الحكم بالهراء والهواء والرياء

27.03.2022 04:03 PM

 

كتب: عزّام أبو العدس

"المجتمعات البشرية لا تكون الا على نمطين نمط المجتمع السليم الإنساني الحر الذي يحقق فيه الحكم اكبر سعادة ممكنة لأكبر عدد من الناس ونمط المزرعة الذي يكون فيها ارباب الحكم طبقة من الآلهة تحكم مزرعة من الحيوانات البشرية يقتات أصحاب المزرعة على صوفها ولبنها ودمائها ولحومها منزوعي الآدمية حيوانيي النفس والفكر والسلوك"، " جورج اورويل" مقال عن رواية مزرعة الحيوان.

في الأمس أغلقت صناديق الاقتراع للانتخابات البلدية الفلسطينية هذه الانتخابات التي رأى فيها كل طرف وجوده ومصالحه وطرحه من جهته وبناء على مصلحته وتطلعاته وسياساته، السلطة الفلسطينية ارادتها واجهة لتلقي الدعم الأوروبي وتحقيقا لمطلب من مطالب الدعم الغربي الذي يشترط "عملية ديمقراطية" وصور لمقترعين وصناديق اقتراع يبرزها في وجه دافعي الضرائب شقر الشعور زرق العيون الذين يريدون نقل "التجربة الديمقراطية" الى عالمنا الأسود الشعر اسمر البشرة المتخلف لتحسين جودة حياته، وارادتها كذلك جس نبض لإنتخابات التشريعي ورئاسة السلطة وقياس تفاعل الشارع وقوة "المعارضة" فلربما تتم دون القدس اذا كان الظرف ملائما او لا تتم لأنه لا انتخابات دون القدس العاصمة الأبدية للشعب الفلسطيني وهذا طبعا يكون مشروطا بالموافقة الإسرائيلية على صيغة المثل الشعبي " مقسم لا تأكل وصحيح لا تأكل وكل حتى تشبع".

"المعارضة" ارادتها اثبات قوة واستكشاف الحجم الحقيقي في الشارع بعد سنوات عجاف من القمع وحرب الاستئصال والاجتثاث المحموم الذي تعرضت له على عقد ونص من الزمن، واستثمار هذه الانتخابات للعودة البطيئة ولكن الثابتة لمواقعها السابقة.

ولن اتحدث هنا عن النتائج وتحليلها فهذا واضح للعيان ولا يمكن الجدال فيه لكن سأتحدث هنا عن الظواهر الكارثية التي رافقت وتلت هذه "العملية الانتخابية" أولها وهو ظاهرة اطلاق النار في الهواء هذه الظاهر التعيسة المقرفة فناهيك عن علم النفس السلوكي الذي يقول " ان ميل الانسان الى مظاهر الصخب والضوضاء دليل على ضعف الشخصية وعقدة النقص المركبة" فيميل الى تعويض نقصه وشعوره بالدونية وجبنه وهوانه بإحداث هالة من الضوضاء والصوت وكأنه يعوض عن شعوره بالصفرية والقزمية والعدمية هي محاولة من العقل الباطن ليقول " انا هنا وحجمي كبير ولست صفرا كما ابدو" فهذا مفروغ منه وكما قالت العرب "كلما علا صوت الرجل كان ذلك لذلةٍ يجدها في نفسه".

المرعب في هذه الظاهرة انها تقع في مجتمع تحت الاحتلال ومن اللافت والغريب والكوميديا السوداء في هذه الظاهرة انها لم تكن قط في تاريخ البشر فأزعم كدارس للتاريخ انه وعلى مدى ثلاثة آلاف سنة من التاريخ البشري لم يحدث ان كان مجتمع تحت الاحتلال يلقي الحجارة على المُحتل ويطلق النار في الهواء في قمة مشاهد الهراء والعبثية وكأن لنا ثأراً عربيا بدويا مع طبقة الأوزون شاهدت عشرات الأفلام الوثائقية لمختلف ثورات العالم سواء الثورة الفيتنامية والمقاومة الفرنسية والثورة الكوبية لم أرى مشهدا واحدا لإطلاق النار فحتى عندما حرر الثوار الفيتناميون دولتهم بأكملها وطردوا المحتل الأمريكي شر طرده لم أرى مسلحا فيتناميا واحدا يطلق النار في الهواء.

ناهيك عن الرياء والنفاق والتطبيل المقرف الذي كان عبارة عن تلوث فكري ونفسي تقيئته علينا وسائل التواصل الاجتماعي في حالة من العمى الاختياري عن كل الكوارث التي تنصب على رؤوسنا من الاستيطان الذي يبتلع ارضنا والاحتلال الذي يذلنا واقتصادنا المدمر ومجتمعنا المسحوق وفقدانه البوصلة والقيم، متناسين في عمى اختياري بليد ان هذه البلديات تحت الاحتلال وان السلطة تحت الاحتلال وان المجتمع تحت الاحتلال وان أي مشروع او شارع او حتى عمود كهرباء يخضع خضوعا كليا مطلقا "للطرف الآخر" يخضع لموافقة ضباط الإدارة المدنية الذين لديهم صلاحيات تفوق صلاحيات آلهة الإغريق في التحكم بمصائرنا واقدارنا شئنا ام ابينا.

ان الذين يقتاتون على الوهم يموتون جوعا وان الذين يخضون معاركهم مع الهواء مهزومون حتما وان الذين يحكمون بالهراء والرياء زائلون قطعا، اننا نسير ببلاهة تامة صوب كارثة اسطورية الأبعاد لا نسير الى هوة بل الى ثقب اسود سيبلعنا الى نسيان مطلق وفناء تام فهكذا كان اهل الأندلس قبل خروجهم من التاريخ.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير