حال الطّالب حين التحاقه بالجامعة بعد إنهائه المرحلة الثانوية

03.12.2021 04:55 PM

كتب أ. أحمد محمد أحمد الرجوب:  أُلفّت كثيرًا على الطّلّاب الجدد الذين يلتحقون بالجامعات وعلى نفسي حين كنت في عمرهم، لأرى كيف هي نفسيّاتهم وطموحاتهم، وهل هم بعد بلوغهم سنّ الثامنة عشرة تفكيرهم مناسب لعمرهم وأصحاب فكر ومبادئ وقيم، أصل في النهاية إلى أن التّعليم الذي كانوا يتعلّمونه في المدرسة بحاجة إلى إصلاح، وإصلاح التّعليم وإحيائه مهم جدا، ليس فقط على مستوى الطّلاب فحسب، إنما مهم على مستويات كثيرة، تصل في نهايتها إلى المجتمع بأسره، لأنّ التّعليم إن صَلُحَ صَلُحَ بعده أمور كثيرة، لا ننكر أن التعليم في بلادنا تحسن كثيرا عما كان عليه في سنوات ليست ببعيدة كثيرا، ولو قرأنا التقرير الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في أيلول 2017م، لوجدنا أن معدلات الأمية في فلسطين تعد من أقل المعدلات في العالم، وإن نسبة المتعلمين الحاصلين على شهادات جامعية أيضا عالية، ولكن، -ولكن هذه كلمة تعني أن الكلام الذي سبقها لا يؤخذ هكذا كما هو، بل يجب اضافة الكلام الذي بعدها عليه حتى تكون الصوة كاملة وواضحة-، للنظر إلى الطّلاب الذين أنهوا مرحلة ما يسمى بالتوجيهي أو الإنجاز، كيف هي طموحاتهم؟ وهل هم أناس واثقون من أنفسهم عارفين الطريق والاتجاه الذي سيختارونه ليكملوا مشوارهم التعليمي؟ هل فيهم نسبة ولو ضئيلة عندها القدرة على العطاء والبناء والتغيير؟ هل يجيدون النقاش وآدابه؟ هل هم ينتمون إلى دينهم حقيقة وبقناعة؟ هل هم فاهمون لقضيَّتهم حق الفهم؟ هل عندهم انتماء لوطنهم ومقدساتهم؟

     كل الأسئلة التي سبق ذكرها لو عرضناها عليهم لأجاب عليها أغلبهم بالسلب -أي ب لا-، وهذه مشكلة كبيرة جدا، يجب علينا حلُّها، فأن ينهيَ طالبٌ عمره تعدى الثامنة عشرة المرحلة الثانوية، وهو غير قادر على أن يجيب على هذه الأسئلة بالإيجاب -أي بنعم-، أمر خطير، وأثره كبير على المجتمع. وأسباب مشكلة التّعليم وما آلت إليه أوضاعه في رأيي مردّه إلى أسباب أربعة، وهي:

1- المنهاج، هذا المنهاج الذي لا يستفيد منه الطالب الاستفادة الحقيقية من المحتوى التعليمي المقدَّم له من خلاله، بسب تكدّس المعلومات فيها، وهذه المعلومات المكتوبة فيها مهمّة ولكن هنالك معلومات أهم وأعمق تأثير على شخصية الطالب وفكره، إضافة إلى الاعتماد على أسلوب التّلقين المستمر، وإهمال جانب التطبيق العملي. بالإضافة إلى أنَّ أحيانا مدرّس المنهاج لا يكون مختصّا وأهلا لتدريسه.

2- المدارس، هل المدارس معظمها تحوي على مختبر لتطبيق نشاطات المواد العلمية التطبيقية، مثل: الفيزياء، والكيمياء، وهل يحتوي معظمها على مكتبة، وملعب، وصفوف واسعة مؤهلة للتّدريس، وهل أجواؤها أجواء بيئة مناسبة للتّعليم والتّعلم؟ الإجابة هي لا.

3- ظروف المدرسين السّيّئة، المعلّمون كلهم كلّ الاحترام والتقدير، والكثير منهم يؤدي رسالته بكل صدق وأمانه، ولا نستطيع أن نلوم بعض المدرّسين في تقصيرهم في أداء رسالتهم، ومن لامهم وعاتبهم فإنّه في رأيي يكون غير مدرك لأوضاعهم حقّ الإدراك، فالمعلمون كان الله في عونهم على ظروفهم التي يعيشونها، فراتبهم الشّهري القليل الذي لا يكفيهم، يضطرهم إلى العمل وامتهان مهنة معينة تعينهم على الكسب، لسد حاجاتهم، وليس كل حاجاتهم، وإنما الأساسية منها والقليل من الثانويات فقط.

     هذا المعلم الذي يحمل خير رسالة، وهي رسالة الأنبياء صلوات الله عليهم، أصبح ابنه غير فخور بأن أباه مُعلّم، لأنه لا يُحْتَرَم ولا يُقدّر بالشكل المطلوب، لن نقول بين علاقاته مع أفراد المجتمع، وإنما سنقتصرها على علاقاته مع طلبته، فالمعلم ربما يكون مدرّسا خصوصيا، أو سائق تكسي، يأخذ أجرة من طالبه، مما يؤدي إلى تعامل الطلاب بفوقية مع معلّميهم، لأنّ المعلّم مستفيد من طالبه، وبالتالي ستقل هيبته، وهذا واضح لا مجال لإنكاره، من حالات الاعتداء على المعلمين، وصلت في أغلبها إلى حد رفع يد الطالب على مدرّسه وضربه، وفي أحيان أخرى شتمه ونعته بصفات غير لائقة وخارجة عن المألوف.

    أوضاع لا يتحملها غير المتعلّم، فما بالكم بالمتعلّم الذي أمضى سنينا من عمره في الدراسة، وبالتالي أيعقل من المعلّم أن يكون مِعطاء بنّاء، يبحث مع الطلبة على سبل لسد ثغراتهم وعيوبهم وحل مشكلاتهم الفكرية والأكاديمية وصقل شخصياتهم، يُثْريهم من خبراته وتجاربه؟ بالطبع لا، بل سوف يكون همّه -إلا القليل منهم- إعطاء المطلوب منه من المنهاج المقرر -هذا المنهاج الذي سبق وتحدثنا عنه-، ثمّ الالتفات إلى والالتهاء بشؤونه الخاصة.

     نستطيع أن ننتقد أولئك المعلمين الذين اختاروا أن يكونوا معلمين، وهم ليسوا أهلا لها، فهم اختاروا الطريق الخطأ؛ لأنّ مهنة المعلّم ليست بسيطة مثل ما يعتقد البعض، وأنه كائنا مَن كان يستطيع أن يصبح معلما، وهذا ما سأوضحه في السبب الرابع.

4- من الأسباب التي أودت بالتعليم إلى ما هو عليه الآن، هو عدم اختيار الطالب القادر على التّغيير أن يصبح معلّما، فالطالب الذي بمقدوره الإجابة على الأسئلة التي ذكرناها في بداية المقال بالإيجاب، نتفاجأ، أنه عندما دخل الجامعة إلتحق بأحد التخصصات العلمية التطبيقية، كالطب والهندسة والرياضيات وغيرها، هذه التخصصات التي لا تُمَكّنُ صاحبها في العادة من خلالها التأثير على الناس وعلى ثقافاتهم وفكرهم، نعم هي تخصصات مفيدة ورائعة، ولكن لنأخذ مثال الطبيب، الطبيب أين يمضي أوقاته؟ يمضيها بالطبع في عيادته، أو في المشفى، التي أثرها الإيجابي مقتصر على أفراد معدودين مهما كثروا. إضافة إلى ذلك فإن هذا الأثر الايجابي إنما هو أثر مادّي بحت لا يمسّ الجانب الفكري والسلوكي والعقدي عند الناس، في حين لو اختار هذا الطالب صاحب العقلية الفذّة أحد التخصصات الإنسانية لأن يصبح مثلا معلما -وأنا سأخصه بالذكر هنا لأنه هو الذي يدخل في موضوعنا-، لكان أثره الإيجابي كبيرا جدا على الناس، وبالتحديد على الطّلّاب -جيل المستقبل-، فلربّما أنعش فكرهم وقدراتهم، وأصبح ذو عقل وبصيرة، إلا أنّ هذا الطالب الجامعي معذور في الاتجاه الذي اختاره، لأنه ما الذي سَيُرَغِّبُ هذا الطالب إلى أن يصبح معلما مثلا؟! لربما تلك الامتيازات التي يحصل عليها المعلّم، أو تلك المكانة التي تحدثنا عنها!!

     وفي الختام أقول، كيف نريد من الطالب الذي لا منهاج قوي مناسب متوفر له، ولا مدرسة ذات جودة توفر له الاحتياجات الأساسية للتّعليم والتّعلّم، ولا معلّم ظروفه حسنة تمكّنه من الإبداع والبحث والعمل على التجديد والتغيير، أن يجيب بنعم على الأسئلة التي ذكرتها في أول المقال!! وأسباب تلك الأسباب الأربعة آنفة الذكر كثيرة، أبرزها الوضع الاقتصادي للبلاد، فكلما انتعش الاقتصاد انتعشت معه أمور كثيرة منها التّعليم والصّحّة وغيرها الكثير، وإصلاح الوضع الاقتصادي يطول الحديث فيه لا مجال ومتّسع لذكره هنا.

 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير