أطفال 'ينبشون' النفايات الخطرة في المكبات العشوائية ويصابون بالحروق والاختناقات والأمراض الخطيرة

05.06.2013 07:22 PM
رائد جمال موقدي وشادي العدوي/ خاص بآفاق البيئة والتنمية بالتعاون مع تلفزيون وطن

رام الله - وطن للانباء: انتشرت في السنوات القليلة الماضية ظاهرة خطيرة في المجتمع الفلسطيني وتفشت في كافة أرجاء الوطن، ألا وهي ظاهرة نابشي القمامة، وهم الأشخاص الذين يقومون بنبش القمامة لجمع كل ما له قيمة من حديد ونحاس وألمنيوم وبلاستيك وأخشاب وأشياء أخرى لغرض الاستفادة على المستوى الشخصي واستعمالها، أو ليتم الاستفادة منها تجاريا من خلال بيعها.

وغالبا ما تكون الضحية المباشرة لهذا العمل هي شريحة الأطفال، حيث أن طفولتهم البريئة وظروف الحياة الصعبة دفعتهم ليكونوا ضحية من قبل شركات أو مجموعات منتفعة، هدفها الرئيس هو الربح دون الالتفات إلى عمرهم الغض، في وقت لا يدرك فيه الاطفال مدى الضرر والمخاطر الصحية التي يتعرضون لها أثناء القيام بهذا العمل أو المهنة إن جاز التعبير، فلا يتبعون الاحتياطات الصحية الواجب اتخاذها عند القيام بجمع القمامة.

ومن خلال هذا التقرير ستسلط مجلة آفاق البيئة والتنمية الضوء على الأشخاص الذين يقومون بنبش القمامة، وستجيب عن التساؤلات التالية: لحساب من يعملون؟ وما هي أعمارهم ومدى الاضرار التي يتعرضون لها، وهل توجد قوانين وتشريعات تقاوم تلك الظاهرة؟

استغلال الاطفال

من خلال المتابعة الميدانية ومرافقة الأشخاص الذين يقومون بجمع القمامة في أحد المكبات العشوائية، تم الحديث مع أكثر من جامع قمامة، ( م.ع ) مثلاً، ابن الستة عشر عاماً، أشار إلى أنه ومنذ ساعات الصباح الأولى، يتجه إلى مكبات النفايات العشوائية أو تلك التابعة للبلديات، لعله يجد ما هو ثمين من وجهة نظره، لكي يبيعه ويحصل على المال.

وعند سؤاله عن سبب القيام بهذا العمل، أجاب بأنه يعيش ضمن عائلة فقيرة مكونة من سبعة افراد وهو أكبرهم، ووالده عاطل عن العمل، وحيث انه لا يمتلك حرفة يعمل بها، ولا يحظى بفرصة للعمل، اضطر إلى ممارسة تلك المهنة.

وعند سؤاله عن نظرة المجتمع له والمخاطر الصحية وتلك النفسية التي يمكن ان يتعرض لها، فأجاب: "كثيراً ما نتعرض للجرح والحرق والاختناق والوقوع أثناء عملنا لكن ربنا اللي بيستر في كل مرة...، أما عن نظرة المجتمع لي فأنا لا آبه بهم".

واستطرد قائلا: "لقد فقدت كثيرا من أصدقائي، وأعتقد أن ذلك لأسباب اجتماعية تتعلق بمهنتي، ولكن أعود وأقول بأن العمل ليس عيبا طالما الانسان بحاجة ماسة للمال، وهو افضل كثيراً من التسول والشحذة". ولكنه أكمل: " اشعر بالإحباط في اغلب الأحيان، إضافة إلى شعوري بالقهر لأنني تركت التعليم رغماً عني في سن مبكرة".

وعند سؤاله عن الأشياء التي يقومون بجمعها وعن قيمة المال الذي يحصلون عليه من هذا العمل؟ أجاب: " الرزق على الله، حيث في اغلب الأحيان نقوم بجمع كمية لا بأس بها من الحديد والألمنيوم والنحاس، ولكن إن لم نجد تلك المعادن ذات القيمة فنقوم بجمع البلاستيك والأشياء المستعملة لغرض بيعها، وأما عن قيمة المال الذي يجمعونه فأجاب: "النصيب الأكبر يذهب إلى التاجر الذي يقوم بشرائه منا بثمن زهيد، حيث اننا نمضي أكثر من اثنتي عشرة ساعة في جمعها".

التقينا احد التجار (ج .س) وهو اب لعائلة مكونة من سبعة أفراد وعند سؤاله عن سبب القيام بهذا العمل فأجاب: " أنا رب عائلة وبحاجة للمال، ولكي أوفر لهم احتياجاتهم اليومية في ظل هذه الظروف الصعبة التي نعيشها، ومع عدم وجود فرص للعمل، اضطررت للقيام بهذا العمل رغم صعوبته وخطورته". وأشار (ج .س) إلى أن هذا العمل يوفر له المال وبشكل جيد، رافضاً تحديد نسبة مدخوله الشهري.

الإهانة والعنف والمرض

غالبية الذين يقومون بأعمال نبش النفايات هم من الأطفال ما بين أعمار 10 -18 سنة، أما يعملون لحسابهم الخاص، أو يعملون لحساب شخص آخر باليومية، بحيث ينقلهم هذا الشخص في الصباح بواسطة مركبته للتنقل بين القرى والمحافظات لجمع ما هو ثمين بنظرهم، سواء كان ذلك من الحاويات أو أطراف الطرق أو من المكبات العشوائية المتواجدة والمتناثرة في هذه القرى والمحافظات.

ويتعرض الاطفال خلال مهنتهم تلك للإهانة والعنف والإهمال، بسبب عدم توفير أدنى متطلبات السلامة لهم، عدا عن كونهم يعتبرون من أكثر الفئات عرضة للأمراض خاصة التسمم المعوي والأمراض الجلدية المختلفة وأمراض الجهاز التنفسي، بل يعتبرون وسطاء في نقل الأمراض إلى الاطفال الآخرين.

والسؤال هنا من هو المسؤول عن تفاقم هذه الظاهرة ؟ وأين المؤسسات ذات العلاقة؟ وأين القوانين والتشريعات التي تضبط وتنظم هذا العمل؟ ومن هم الاشخاص الذين يسمح لهم بممارسة هذا العمل ضمن المعايير الصحية والبيئية؟

تشير التقديرات السكانية ﺍﻟﻤﺒﻨﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻨﺘﺎﺌﺞ ﺍﻟﺘﻌﺩﺍﺩ الفلسطيني 2007، ﺇﻟﻰ ﺍﻥ ﻋﺩﺩ ﺍلأﻁﻔﺎل ﺩﻭﻥ سن 18 عاما ﻗﺩ بلغ نحو مليون وتسعمائة ﺃﻟﻑ من اجمالي عدد ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﺒﺎﻟﻎ ﻋﺩﺩﻫﻡ 3.9 مليون فرد ﻓﻲ منتصف ﻋﺎﻡ 2009، وقد بينت نتائج مسح ﺍﻟﻘﻭﻯ ﺍﻟﻌﺎﻤﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 2009، ﺃﻥ نسبة ﺍﻷﻁﻔﺎل العاملين ﺴﻭاء بأجر ﺃﻭ ﺩﻭﻥ اجر (اعضاء اسرة ﻏﻴﺭ مدفوعي الاجر ) بلغت 3.7% ﻤﻥ اجمالي عدد ﺍﻷﻁﻔﺎل العاملين في الضفة وغزة، وحول ﺍﻟﻘﻁﺎﻉ الذي يعمل ﻓﻴﻪ ﺍﻷﻁﻔﺎل ﺃﻅﻬﺭﺕ البيانات ﺃﻥ 47.3% من ﺍﻷﻁﻔﺎل العاملين ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺍﻀﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﺔ يعملون ﻓﻲ قطاع الزراعة بواقع 50.4% ﻓﻲ ﺍﻟﻀﻔﺔ ﺍﻟﻐﺭﺒﻴﺔ ﻭ15.8% ﻓﻲ ﻗﻁﺎﻉ ﻏﺯﺓ، ﻭ27.3% يعملون ﻓﻲ ﻗﻁﺎﻉ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﻁﺎﻋﻡ ﻭﺍﻟﻔﻨﺎﺩﻕ بدوافع %23.7 ﻓﻲ ﺍﻟﻀﻔﺔ ﺍﻟﻐﺭﺒﻴﺔ ﻭ62.9% ﻓﻲ ﻗﻁﺎﻉ ﻏﺯﺓ، اما العاملون ﻓﻲ باقي الانشطة الاقتصادية الاخرى وتشمل (التعدين والمحاجر والصناعة التحويلية، ﻭﻗﻁﺎﻉ البناء والتشييد، ﻭﺍﻟﻨﻘل والمواصلات والاتصالات والخدمات ﻭﺍﻟﻔﺭﻭﻉ الاخرى) ﻓﻘﺩ بلغت ﻨﺴﺒﺘﻬﻡ%25.4 (بدوافع 25.9% ﻓﻲ ﺍﻟﻀﻔﺔ الغربية ﻭ21.3% ﻓﻲ ﻗﻁﺎﻉ ﻏﺯﺓ). ولكن لا يوجد رقم حقيقي لعدد ونسبة الاطفال الذين يعملون بنبش وجمع القمامة.

تقصير المؤسسات الأهلية والحكومية وضعف الرقابة

عند التطرق للقوانين والتشريعات حول ظاهرة عمل الأطفال في جمع النفايات، ذُكِر صراحةً في قانون العمل الفلسطيني -نص المادة (93) - حظر تشغيل الاطفال قبل بلوغهم سن الخامسة عشر، ونصت المادة (95) حظر تشغيل الاحداث في الاعمال الخطرة أو الضارة بالصحة أو بالأماكن البعيدة أو النائية عن العمران، ولكن يبقى هذا كلاماً على الورق وليس على ارض الواقع، في ظل ضعف الرقابة الحكومية والأهلية على عمالة الاطفال.

وبالرجوع لقانون الصحة الفلسطيني رقم 20 لسنة 2004، وحسب ما نصت عليه المادة 31، فيحظر مزاولة أي حرفة إلاّ بعد الحصول على موافقة وزارة الصحة وان اعتبرنا أن هذا العمل من الحرف والمهن، فأين دور الوزارة في تنظيم هذه المهنة؟

إضافة إلى أن المادة (42) تنص بأن على الوزارة وبالتنسيق مع الجهات الأخرى نقل المواد أو النفايات الخطرة أو تخزينها أو معالجتها أو التخلص منها، والسؤال هنا أين دور الوزارة في هذا الشأن؟ وأين وزارة شؤون البيئة فيما يتعلق بالرقابة والإشراف على التخلص السليم من النفايات الصلبة والرقابة على المكبات؟
والسؤال هنا كذلك أين دور المؤسسات الأهلية والحكومية في حماية الاطفال؟ أم أنها شعارات تطلق بالهواء ومن أجل الدعاية والإعلان؟

نستخلص مما سبق أن هناك الكثير من القوانين والتشريعات حول منع تشغيل الأطفال ومنع عملهم في المجالات الخطرة، وكذلك نرى أن هناك العديد من القوانين التي يفترض بها أن تنظم العمل في هذا المجال، ولكن أين دورها التنفيذي، أمام استغلال الأطفال وجعلهم يتعرضون للذل والاضطهاد والعنف والاستغلال؟ أين هي من حقهم بالحياة بكرامة وعيش طفولتهم؟ أين هي من حقهم بالتعليم؟ وأين هي من حقهم بوجود أدنى متطلبات الحياة البسيطة؟

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير