقي، سلوان والشيخ جراح نماذج وشواهد حية، وهدم المنازل الذي وصل حد ارتكاب "المجازر" بحق الحجر الفلسطيني، جبل المكبر نموذجاً، واستيطان بـ"فضل" اوسلو و"نعمه" وبركاته تضاعف عدة مرات، وأقصى يومياً يتعرض للاقتحامات وبأعداد كبيرة، مع تصميم عال من قبل الجماعات التلمودية والتوراتية على فرض وقائع جديدة فيه، تغيير من وضعه القانوني والديني والتاريخي، فحالياً تلك الجماعات تستحضر ما يسمى بالهيكل المعنوي، حيث وصلت الأمور حد اداء الصلوات التلمودية الصامتة في ساحاته، والنفح في البوق واداء ما يعرف بالسجود الملحمي، ويستعدون في شهر رمضان الفضيل الحالي فيما يسمى بعيد الفصح اليهودي من 15 -22/ نيسان، الى إدخال قرابين الفصح الى ساحات الأقصى وممارسة صلواتهم وطقوسهم التلمودية بشكل علني.

وبعد كل هذا الكذب الذي يمارس علينا والخداع والتضليل، من قبل أمة عربية اختار قادة  نظامها الرسمي الذل والهوان، والانتقال الى ما هو أبعد من التطبيع لإقامة الهياكل الأمنية مع المحتل، ضد عدو افتراضي اصطنعته لهم أمريكا بأنه يهدد أمنهم وعروشهم، وهو ايران، وكذلك اقامة احلاف سياسية واقتصادية وعسكرية شاملة معه، والكذب الذي يمارس علينا منذ النكبة وحتى اليوم من قبل ما يسمى بالمجتمع الدولي، وحواضن دولة الاحتلال، والذين جعلوا منها دولة فوق القانون الدولي لا عقوبات تفرض عليها ولا قرارات تتخذ بحقها لخرقها القانون الدولي ورفضها لتطبيق قرارات الشرعية الدولية.

وفي ظل قيادة رسمية "مفتونة" بالشرعية الدولية ومتمسكة بأوسلو ورافضة للتحرر والتحلل من التزامته، فإنه لم يتبق خيارات أمام شعبنا سوى تعلم الصدق، وليكن الأول، يوماً مميزاً للصدق الفلسطيني.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير