زمن الرئيس - د. سفيان ابو زايدة

27.06.2013 01:47 PM
د. سفيان ابو زايدة
لا اكشف عن سر او اضيف معلومه جديدة عندما اقول ان الشعب الفلسطيني وصل الى مرحلة من الاحباط و فقدان الثقة بقيادته وقدرتها على ايجاد حلول و مخارج لما يواجهه من مصائب و نكبات . الاحباط و فقدان الثقة ليس فقط في القدرة على التخلص من الاحتلال و حماية المقدسات و الحد من اعتداءات المستوطنين، هذه طموحات كبيرة لا احد يأمل بأن تتحق في المدى المنظور . الاحباط ناتج بالدرجة الاساسية عن انكماش النظام السياسي الفلسطيني و اختصارة في شخص الرئيس عباس.

الرئيس هو اليوم رئيس كل شيئ له علاقة بالشعب الفلسطيني و القضية الفلسطينية، هو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية و رئيس دولة فلسطين و رئيس السلطة الفلسطينية و هو ايضا رئيس حركة فتح و القائد العام للقوات، و في ظل تعطيل عمل المجلس التشريعي فأن الرئيس عباس هو الذي يصدر المراسيم بقانون، اي هو اصبح عمليا يقوم بعمل المجلس التشريعي، و في ظل الشلل التام في مؤسسات منظمة التحرير فهو صاحب القرار الوحيد هناك، و في ظل الترهل القيادي الذي تعانيه حركة فتح، خاصة في لجنتها المركزية التي تكاد لا تعمل كأطار قيادي جماعي فأن الرئيس عباس هو صاحب الشأن الوحيد و ما تبقى تكملة عدد في بعض الاحيان و غطاء اذا لزم الامر في احيانا اخرى.

في الحقيقة لم يحلم احد ان يصل حالنا الى ما وصل اليه من تركيز كل الصلاحيات و اشغال كل المواقع العليا في يد شخص واحد. لم نحلم ابدا ان يأتي اي انسان مهما تمتع من قدرات و مواصفات ليس فقط يكرر تجربة الرئيس عرفات في تركيز الصلاحيات بل و الحصول على صلاحيات لم يحصل عليها ياسر عرفات نفسه بكل رمزيته و عظمته.

احد الاسباب الرئيسية التي جعلت من الرئيس عباس مرشحا طبيعيا بعد رحيل الرئيس عرفات هو ان الكثيرين كانوا على قناعه ان نهج الرئيس عباس سيكون مختلف تماما عن نهج الرئيس عرفات في ادارة الامور، حيث كان الرئيس عباس يكثر من الحديث عن ضرورة بناء المؤسسات و عدم تركيز الصلاحيات في يد شخص واحد و ضرورة الفصل بين السلطات، وضرورة بناء حركة فتح و تفعيل هيئاتها القيادية.

احد الامور التي كانت القيادة الفلسطينية تكثر الحديث بشأنها في عهد الرئيس عرفات هو ضرورة ان يسمي له نائب في السلطة و المنظمة، لم يكن هناك حديث على تسمية نائب لرئيس حركة فتح لان الرئيس عرفات استشهد قبل ان يحصل على هذا اللقب الذي حصل عليه الرئيس عباس بالتصفيق خلال المؤتمر السادس. اليوم يتكرر نفس الخطاء و لكن بشكل اكبر حيث لا يوجد نائب لرئيس السلطة و لا للمنظمة . جزء من عدم وجود نواب لا يتعلق بالرئيس عباس فقط بل يتعلق بغياب قيادات حقيقية قادرة على ان تعبر عن موقفها بدون خوف. جزء من المشكلة ان الرئيس عباس ليس فقط لا يسمع ما يكفي من الاصوات تقول له لا عندما يلزم الامر، بل ان غالبية القيادات تُسمعه ما تعتقد انه سيكون سعيدا لسماعه، يقولون له انت الرئيس و لا بديل عنك و انت مرشحنا و لا احد سواك.

هؤلاء تنازلوا عن حقهم في القيادة و تنازلوا عن حق حركة فتح في اخذ دورها الريادي و القيادي. لذلك ، ليس من المستغرب ان يتصرف الرئيس و كأنه لا توجد قيادة لحركة فتح و لا توجد قيادة للمنظمة و بطبيعة الحال لا يوجد مجلس تشريعي يقوم بعمله المراقب على اجهزة الدولة التنفيذية بما فيها عمل الرئيس و لا يعمل على سن القوانين و التشريعات. لذلك، الرئيس هو الذي يعين رئيس الوزراء و يعين الوزراء ، يقيل من يشاء و يبقي في موقعه من يشاء على الرغم ان قرارات المؤتمر الحركي السادس تنص بشكل واضح على ان اللجنة المركزية هي التي ترشح و تقرر الاسماء.

لذلك ايضا ليس من المستغرب ان يكون الغالبية العظمى من المقربين للرئيس عباس و المؤثرين على قراراته ليس لهم علاقة بفتح و قراراتها . لم يكن مصادفه ان يتم تعيين نائبين لرئيس الوزراء المستقيل رامي الحمد الله ليس لهم علاقة بفتح لا من قريب و لا من بعيد، و ليس صدفه ايضا ان غالبية الوزراء دائمي العضوية في اي تشكيله وزارية هم ايضا غالبيتهم ليس لهم علاقة بحركة فتح. التفسير واضح و هو ان قيادات و كوادر حركة فتح تنازلت عن حقها استسلاما و خنوعا اما لانهم وصلوا عن طريق الصدفه الى مواقعهم القيادية و غير مصدقين لانفسهم بأنهم قادة ، و اما خوفا على مصالحهم و مواقعهم الوظيفية.

هذا العجز و هذا الخوف ليس بمعزل عن المشكلة الاساسية التي يعاني منها النظام السياسي الفلسطيني بشكل عام و حركة فتح بشكل خاص حيث يتمتع الرئيس بكل الصلاحيات في الطرد و التعيين و الترقية . كيف لسفير او وزير او وكيل وزارة او ضابط امن يستطيع ان يعترض على قرار او يقول لا للرئيس في الوقت الذي يعرف ان هذا الامر سيكلفه راتبه و منصبه.

احد النماذج على ان الرئيس قادر على فعل كل شيئ في هذه السلطة هو ما حدث مع غازي الجبالي الذي عاد الى رام الله قبل حوالي الشهر بعد ان كان مطلوبا للقضاء الفلسطيني بأمر من النائب العام بتهمة الاختلاس. الجبالي عاد الى رام الله وهو من حقه كأي مواطن فلسطيني ان يعيش في اي مكان في فلسطين، لكن الجبالي الذي طلب القضاء الفلسطيني من الانتربول تسليمه تم اصدار عفو عنه من قبل الرئيس عباس و تم اغلاق كل الملفات التي لها علاقة بقضايا الفساد. الرئيس عباس اختصر عمل النيابة و القضاء الفلسطيني و هيئة مكافحة الفساد التي لم تعرف شيئ عن الموضوع بكتاب براءة للجبالي دون ان يعرف المواطن الفلسطيني على اي اساس تم هذا و من الذي فاوض الجبالي و متى و كيف؟

غياب السلطة التشريعية كسلطة رقابية و تركيز الصلاحيات في يد شخص واحد جعلت من المستحيل الفصل بين السلطات. غازي الجبالي قد يكون بريء و قرار الجلب بعد اتهامه بالفساد كان خاطئ، لكن من الذي سيحدد ذلك الرئيس ام القضاء؟ الرئيس ام هيئة مكافحة الفساد؟ قصة الجبالي كان المفترض ان تنتهي اما بالاعتذار له على تشويه سمعته من قبل النائب العام و القضاء الفلسطيني اذا ثبت انه بريء او صدار حكم قضائي بحقه اذا ما ثبت ادانته. لكننا في زمن الرئيس.
[email protected]

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير