فيدورفسكي: بوتن ذو الوجوه الخمسة المختفية

19.03.2022 10:42 PM

  تلخيص نبيل درويش:

تحتفي فرنسا التي تبدو الأكثر اهتماما في أوروبا ولربما في العالم بإيجاد حل سلمي للحرب الروسية الأوكرانية، إعلاميا بصدور كتاب للدبلوماسي والمؤرخ الروسي الأوكراني فلاديمير فيدورفسكي، والده كان أحد أبطال أوكرانيا في الحرب العالمية الثانية وأمه روسية متخصصة بالتخطيط، داهمته حرب أوكرانيا وهو يجري تحقيقا يكمل به كتابا سابقا عن سيرة بوتين.

قرر فيدورفسكي، استخدام ما حصل عليه في تحقيقه في كتاب حمل عنوان "بوتين وأوكرانيا الوجوه المتخفية"، وهو يقصد وجوه بوتين الخمسة.

لا يمكن أن نصف هذا الدبلوماسي والمؤرخ البارع بأنه يدافع عن بوتين، فهو أقترب منه بعد أن عمل مع بريجينيف في عدد من محادثاته مع المسؤولين العرب وعمل مع جورباتشوف الذي فكك الاتحاد السوفيتي وآمن بالبيريسترويكا، أي إعادة البناء، وأوفد إلى فرنسا التي عمل فيها في بداية شبابه كملحق ثقافي ليسوّق الغلاسنوست أي الشفافية، ولكنه لم يحتمل عدم وضوح جورباتشوف ووقف ضد انقلاب عام 19991 بشدة، أنشأ حزب الاصلاحات الديمقراطية.

وبعد فترة يلتسين توجه إلى فرنسا وحصل على جنسيتها عام 1995، واقترب من قادتها وخاصة الرئيسين شيراك وميتران وألف أكثر من أربعين كتابا حقق معظمها رواجا كبيرا.

هذا عن المؤلف أما الكتاب وهو يبدأ بتقديم مفاتيح لشخصية فلاديمير بوتين من خلال وجوه خمسة:

الوجه الأول: طفولة بوتين المعذبة فهو ولد عام 1952 في الحقبة الستالينية، من أم عاملة وأب متسلط

شارك في مقاومة الحصار النازي لمدينة ليننغراد (بطرسبرج) والذي استمر لتسعمائة يوم، وأودى بحياة مليون وثمانمائة ألف روسي .. عاش بوتين طفولته في شقة من المباني الجماعية، وكانت تهاجمه الفئران، التي كانت تسرح في غرفته وتربى عمليا في الشارع الذي كانت عصابات الشبان تسّيير أمورها بقوانين خاصة، وعلى رأسها عند الهجوم يجب الإقدام والتراجع ممنوع، وأصبح قائدا.

الوجه الثاني: الرياضي التكتيكي، ففي سن الرابعة عشر كان بوتين متفوقا في رياضة الجودو، وحتى اليوم لا يزال يبدأ يومه بالرياضة لمدة ساعة ونصف الساعة، ويقول المؤلف، إنه سأل بوتين كيف يراقب خصمه المتحفز، فأجاب، طالما هو لم يتحرك أبقى ساكنا في مكاني، ولكن عندما يبدأ بالتحرك أكون قد بادرت بالهجوم.

الوجه الثالث: هو العميل السري المخادع فهو يعتبر نفسه كجيمس بوند، اتقن خلال دراسته اللغة الالمانية وصار يتحدث بها كأهلها، وبعد أن تفوق في دراسة الحقوق التحق بالمخابرات السوفيتية، وأوفد إلى المانيا الشرقية وبرع في قراءة الشخصيات، التي كان يستهدف تجنيدها وذلك عبر تدريب نفسي برعت فيه المخابرات السوفيتية.

الوجه الرابع: وجه السياسي الجريح الذي عانى من تهميش روسيا وإذلالها.

الوجه الخامس: وجه القيصر أو "فانتازيا القيصر".

يقف الكاتب بحزم ضد العقوبات على روسيا، ويؤكد أن من فرضها يخطئ عندما يظن أنها تضعف بوتين وتؤلب الشعب الروسي عليه، فبوتين لا يزال يحظى، ولربما سيبقى كذلك برأي المؤلف، بتأييد قوي لدى الشعب الروسي، فغالبية الروس كانت تعتقد أن الغرب يريد القضاء على الشيوعية، ولكنهم اكتشفوا بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي أن الغرب يقف عمليا ضد روسيا فهم لا يريدونها داخل أوروبا.

فقط شعر الروس بارتياح لشعار كرره الجنرال ديجول منذ الخمسينات وحتى وفاته في نهاية السبعينات

من القرن الفائت خمس عشرة مرة: من الأورال وحتى الأطلسي أي أن أوروبا تمتد من سلسلة جبال

الأورال الروسية إلى المحيط الأطلسي، وهذا الشعار عكس دائما العلاقات الودية بين الشعبين الفرنسي والروسي، لدرجة أن حملة نابليون بونابرت اعتبرت حدثا عابرا في التاريخ.

غالبية الروس شعروا بالتهميش إن لم نقل الإذلال، حسب المؤلف، عندما لم يحضر إلى موسكو أي زعيم أوروبي في 22 يونيو عام 2015 الذي صادف الذكرى السبعين لدحر النازي وهزيمته، فروسيا وحدها قدمت فيما أسمته الحرب الوطنية الكبرى، ما بين 27 مليون وثلاثين مليون قتيل بين جندي ومدني، وذلك بحجة قرار ضم روسيا لشبه جزيرة القرم قبل ذلك بعام، وهنا ظهر وجه بوتين السياسي الجريح، فحلف شمال الأطلسي بات على أبواب روسيا وبات يمهد لدخول حديقتها الخلفية.

واستشهد الكاتب، بما قاله له صديقه السفير الأمريكي جورج كينان، الذي اخترع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي أيه)، ومنظّر الحرب الباردة، "إن أكبر خطيئة منذ مجيئي السيد المسيح هي تمدد حلف الأطلسي إلى الحدود مع روسيا".

ويرى الكاتب، أن العالم يقف الآن على شفا كارثة عالمية، فالعقوبات لن تؤدي غرضها في إعادة بوتين إلى صواب الغرب، بل على العكس من ذلك فهي قد تكون مصدر قوة له، من خلال تطوير الصناعات الروسية، وبالمقابل فإن الغرب مستهلك الطاقة الروسية لن يستطيع تحمل زيادة أسعار الوقود، ويلوم الكاتب الإعلام الغربي الذي لم يركز على ضرورة الحوار بين روسيا وأوروبا.

الخطر ماثل فنحن لربما سنكون أما كتلتين كتلة الغرب وأخرى تضم روسيا والصين ولربما إيران،

وإذا ما تدهور الوضع وغاب الحوار فقد تكون الاتصالات العالمية، مهددة فتسعين بالمئة من الاتصالات موجودة في كوابل تحت مياه البحار، أي أكثر بكثير مما تقدمه الأقمار الاصطناعية، ومن الممكن أن تتعرض الكوابل للاضطرابات، ولا يستبعد الكاتب أخطار حرب نووية لا تبقي ولا تذر.. والحل الوحيد برأيه هو الحوار والتخلي عن سياسة إقصاء روسيا.

المصدر: امد للاعلام

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير