السّيرُ منفردينَ، والضربُ في نفس الاتّجاه/ بقلم: هاني المصري

13.09.2011 10:17 AM

حسمت القيادة الفلسطينية قرارَ التوجه إلى الأمم المتحدة، ولكن هل سيتم التوجه إلى مجلس الأمن أم إلى الجمعية العامة إلى الأمم المتحدة؟ ومشروع القرار الذي سيقدّم لن يحسم إلا في اللحظات الأخيرة في نيويورك.

لا بد من دعم القرار من مختلف الأفراد والقوى؛ لأن فلسطين عندما تدخل في معركة مع الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن تبرير وقوف أحد من الفلسطينيين أو من أنصار القضية الفلسطينية ضدها، أو على الحياد.

أما الذين لديهم ملاحظات جوهرية على التوجه وآفاقه وحدوده والمخاطر التي ترافقه، خصوصاً فيما يتعلق بالمساس بمكانة المنظمة، وحق العودة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني كله، فيستطيعون أن يدخلوا المعركة تحت شعار "السّيرُ منفردينَ والضربُ في نفس الاتّجاه"

فعلى الرغم من كل المخاطر والملاحظات والأخطاء التي ارتكبت ويمكن أن ترتكب، لا يمكن التقاعس عن الإسهام في المعركة ودفعها لتحقيق أقصى ما يمكن من المكاسب وتقليل الأخطار، خصوصاً أنها مفتوحة على عدة احتمالات، فهي يمكن أن تؤدي إلى استئناف المفاوضات الثنائية، وما يمثله ذلك من عودة إلى نقطة الصفر أو دونها، أو تؤدي إلى عكس ما هدفت إليه إلى مسار سياسي جديد مختلف جوهرياً عن المسار البائس الذي سرنا فيه حتى الآن.

صحيح أن معركة تدويل القضية كان يمكن أن تبدأ منذ فترة طويلة، منذ أن بدا للقاصي والداني، أن اتفاق أوسلو لم يصل بالفلسطينيين إلى حقوقهم حتى بالحد الأدنى، بل إلى الكارثة، لدرجة أنه لم يقدهم حتى إلى الدولة مقابل حق العودة، ولكن أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً.

فالتوجه إلى الأمم المتحدة سيكون أقوى إذا توفّرت الشروط الآتية:

أولاً: قيام وحدة وطنية حقيقية، وليس مجرد "مصالحة مع وقف التنفيذ".

ثانياً: بلورة إستراتيجية جديدة متكاملة تغلق الطريق نهائياً على إمكانية استئناف المفاوضات الثنائية وفق الأسس والمرجعية التي سارت عليها، واعتماد أسس ومرجعية جديدة تقوم على أساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة كمرجعية، يكون التفاوض لتطبيقها وليس للتفاوض حولها، على أساس نقل القضية الفلسطينية بكل أبعادها إلى الأمم المتحدة (العودة وتقرير المصير والدولة)، على أن يكون التفاوض في إطار دولي كامل الصلاحيات ومستمراً، وليس عقد مؤتمر دولي لإطلاق المفاوضات فقط.

ثالثاً: إعادة النظر في شكل ووظائف السلطة، وتحويلها من سلطة حكم ذاتي محدود محكومة باتفاق والتزامات تخدم الاحتلال أكثر مما تخدم الفلسطينيين إلى سلطة تخدم مصالح وأهداف الفلسطينيين، وتكون أداة من أدوات منظمة التحرير بعد إعادة تشكيلها لتضم الجميع.

وهذا عمل كان يفترض إنجازه منذ سنوات، وأصبح الآن أكثر إلحاحاً، ويتطلب خطة تقشف شاملة تنهي ارتهان السلطة بالكامل للدعم الدولي المرتبط بشروط اللجنة الرباعية، ولتحويل العائدات الفلسطينية التي تجمعها إسرائيل وفقًا لاتفاق باريس، والاستعداد لخوض مواجهة شاملة مع الاحتلال قد تؤدي إلى انهيار السلطة، وما يتطلبه ذلك من الاستعداد له، واعتبار "الإطار القيادي المؤقت" للمنظمة بعد حصول الدولة الفلسطينية على العضوية المراقبة في الأمم المتحدة حكومة هذه الدولة، مع الحفاظ على مكانة المنظمة وشرعيتها، ووحدانية تمثيلها للشعب في جميع أماكن تواجده.

لقد حُسِم التوجه إلى الأمم المتحدة على الرغم من خطورة الأوهام المتبقية عند البعض بأن السيدة أشتون أو غيرها ستهبط بمبادرة في اللحظة الأخيرة، يمكن أن توقفه، بحيث يتم استئناف المفاوضات على أساسها، أو أن تجعله مجرد تمهيد لاستئناف المفاوضات دون شروط كما أفادت مصادر سياسية وإعلامية حول مضمون المبادرة الأوروبية.

إن المصير الذي انتهت إليه المفاوضات كان محتوماً جرّاء الاختلال الفادح في موازين القوى لصالح الاحتلال الإسرائيلي، وفي ظل حالة الاستبداد والفساد والتبعية والتجزئة التي عاشتها المنطقة العربية، التي جعلت فلسطين فريسة لإسرائيل. والآن، تبرز الآمال بأن رياح التغيير والثورات التي بدأت تهب في المنطقة يمكن أن تفتح آفاقاً رحبة للعرب والفلسطينيين.

لا يمكن تغيير مصير المفاوضات إذا وافقت إسرائيل على عبارة هنا أو هناك، وإنما بتغيير قواعد المفاوضات بشكل جوهري، وهذا لا يمكن دون تغيير موازين القوى. وهذه بحاجة إلى جمع واستخدام كل أوراق الضغط والقوة الفلسطينية والعربية والدولية وتوظيفها في الصراع ضد الاحتلال، حتى يصبح الاحتلال خاسراً وليس رابحاً أو على الأقل "أرخص احتلال في التاريخ" كما قال الرئيس أبو مازن.

لن يقدم الاتحاد الأوروبي "خشبة الخلاص" في اللحظة الأخيرة، كما لا يمكن من أجل تصويت دول الاتحاد الأوروبي موحدة - على أهميته- أن نهبط بسقف مشروع القرار الذي سيقدم لطلب العضوية إلى مستوى الموقف الأوروبي، أو على الأدق إلى مستوى أضعف موقف من دول الاتحاد الأوروبي.

فإذا قدمنا تنازلات ملموسة لكسب الاتحاد الأوروبي المفترض أنه يدعمنا، تصل إلى استئناف المفاوضات دون شروط، وعدم اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية حتى بعد نيل العضوية، فماذا سنقدم للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل المحتلة؟

وهنا أقول بكل جرأة: إذا كانت الأصوات التسعة الضرورية لصدور القرار في مجلس الأمن غير مضمونة في ظل التهديد بالفيتو الأميركي، وما يمكن أن يقود إليه من تدهور في العلاقات الأميركية - الفلسطينية، فيمكن تقديم الطلب إلى الجمعية العامة شرط أن نعود إلى مجلس الأمن في وقت لاحق مرة ثانية وثالثة إلى أن نحصل على تأييده، وأن يحفظ مشروع القرار الذي يعرض للتصويت الحقوق الوطنية كافة، ولا يضر بالمكتسبات التي تحققت بالمنظمة الدولية من قرار التقسيم 181، وقرار العودة 194 حتى الآن، خصوصاً عدم المساس بمكانة المنظمة التي لا يكفي القول إنها ستحفظ لأن الطلب سيقدم باسمها، بل لا بد أن يتضمن مشروع القرار ما يؤكد مكانتها المستقبلية لأن الدولة بعد حصولها على العضوية الكاملة أو المراقبة ستحل محلها في الأمم المتحدة.

لقد ارتُكبت أخطاء كثيرة في الطريق إلى الأمم المتحدة، مثل: الاعتقاد بأننا سنحصل على العضوية الكاملة اعتماداً على الوعود الأميركية والدولية، أو من خلال اللجوء إلى بند "الاتحاد من أجل السلام"، وأيضاً عرض الموقف للمساومة، والانتظار إلى آخر لحظة، وتسليم الأمر إلى الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، وترديد "أننا سنعود إلى المفاوضات الثنائية مهما كانت نتيجة التوجه إلى الأمم المتحدة"، وأنه لا يتناقض مع المفاوضات، وأننا يمكن أن نتخلى عنه إذا عرضت صيغة مقبولة لاستئناف المفاوضات، وكأننا نسير إلى الأمم المتحدة مترددين "رِجل لقدام والأخرى للوراء".

إن من النواقص الكبرى أيضاً عدم التوجه للشعب أولاً وأساساً لاستنفاره وتنظيمه وتعبئته، والالتزام بأن التحرك الشعبي احتفالي، ولن يؤدي إلى أي احتكاك مع قوات الاحتلال والمستوطنين؛ ما ساهم في عدم حصول تحرك شعبي عارم، مع العلم أنه ليس من الضروري أن يؤدي إلى الفوضى والفلتان أو إلى الانتفاضة المسلحة، بل يمكن ويجب قيادة مقاومة شعبية شاملة مسيطر عليها، وتخدم الأهداف الوطنية.

على الرغم مما سبق من أخطاء فإن التوجه خطوة شجاعة وجريئة تستحق الدعم والتشجيع، وليس انتقاد الانفراد بها ومنع التحركات الشعبية في قطاع غزة، بل العمل لتكون نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة جديدة.

يجب الحذر من أن يضاف التوجه إلى الأمم المتحدة إلى سلسلة من الخطوات التي بدأتها ولم تكملها القيادة الفلسطينية ولم تكملها، مثل: الدعوات المتكررة لتعديل أو تغيير الحكومة وعدم تنفيذها، والقرارات بإجراء الانتخابات المحلية وتأجيلها عدة مرات، والدعوة، وتوقيع اتفاق المصالحة وعدم تنفيذه، فلا نريد أن نذهب إلى الأمم المتحدة وأن نعود من هناك باستئناف المفاوضات الثنائية دون شروط، وكأن شيئاً لم يكن.

إن لدى الفلسطينيين فرصة تاريخية في ظل المتغيرات العربية والإقليمية والدولية وتدهور مكانة وعزلة إسرائيل المتزايدة، فعليهم أن يستفيدوا منها دون تهويل أو تهوين، فهل يلتقطون المبادرة التاريخية قبل فوات الأوان؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير