عسل البلاد.. الهدية التي لم تصل لوالدة الأسير محمود العارضة

18.09.2021 10:46 PM

وطن: عام 1965 اعتقلت قوات الاحتلال الشاعر محمود درويش، على خلفية أمسية شعرية في مدينة القدس، دون أخذ تصريح، وتم ترحيله لسجن بمنطقة "الرملة".

وجاءت والدته لزيارته فيما بعد وعلى وجهها علامات الأسى و الحزن وهي حاملة بين يديها الخبز والقهوة التي أعدتهم خصيصًا له، وعندما رفضت قوات الإحتلال إدخال الخبز والقهوة ل"محمود" أصرت على إدخالهم له، لكن جنديا اسرائيلياً حينها انتزع منها الكوب وسكبه على الأرض؛ وعادت السيدة حورية إلى بيتها، وقال محمود درويش هذه الأبيات التي حفظناها عن ظهر قلب حتى وقتنا الحاضر:

أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبُر في الطفولة
يوما على صدر يوم
وأعشق عمري لأني
إذا متُّ
أخجل من دمع أمي..

هي تلك المفارقة التي حصلت بين درويش، والأسير المعاد اعتقاله محمود العارضة، بعد أن انتزع حريته مع رفاقه الخمسة من سجن جلبوع عبر نفق الحرية، قبل أيام، حينما صال وجال لأيام قليلة في جبال فلسطين، وأكل الصبر والتين، والبرتقال الأخضر، بعد سنواتٍ من الأسر.

محمود العارضة المحكوم بالمؤبد، ومكث 16 عاما ونيف، في سجون الاحتلال، استطاع مع رفاقه أن ينتزع حريته ليومين، عبر نفق الحرية الذي حفروه بأدواتٍ بسيطة على مدار شهور؛ وكم كانت تلك الأيام القليلة التي تنسم فيها العارضة عبير الحرية، لا تقدر بثمن.

كان محمود العارضة بعد خروجه من نفق الحرية، في طريقه إلى أمه عبر جبال فلسطين، وسهولها ووديانها، حاملا معه طعامها المفضل، وهو عسل البلاد؛ كان ينتظر لحظة احتضان والدته التي لم يراها منذ آخر زيارةٍ له قبل خمسة سنوات؛ كم كانت هذه اللحظة بالنسبة له حلمٌ ينتظره في كل ضربة يشقها بتلك المعلقة التي حفر فيها نفق حريته، وخرج منه يعانق فلسطين، ويركض نحو بيته في جنين رغم بعد المسافة، التي قطعها عليه الاحتلال.

الأسير محمود العارضة، أمير أسرى الجهاد في سجن جلبوع، هو قائد عملية تحرر الأسرى، وهو من مواليد 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1975، بلدة عرابة قضاء مدينة جنين شمال الضفة، وأمضى 25 عاماً على التوالي في الأسر.

وجرى اعتقاله أول مرة عام  1992، وكان في الصف الأول ثانوي. وقد حكمت عليه محكمة الاحتلال بالسجن لمدة 4 سنوات رغم صغر سنه أمضى منها 41 شهراً في سجون الاحتلال وتم الإفراج عنه بعد اتفاق اوسلو عام 1993.

وشكلت تجربة الاعتقال الأولى محطة هامه في بناء وعيه للقضية الفلسطينية، فواصل في السجن دراسة الثانوية العامة واجتازها بنجاح، وقد تم إطلاق سراحه في عملية الإفراج عقب اتفاقيات أوسلو عام 1994.

واعتقلت قوات الاحتلال الأسير العارضة في 21 أيلول/ سبتمبر 1996 بتهمة الانتماء والعضوية في الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، والمشاركة في عمليات للمقاومة أدت لمقتل جنود إسرائيليين.

وتعرض الأسير العارضة خلال فترة اعتقاله الطويلة للكثير من العقوبات والتضييق، حيث تم عزله في عام 2011.

وعاودت مصلحة سجون الاحتلال عزله في عام 2014، على خلفية اكتشاف نفق في سجن شطة معد للهروب، وأمضى في العزل ما يزيد عن سنة.

وللأسير محمود العارضة مؤلفات وهي (فقه الجهاد، تأثير الشيخ الغزالي على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين؛ منهجا وفكراً).

وفي آخر رسالة له وجهها لوالدته بعد أن اعاد الاحتلال اعتقاله وتنسمه الحرية ليومين عبر نفق الحرية، قال فيها:

“بعد التحية والسلام حاولت المجيئ لأعانقك يا أمي قبل أن تغادري الدنيا لكن الله قدر لنا غير ذلك.

أنت في القلب والوجدان وأبشرك بأني أكلت التين من طول البلاد، والصبر والرمان، وأكلت المعروف والسماق والزعتر البري، وأكلت الجوافة بعد حرمان ٢٥ عاما وكان في جعبتي علبة العسل هدية لك، سلامي لأخواتي العزيزات باسمة ربى ختام وسائدة وكل الأخوان فأنا مشتاق لهم كثيرا.

تنسمت الحرية ورأينا أن الدنيا قد تغيرت، وصعدت جبال فلسطين لساعات طويلة، ومررنا بالسهول الواسعة، وعلمت أن سهل عرابة بلدي، قطعة صغيرة من سهول بيسان والناصرة.

سلام الى كل الأهل والأصدقاء. سلامي إلى ابنة شقيقتي “افيهات” والتي لبست جرابينها وقطعت بها الجبال، سلام الى عبد الله وهديل ويوسف وزوجة رداد والاهل جميعا سارة رهف وغادة ومحمد والجميع سلام خاصة إلى هدى وأنا مشتاق إليها كثيرا وسأبعث لها كل القصة والحكاية”.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير