هذا إنذار وليس مبادرة: مطلوب رأس المقاومة.. وإلا جوعوا

25.01.2022 08:27 PM

كتب نصري الصايغ: هذه ليست مبادرة. إنها إنذار خليجي اميركي. الرغبة “اسرائيلية”. اليد كويتية، والحبر خليجي، والنص مترجم في بعض فقراته، من أدبيات سياسية دولية.

لا يعقل أن تكون “المبادرة”، بهذا التوقيت المتشابك والمعقد، وفوضى القتال المزدحم خليجياً، وفي زمن انعدام القرار لبنانياً، مبادرة لاغية للحوار، وتبادل وجهات النظر وتقريب ما يباعد، وتدوير الزوايا، والخ.. إنها بصراحة فجة! إما أن نقبلها، بلا زيادة ولا نقصان، وإما عليك يا لبنان أن تتحمل سلسلة من العقوبات الجماعية، وقد بانت نواجذها من قبل، عندما اقفلت السعودية أبوابها بوجه من كان حليفاً لها، وفضلت عليه من هو مستعد أن يكون سعودياً اولاً، ولبنانياً أخيراً.. واللبيب من الاشارة يفهم!

لماذا هذا اليوم وليس من قبل؟ لماذا ضاقت الفسحة الزمنية إلى خمسة ايام، ولا خمسة اسابيع، او خمسة أشهر. هذا تقليد التفاوض، الخليج لا يتفاوض مع لبنان. إما أن تبصم وإما أن تقصم. ولا يظن أن الإنذار غير مقبول لأن الدبلوماسية عادة، تُبقي اقنية لعبور الآراء وتداولها.. الكويت، ليست غبية ابداً. لديها دبلوماسية تصالحية، فلماذا هذا الانذار اذاً. رجاء، لا تنظروا اليها على انها مبادرة. هي تريد جواباً، إما نعم نعم، وإما لا لا، ويبنى على الرفض مقتضاه: عقوبات شاملة.

 

لنعد إلى منطق الامور في السياسة. عرف لبنان أزمات كثيرة وكبيرة. لم تكن في أساسها خلافات على شؤون داخلية. الصراعات التي اندلعت في لبنان، بسبب التداخل الوطني مع الاقليمي.. راجعوا أحداث الـ 58، حرب الـ 75ـ 90.. انتهت الحرب اللبنانية العظمى، في العام 1990. ظن اللبنانيون أن المعركة الاقليمية انتهت. لم يعطوا بالاً او اهتماماً لما تبقى من اراضٍ واسعة ومحتلة من قبل الجيش “الاسرائيلي” الذي دخل لبنان، ونصّب رئيساً، وارتكب مجازر. نجحت “اسرائيل” في إلزام منظمة التحرير الفلسطينية، بالانسحاب من بيروت. لكن الاحتلال استمر من الـ 82، إلى ما بعد ذلك، وإلى ما بعد وما بعد الطائف.

تنكبت القوى القومية والتقدمية و”حزب الله” مسؤولية وواجب تحرير لبنان. وفيما كان الجنوب يعاني الاحتلال، ويدفع من دمه ودماء المقاومة، كانت بيروت مرشحة لأن تكون عاصمة سويسرا الشرق، بدءاً بالإنماء والإعمار وكان الهدم والدمار حصة الأراضي اللبنانية المحتلة.. لكن معارك المقاومة أثمرت هزيمة “اسرائيلية” في العام 2000.

القوى التي رست عليها التسوية في لبنان، بالرعاية الدولية والعربية، أسفرت عن قيام توازن جديد بين القوى الطائفية حيث ازداد الوزن السني والثقل الشيعي والمراوحة الدرزية، فيما كانت شرائح القوى المسيحية، إما في المنفى او في السجن.. حدث كل هذا، فيما المقاومة تقاتل الاحتلال حتى تحقق الانتصار، بعد 11 سنة من عمر اتفاق الطائف. وكان ما كان.


حقّقت المقاومة مناعة عسكرية وتفوقاً قتالياً إذا قيست بالجيوش، لكن النتائج في السياسة كانت هزيلة. لم تكن المقاومة مشروع سلطة ابداً. كانت مشروع مقاومة، وتسعى لحفظ المقاومة، من خلال رصد وكشف السياسات والتدخلات التي وضعت كل ثقلها تحت بند واحد: نزع سلاح المقاومة. يجب ألا ننسى أن “اتفاق الطائف” حظي بالبركات الدولية والاقليمية والعربية عموماً ودار الدهر دورته إلى أن.. هنا نأخذ فاصلاً لكشف مكامن القوة ومتى يجوز استعمالها في الداخل، ومن يجرؤ على ذلك؟

الحروب اللبنانية – اللبنانية كانت الثمرة المرة نزاع داخلي متكافئ. قوى مسيحية مسلحة، قوى إسلامية سنية ودرزية ايضاً، وقوى حزبية متعددة. وكان الجيش اللبناني على الحياد. الجيش ليس للقتال في الداخل، برغم عدم إسهامه في تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي.

توازن القوى بين المتنازعين، سمح باللجوء إلى العنف. وكان القتال، كراً وفراً، على خطوط التماس داخل بيروت وخارجها. لم يكن هناك قوة هي الاقوى، وهي التي نشأت ونمت وكبرت وحققت ما لم تحققه جيوش عربية، هزمتها إسرائيل في معاركها المتفوقة. وحده “حزب الله” في لبنان، أكره “الاسرائيلي” على الانسحاب الذليل من المناطق اللبنانية المحتلة.

إذاً، توازن القوى مترافق مع مشكلات ونزاعات وإشكالات وإرهاصات عنف، يسمح لهذه القوى أن تغامر لتحقيق مطلب ما او تأكيد سياسة ما.

أما وأن لبنان اليوم، لديه ما لديه من القضايا المتنازع عليها؛

أما وان لبنان، قد بلغ به التباعد والتحاقد درجة غير مسبوقة؛

أما وأن لبنان يعيش حالة انهيار وطني عام، في كل القطاعات؛

أما وأن اللبنانيين مختلفون على كل شيء، كل شيء، فإن العنف ظل ممتنعاً، برغم أن السلاح موفور ومنتشر.

سبب انعدام القتال، ووقوفه عند حدود مباشرته (الطيونة وعين الرمانة نموذجاً)، فيعود إلى أن المعارك العسكرية محسومة النتائج. ميزان القوى طابش لمصلحة “المقاومة”. وهذه القوة هي المانع الأول والأخير. ولولا ذلك – لكان لبنان سقط في خنادق القتال. وليس من مصلحة القوى المعادية للمقاومة أن تخوض معارك خاسرة وكاسرة. وليس من مصلحة المقاومة أن تغوص في أدغال الحروب الطائفية.

كان من المفترض، اميركياً وخليجياً و”إسرائيلياً”، أن يُصار إلى إضعاف “حزب الله” في لبنان، ونجحت “القوى الإعلامية المسيسة جداً و المحتدمة تباعاً”، أن تروج لمعادلة آثمة. “سبب انهيار لبنان، هو سلاح المقاومة”. وراحت هذه المقولة تنتشر في أكثرية وسائل الإعلام من المحيط إلى الخليج، علماً أن الغبي والجاهل، يعرف جيداً، أن زعماء لبنان الاشاوس، أكلوا الأخضر واليابس وأتوا كالجراد بعد الحصاد.

وقع لبنان كله باستثناء المقاومة.. ولكن؛

لا توفروا “حزب الله” سياسياً. تقع على عاتقه مسؤولية كبيرة. الذين شاركوا في انهيار لبنان، هم حلفائه والمحميون منه. أكانوا شيعة ام مسيحيين ام..

“حزب الله” سياسياً، ولبنانياً لا يختلف في ادائه عن المدرسة السياسية اللبنانية الطائفية، وليس هنا الآن مجال مساءلته. نترك هذه المسألة إلى زمن قادم.

أما بعد؛

كان الرهان الدولي ـ الخليجي على اسقاط “حزب الله” في لبنان، وإخراجه من معادلة الرعاية الداخلية ونسف المظلة التي يستظل بها طائفياً وعبر حلفائه.. كان المطلوب، تنفيذ اجندة، واضحة. ولكن ذلك فشل. ولا إمكانية لخوض معركة ضده. لأن الخسارة مضمونة للمحاولة.. ليس إلا.

إذاً ماذا؟

لا بد من إسقاط “حزب الله” لبنانياً عبر تعميم رغبات لم تُلبَ: لولا “حزب الله” لما وقع لبنان على ركبتيه. لما أفلس. كل ما يحصل في لبنان من كوارث من صنع “حزب الله”. مورست الشيطنة التامة، فيما تم اعفاء كلّ حلفائه الموغلين في الفساد.

إذاً ماذا؟

امامكم أيها اللبنانيون ما يلي: إما تموتون جوعاً، او قهراً؛

لأن لبنان معاقب لاحتضانه المقاومة، علماً أن هذه حجة كاذبة.. ليس إلا.

وعليه، جاء الإنذار الخليجي، ترجمة لهذه النزاعات. إنه إنذار بكل معنى الكلمة. التفاصيل غير مهمة. هناك ماكينة ضخمة لمشروع شرق اوسطي، تكون فيه “اسرائيل” واسطة العقد، والقاطرة السياسية بقيادتها.

الإنذار يحمل ما يلي: استسلموا تسلموا. استسلموا بسرعة. ولكن هذا مستحيل.. يا ناس، يا احزاب، يا دول، يا عالم، يا هو.. “حزب الله”، قوة اقليمية عظمى وليس ميليشيا لحروب شوارع، وميزان القوة طابش لمصلحته. وحده هزم “إسرائيل”. “حزب الله” مشتبك اقليميا مع قوى ائتلاف عظمى، في حرب اليمن. هو عصب أساسي في فلسطين. موجود في كل الكيانات ذات الاغلبية الشيعية، لأنه حزب شيعي، في بيئة مفتونة بالانقسامات المذهبية.

الإنذار السريع هو رفع عتب ومقدمة لعقوبات خليجية وتحميل “حزب الله” تركة الانهيار، عبر مقولة رائجة، لولا “حزب الله” لفتحت خزائن الخليج، التي ستجعل لبنان، “إمارة من إمارات المتوسط”.

أيام، ويبدأ عض الأصابع.

ثمن عودة لبنان إلى التعافي، أن يتقيد بخارطة طريق، تؤدي إلى التطبيع مع “اسرائيل”.. ونقطة على السطر.

نصيحة: فليتجرأ أحد ما، كيان ما، دين ما، طائفة ما، ويقول لكتبة الانذار: “بلّوه واشربوا ميتو”.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير